أزمة المدرسة وإشكالية إعادة الإنتاج بين النظام التعليمي والمجتمع

مقدمة


هذا الموضوع المقترح يعرض لقضيّة من أهم القضايا الشّائكة التي استأثرت باهتمام ونظر كلّ الفاعلين ‏والمهتمّين بمسألة التّربية والتّعليم داخل المجتمع؛ بدءا بالمسؤولين والمشرفين على هذا القطاع الحيوي، ومرورا ‏بالفاعلين التّربويين والممارسين الذين هم في قلب معمعة المدرسة وتدافعاتها، ثم انتهاء بالآباء والأولياء الذين ‏يعنيهم بحدّة واقع ومستقبل المدرسة التي يتعلّم فيها أبناؤهم؛ الأمر يتعلّق بما عُبِّر عنه بأزمة المدرسة، وتحديدا ‏في علاقة هذه الأزمة بأنماط التّنشئة الاجتماعيّة التي تتبنّاها مؤسّسات المجتمع، وكذا بالأدوار المنوطة بالمدرسة ‏نفسها تأثيرا في المجتمع وتأثّرا به. وستكون مقاربة هذا الموضوع مقاربة سوسيولوجيّة وفق المنظور الذي يطرحه ‏عالم الاجتماع الفرنسي «فرانسوا دوبي» ‏François dubet، وذلك في إطار نقده -أولا- لنظريّة «إعادة الإنتاج» التي ‏نحتها «بيير بورديو»، والبديل الذي يقترحه بهذا الصدد وهو ما أسماه بـ «التّجربة الذّاتية» للمتعلّمين، من جهة ‏أخرى سنناقش عددا من القضايا التي أثارها «فرانسوا دوبي» أثناء معالجته لقضايا من قبيل: أزمة المدرسة، ‏والتّفاوتات الاجتماعيّة ودور كلّ من المدرسة والمجتمع في تعميقها أو الحدّ منها، وكذلك حديثه عن النّظام ‏المدرسي وسلطة الشّهادات والدّبلومات في علاقتها بالتّفاوتات المدرسيّة والاجتماعيّة…‏


فرانسوا دوبي/ ‏François Dubet‏

(1) عالم اجتماع فرنسي وأستاذ بجامعة بوردو الفرنسيّة،‏ تركزت أهمّ أعماله على قضايا السّوسيولوجيا والتّربية، الشّغل، النّظريّة السّوسيولوجيّة، العدالة…الخ، ولعلّ تصفّح أهم ‏كتبه: «لماذا يجب تغيير المدرسة؟ تلاميذ الثّانوي «‏les lycéens ‎‏»، النّفاق المدرسي، انحطاط المؤسّسة، مدرسة ‏الفرص، حقائق/شؤون المدرسة…» ‏ يوحي بالأهمية القصوى التي استأثرت بها المدرسة في أبحاثه وأعماله التي ‏قاربها من منظور سوسيولوجي ناقدا للسوسيولوجيا القديمة، وقوامه هو الدّراسات المقارنة والأبحاث الميدانية ‏الموسّعة.‏


التفاوتات الاجتماعية ودور كل من المدرسة والمجتمع


أ‌-‏ إشكالية إعادة الإنتاج حسب فرانسو دوبي


قدم «دوبي» قراء لنظريّة «بورديو» فيها اعتراف بقوّتها في الطرح المتمركز حول مسألة ‏العنف الرّمزي وإعادة الإنتاج اللّذين تقوم بهما المدرسة، وأشار إلى أنّ أعمال «بورديو» لقيت إقبالا كبيرا في مجال ‏سوسيولوجيا التّربية وصدى واسعا لدى المعارضين لها من علماء الاجتماع أو المؤيّدين على حدّ سواء. وذلك عائد -‏حسب «دوبي»- إلى اعتبارين اثنين: الصّياغة الدّقيقة للنّظريّة والقوّة التّجريديّة والنّظريّة التي تتمتّع بها، كما أنّها ‏جاءت لدحض السّوسيولوجيا «السّعيدة» التي جاء بها دوركايم (القدرة على الاندماج، الحياد في المؤسّسات، ‏تكافؤ الفرص…). كما تعبّر نظريّة «بورديو» إلى حدّ كبير عن واقع المدرسة المتمثّل أساسا في خيبات الأمل في بعدها ‏الجماهيري إزاء المدرسة.‏
تجد «نظرية بورديو» – حسب دوبي – تأييدا حتّى في صفوف الممارسين والتّربويين، وهي لم تعوّض بنفس ‏الخصائص والبناء التّجريدي الكبير، حيث إنّ كلّ سوسيولوجيا التّربية تمرّ عبر نظرية «إعادة الإنتاج» وهي تتناول ‏في نفس الوقت المجتمع، الثقافة، الحراك الاجتماعي، المدرسة…الخ. لكن خلال فترة الثّمانينات بدأت ‏سوسيولوجيا التّربية تتجاوز وتنتقد هذا التّصوّر، حيث ظهرت مراجعات لهذه النّظرية «إعادة الإنتاج» بمبرّر أنّ ‏علماء الاجتماع بدأوا يتنبّهون إلى تغيّر السّياق الاجتماعي والسّياسات التّربويّة بشكل خاصّ، وبالتّالي الابتعاد عن ‏الأفق الذي طرحه «بورديو» وهو الثّورة في اتجاه خطّ الإصلاح والتّعديلات.‏
ثم إنّ المدرسة نفسها بدت كأنّها غير محكومة بقواعد عامّة، فهي ليست متجانسة، وليس كلّ المؤسّسات ‏تتميّز بنفس الأداء في الفعل، كما أنّ التّلاميذ هم ذوات وليسوا مجرّد متلقّين سلبيين للتّنشئة الاجتماعيّة، بل هم ‏‏-حسب دوبي- ذوات تتحكّم في تجربتها المدرسيّة. وبدلا من قوانين إعادة الإنتاج الخفيّة، بدا الحديث عن نظام ‏تعليمي باعتباره مجالا شبيها بالسّوق المدرسيّة؛ فيها عرض وطلب والتّلاميذ في هذا المجال فاعلون عقلانيون، يملكون ‏استراتيجيّات الحساب والّربح وتجنّب الخسارة…‏
من جهة أخرى يقول دوبي: الثّقافة المدرسيّة ليست كما تصوّرها «بورديو» على أساس أنّها امتداد وجزء ‏من ثقافة الطّبقات المهيمنة‎.‎‏ إنّها ذات كيان خاصّ وتختلف عن الثّقافة «البورجوازيّة». ويستحضر دوبي جانبا ‏آخر يدعو إلى إعارته الاهتمام الكافي وهو أنّ نظريّة إعادة الإنتاج لصيقة بصاحبها (بورديو) وفكره وخطّه النّضالي ‏باعتباره مثقّفا عضويا طالما انخرط في الدّفاع عن قضايا معينة تهم الجوانب الاجتماعيّة والإنسانية والاقتصادية.‏
يعتبر «دوبي» السوسيولوجيا السّابقة عموما موغلة في التّركيز على التّفاوتات المدرسيّة باعتبارها امتدادا ‏مباشرا للتفاوتات الاجتماعية لا أكثر. ورأى أنّ مشكلة تلك النّظريات السّابقة تكمن في اعتبار المدرسة علبة ‏سوداء تعيد الإنتاج عبر آليّات حتميّة، كما أنّها تنتج سوسيولوجيا بدون فاعلين؛ حيث الاستبعاد التّام لذاتية ‏الأفراد.‏
ومن الانتقادات الوجيهة التي سجّلت على نظرية «بورديو» أنّها اهتمت بالمدرسة بصفتها منظومة شاملة، ‏ولم تنتبه إلى ما يجري داخل النّظام المدرسي التّعليمي، والكيفيات التي ينظّم بها ذلك النّظام المدرسي، وطبيعة ‏الممارسات البيداغوجيّة، والمشاريع الفرديّة داخل المدرسة…لقد كان الهمّ الأكبر لدى «بورديو» هو البحث عن ‏الحتميّات التي تحكم المدرسة. ممّا يعني غياب الفاعل/التلميذ وعدم استحضارٍ لمعطياتٍ تخصُّ الجوانب ‏الشّخصية فيه من أفكار ومشاعر وعلاقات.‏
تساهم المدرسة في إنتاج التّفاوتات الاجتماعيّة وهي بذلك تكرّس الأفضليّة لصالح التّلاميذ ‏المحظوظين اجتماعيّا وثقافيّا. لكن هذا القانون -حسب دوبي- يعتبر عاما جدّا من أجل تفسير الاختلافات ‏الكبيرة في درجة أو هامش إعادة الإنتاج المستوحاة من المقارنات الدّولية المخصّصة لهذا الموضوع -وهي المعطيات ‏التي استند إليها دوبي في تحليله لهذا الموضوع». وانطلاقا من تلك الأبحاث يحاول هذا التصور بيان أن تلك ‏الاختلافات المشار إليها لا تُفسَّر مباشرة بواسطة ضخامة وحجم التّفاوتات الاجتماعيّة. ويسعى أيضا إلى تفسيرها ‏بطرح عاملين آخرين؛ الأول يعزى إلى دور الأنظمة المدرسيّة حيث يتبيّن أنّها تعزّز أو تخفّف بشكل أو بآخر آثار ‏وانعكاسات التّفاوتات الاجتماعيّة على التّفاوتات داخل المدرسة. الثّاني يتموقع في «مصب ‏AVAL=‎‏»/ مخرجات ‏المدرسة، تحديدا في شدّة تأثير أو سلطة الشّهادات التي تمنحها المدرسة على الولوج إلى المواقع الاجتماعيّة، يتبيّن ‏إذن بأنّ الشّهادات المدرسيّة تلعب دورا مُحدِّدا، بمعنى آخر كون التّفاوتات المدرسيّة تزيد،‎و ‎هذا يعني مباشرة ‏الزّيادة في صلابة وحدة التّفاوتات الاجتماعية أيضا. في نهاية الأمر إنّ الوظيفة المنوطة بالمدرسة في مختلف ‏المجتمعات هي من يحدّد حجم مشكلة «إعادة الإنتاج»، وليس فقط ما يدور في منبع المدرسة ونقصد به المجتمع ‏وآليات اشتغاله وتفاوتاته الطبقية.‏
وظيفة «إعادة الإنتاج»، والتي تضطلع بها المدرسة، تعدّ قاسما مشتركا ثابتا في المجتمعات المعاصرة التي ‏لدى أفرادها رغبة في أن يجدوا في المدرسة ومن خلال جزاءاتها (التّأهيل-الشّهادات) تبريرات لقضية الطّبقية ‏الاجتماعيّة التي تولّدت عن التّفاوتات الاجتماعيّة، وبالتالي فإعادة الإنتاج تمرّ عبر تحوّل التّفاوتات الاجتماعيّة ‏إلى تفاوتات داخل المدرسة بنفس الدّرجة، ثمّ التّفاوتات المدرسيّة إلى تفاوتات اجتماعيّة في إطار حلقة من التّكرار ‏المتعاقب.‏
حسب «دوبي» فإنّ هذا الطرح السّابق «لا يعد فقط غير تاريخي»/‏ahistorique، وإنّما هي مرتبطة ‏أيضا بالتّصور الفرنسي- يقول دوبي- لدور المدرسة كما يشهد بذلك صدى أطروحة كلّ من ‏‏«بورديو/‏Bourdieux‏» و«باسرون/‏J. Passeron‏» التي طوّرت في فترة حيث كانت الأبحاث والدراسات المقارنة ‏نادرة جدا. ومنذ حوالي عشرين سنة تلك الدراسات والأبحاث شهدت تضاعفا وكلها تؤكد أنه في كل الدول ‏الغنية تعد التفاوتات الاجتماعية عاملا محددا للتفاوتات المدرسية، وتبين أيضا بأنّ ذلك التّأثير له ‏مستويات جدّ متباينة حسب الدول. بعبارة أخرى، إنّ العلاقة بين التّفاوتات المدرسيّة ونظيرتها الاجتماعيّة ‏ليست موحّدة ووفق نمط واحد. وهذا يقود إلى التّساؤل حول ما إذا كان «ميكانيزم» إعادة الإنتاج الاجتماعي ‏الفعّال في كلّ الدول- كما توضحه إنجازات السّوسيولوجيا المقارنة للحركيّة الاجتماعيّة، -تلعب فيه المدرسة ‏نفس الدّور وبنفس المستوى››.‏
إن التباينات الملحوظة بين مختلف الدّول يمكن أن تفسّر بطريقتين؛ حيث نستطيع في البداية أن ‏نتساءل عن ماهية الدّور الذي تلعبه المدرسة ونظامها التّعليمي في تحويل التّفاوتات الاجتماعية إلى تفاوتات ‏داخل المدرسة نفسها. لكن يمكن أيضا تحويل التّساؤل إلى مجال البحث فيما يحدث في «مصبّ» المدرسة ‏ومخرجاتها؛ في الطّريقة التي تستعمل فيها المجتمعات الشّهادات المدرسيّة وتثمّنها. إنّ أطروحات «إعادة الإنتاج» ‏تقدم علاقة تسلسل بين «منبع» المدرسة: التّفاوتات الاجتماعيّة، والتّفاوتات المدرسيّة، لكن أيضا بين التفاوتات ‏الاجتماعية و«مصب» المدرسة: أي الوضع الاجتماعي المحصل عليه من طرف التّلاميذ. غير أنّ هذه السّلسة ‏بعيدة عن أن تكون تلقائيّة بهذا المعنى.‏
يقول فرانسوا دبي إنّه يمكن أن نفترض أنّه حينما تعتبر دولة ما الشّهادات والدّبلومات التي تمنحها ‏المدرسة محدّدا مركزيّا للوضع الاجتماعي للأشخاص، تكون لامحالة التّفاوتات المدرسيّة ذات دور اجتماعي معتبر ‏وقويّ في مستقبل الأفراد، وأيضا يمكن أن نتصوّر أنّ الآباء والأولياء سيفعلون كلّ شيء من أجل تعميق التّميز ‏والحظوة داخل المدرسة لفائدة أبنائهم ما دام المستقبل اللاّحق (الوضع الاجتماعي) رهين بذلك التّميّز الذي ‏سيحصّلونه في المدرسة.‏
في المقابل نفس التّفاوتات المدرسيّة تلعب دورا مختلفا في المجتمعات التي تعطي وزنا أقلّ لقيمة الشّهائد ‏والدّبلومات المدرسيّة، وتطور إلى جانب ذلك أنظمة تأهيل وتكوين مهني أخرى من أجل الحصول على الوظائف ‏والمناصب. وعليه فمن أجل فهم الدّور الذي تمارسه المدرسة في إنتاج وإعادة إنتاج التّفاوتات الاجتماعيّة لا ينبغي ‏فقط الاهتمام بالنتائج المدرسيّة لتلك التفاوتات، بل يجب كذلك أن ندرس الآثار الاجتماعيّة للتّفاوتات ‏المدرسيّة. إنّ الأمر يتعلّق بالميكانزيمين معا في تحديد الاختلافات بين الدول: «حيث يكون نمط اشتغال النّظام ‏المدرسي وقوة نفوذ الشّهادات والدّبلومات التي تمنح للتّلاميذ من أجل تحديد الوضع الاجتماعي، مؤثّرا بالمثل ‏تماما كالتّفاوتات الاجتماعيّة الواقعة في منبع/‏amont‏ المدرسة، في تشكيل التّفاوتات المدرسيّة وبالتّالي ‏النّتائج الاجتماعيّة المترتّبة عنها».‏


ب- النّظام المدرسي وسلطة الشّهادات


سوسيولوجيا التربية أوحت لنا لأوّل وهلة، بأنّ كلّ شيء يحدث قبل المدرسة، بواسطة الخلفيّة ‏الاجتماعيّة والمرحلة التّمهيدية للتّنشئة الاجتماعيّة، ودفعتنا إلى التّفكير بأن التّفاوتات المدرسيّة ما هي إلاّ ‏انعكاس تلقائي ومباشر للتّفاوتات الحاصلة فعلا في المجتمع بين الطّبقات المحظوظة وغير المحظوظة. وبالتّأكيد ‏حينما نفكّر على مستوى الفرد، سنجد هذا الفهم موجودا بشكل صريح؛ فنحن «ننجح بشكل أفضل في ‏المدرسة، ذلك لأنّنا ننتمي للطبقات الاجتماعية المحظوظة». لكن هذا الطّرح لا يعني لنا الشّيء الكثير- يقول ‏دوبي- لأنّ مستوى التّفاوتات المدرسيّة ليس الانعكاس الميكانيكي لدرجات التّفاوتات الاجتماعيّة حينما نلاحظ ‏مجتمعات تعتبر نسبيّا متشابهة. من أجل تفسير تفاوتات محدّدة، لا ينبغي الرّهان فقط على ما يحدث خارج ‏المدرسة، وقد يكون ما يحدث داخل المدرسة إمّا يزيد من حدّة التفاوتات الاجتماعيّة على التّفاوتات المدرسيّة أو ‏يحدّ منها. من أجل تفسير اختلافات مدى وميكانيزمات إعادة الإنتاج، يجب الاهتمام بما يجري على مستوى ‏مصبّ المدرسة، خاصّة الكيفيّة حيث الألقاب المدرسيّة الموزّعة بشكل غير متكافئ تؤثّر على توزيع الأفراد في ‏المواقع الاجتماعية التي هي بدورها غير متكافئة. نرى إذن بأنّ هذا التّأثير غالبا ما يؤسّس على حجج لها علاقة بما ‏يمكن تسميته بـ «العدالة المستحقّة بالجدارة» التي لها أثر رجعيّ على التّفاوتات المدرسيّة، وكلّما كان للشّهادات ‏المحصلة تأثير قويّ وفائدة اجتماعيّة كبيرة، إلاّ وكانت التّفاوتات المدرسيّة قوية أيضا، وبالتّالي تكون التفاوتات ‏الاجتماعية شديدة.‏
المنهج الذي يقدّمه «دوبي» هنا يدعو صراحة إلى رفض الطّرح الكلاسيكي في نظرته لعلم اجتماع ‏التّفاوتات وإعادة الإنتاج الاجتماعي. ذلك أنّ إعادة الإنتاج بين مختلف الأجيال لا يجب أن ينظر إليها فقط من ‏زاوية الخصائص الفرديّة للأشخاص وما يحصلون عليه عن طريق الوراثة «الهبيتوس». إنّها علاوة على ذلك ترتبط ‏بالتّسويات والتّرتيبات المؤسّسية التي بواسطتها تعمل المجتمعات على تصريف أعضائها في قلب النّظام المدرسي، ‏وتحديدا تتعلّق بطبيعة العلاقات داخل المدرسة والأثر الذي تحدثه عبر سلطة الشّهادات والدّبلومات التي تتوّج ‏نهاية المسار التّعليمي للفرد.‏
يؤكد «دوبي» قائلا: « لابدّ من التّفكير في مستوى أداء المدرسة نفسها، ولكن ينبغي التّدخّل في مستوى ‏تأثير التّأهيلات المدرسيّة من أجل ألاّ تحدّد التّفاوتات المدرسيّة مصير كلّ مسارات الأفراد، يجب ضمان ‏سيرورات أخرى للتّكوين والتّوجيه والانتقاء الذي يعطي فرصا جديدة لهؤلاء الذين فوّتوا حظوظهم ‏المدرسيّة، وأنّ المدرسة ليست هي الوحيدة التي تحتكر مفهوم الاستحقاق وتحدّد قيمة الأفراد».‏

أزمة المدرسة و تجلياتها


أ‌-‏ المدرسة في أزمة

أجرى «دوبي» مقابلة ‏ مع أحد الباحثين في علم الاجتماع، من خلالها حاول تقديم جواب على هذه المشكلة. أكثر من ‏ذلك أتى على مجموعة من التّحديات التي تؤثّر على النّظام التّعليمي (الفرنسي على الخصوص). حول المعنى الذي يأخذه مفهوم ‏‏«أزمة المدرسة» في المجتمع الفرنسي. كما أتى على ذكر التّحولات العميقة التي تمسّ النّظام المدرسي والأسباب الثّقافية التي تدفع ‏إلى مقاومة إصلاح هذا النّموذج‎ ‎المصمّم لنخبة اجتماعيّة في الوقت الذي تعرف فيه نسبة المتمدرسين توسّعا وتنوّعا عريضين، ‏مفسّرا أيضا مبرّرات ودواعي تتعلّق بحقيقة كون «المدرسة قد وُرِّثت وظيفة الخلاص الخاصّة بالكنيسة»، وأيضا ما يتعلّق ‏بالذّهنية الجامدة والمؤسّسات‎ ‎المتحجّرة… ‏
يقول‎ ‎في هذا الصّدد، إنّه وبدون إجراء تعليلات إبستيمولوجيّة معقّدة حول مصطلح الأزمة، يبدو واضحا أنّ هناك ‏شعورا قويّا بأزمة داخل المدرسة، ويجب البحث له عن تفسيرات تاريخيّة. فهناك نوع من الرّواية الوطنيّة خاصّة برسالة المدرسة، ‏بكيفية ما: الفرنسيّون، المؤسّسات، النّقابات، المدرّسون، الآباء…لهم الإحساس المبعثر بأنّ الأمّة والمجتمع قد صنعت من طرف ‏المدرسة. هذا الاعتقاد يهيكل شعورا مزمنا بالأزمة، وأغلب الكتابات لا تتحدّث إلاّ عن أزمة المدرسة، عن تدنّي المستوى التّعليمي، ‏عن التّلاميذ الذين لا يحترمون هيبة المدرسة، وأحيانا يظهر أنّ المدرسة تعكس أزمة المجتمع. إذن هذه هي النّتيجة التي ينبغي ‏الإعلان عنها: النّقابات، المدرّسون، الآباء،السّياسيون… يلتحقون بطقس سياسي يؤكّد دون توقّف: «المدرسة يجب أن تنقذ ‏المجتمع».‏


ب‌-‏ مظاهر وتجليات الأزمة


يذكر فرانسوا دوبي ثلاثة مظاهر سلبيّة تعكس ما أسماه بأزمة المدرسة.

الأول:

الذين يلجون المدرسة هم تلاميذ «غير ‏مؤمنين»، بمعنى تلاميذ لا يلعبون نفس لعبة المدرسة ولا يتماهون تماما مع خطابها. ويشير إلى أنّ بعض وسائل الإعلام والاتصال ‏تعكس آلام المدرسين، العنف المدرسي، أو «تيمة متوحّشي المدرسة»، الرّهان الفعلي هنا هو حصول ما عبر عنه بــ«الانشقاق ‏التّقليدي للمؤسّسة» وتدلّ عليه عبارة: «نحن، لا نعرف إلاّ تلاميذ، الأطفال والمراهقون ليسوا مشكلتنا».‏
رغم أنّ هذا النّموذج كان مقبولا حينما كانت المدرسة انتقائيّة ومتحكّما فيها، فاليوم حينما اختلف الوضع بعد ذلك لا ‏يمكن أن تشتغل بشكل اعتيادي وطبيعي، لأنّها صارت منهكة وغارقة بسبب المشاكل الاجتماعيّة التي تطوّقها، المشكلة الكبرى هي ‏أنّ تلك الآفات الاجتماعيّة صارت اليوم في قلب المدرسة بعدما كانت خارجها في الماضي. والمثال الذي يطرح نفسه هو مسألة «المراهقة» التي دخلت لا محالة المدرسة حينما تمّ إرساء الاختلاط الجنسي والاجتماعي، هذه «الظاهرة» حملت معها العديد من ‏الاختلالات والتي لا أحد يدري ما العمل إزاء النّموذج المدرسي الكفيل بحصن التّعامل معها، وعلى أساسها أيضا لا أحد فكّر في ‏العواقب قبل السّماح لهؤلاء بولوج النّظام المدرسي. من جهة أخرى، وهو تحوّل عميق، هناك مسألة المعايير والمقاييس التي في ‏ضوئها الجميع يستفيد من خدمات التّمدرس، فقد تغيرت كلّية طبيعة التّأهيل المدرسي حيث صار يقود إلى نوع من الحتميّة في ‏التّأهيل، لكن في هذه «اللّعبة» عدد الفاشلين والخاسرين مهول جدّا، ولا شيء قُدِّم لهم من أجل انتشالهم من تلك المشكلة. في ‏الواقع حينما كان التّمدرس محدودا أغلبيّة الأشخاص كانوا يدخلون عالم الرّشد والحياة المهنيّة بدون مساعدة من التّأهيل ‏المدرسي. اليوم، وبوضوح، يتشكّل في المدرسة سوق مدرسي حقيقي.‏
‏ -التّحوّل الثّالث الذي يبدو معقّدا يتمثّل في وجود أزمة في الثّقافة المدرسيّة، تلك الثّقافة المدرسيّة التي كانت تفرض ‏نفسها كصورة للكوني ضدّ الثّقافة الدّينية بكلّ مشروعيّة ممكنة حينها، اليوم صارت تلك المشروعيّة أداتية ‏‎« instrumentale »‎لا أكثر. هذه الثّقافة المدرسيّة أيضا باتت خائبة بسبب الثّقافة الشّعبيّة السّلبية التي على أساسها يعيش ‏التّلاميذ والمدرسون كذلك. في السّابق كانت للثّقافة المدرسيّة القدرة على فرض نفسها كثقافة تنتزع الأفراد إلى «المجتمع ‏الصّغير» على حدّ تعبير دوركايم. أما حاليّا فهذه الثّقافة في أزمة.‏
‎يقول «دوبي» مجيبا عن سؤال لماذا عجزت المدرسة عن حل تلك المشكلات؟: «إنّ مدرستنا تحمل سلبيّات كثيرة، الأهم ‏فيها أنّها غير مرحِّبة؛ فحينما ندرس المقارنات الدّولية نلاحظ أنّ المدرسة الفرنسيّة من منظور التّلاميذ هي مكان يشعرون فيه ‏بسوء التّعامل وعدم الاكتراث.‏
‏-مشكلة التّحفيز: العنصر الأساسي في أزمة المدرسة يتمثّل بالأساس في «مشكلة قدرتها على التّحفيز»، فالعديد من ‏التّلاميذ يأتون إلى المدرسة ويطرحون سؤال لماذا المدرسة؟ اليوم نحن مستعمرون بظواهر العنف المدرسي، وليس هذا هو ‏المشكل الحقيقي للمدرسة، المشكلة الحقيقية تكمن في التّهديد الذي يفرض على المدرسة والمتمثّل في عدم الاهتمام واللاّمبالاة ‏بالمدرسة أو النّظام المدرسي…النتيجة إذن هي الانقطاع، التّغيّب المرتفع ، وفي أحسن الأحوال يذهب التّلاميذ إلى ما يسميه دوبي ‏بالقدّاس المدرسي ‏messe scolaire‏ دون أن يكون لهم به إيمان صادق. وعندما تدخل في «ذاتية» المتعلّمين ستدرك إلى أيّ حدّ ‏صارت المدرسة بلا معنى عند الكثير منهم ‏. ويجب أيضا التّنبيه على الشّعور بعدم الاكتراث الذي يبعث به النّظام المدرسي دون ‏التّوقف على بعث الرّسائل السّلبيّة التي توحي وتشعرك باستمرار بأنّك لست في حال جيدة، فلو تركنا جانبا التّلاميذ النّجباء، ‏ستكون لبقيّة التّلاميذ تجربة سيّئة مع النّظام التعليمي وبشكل جدّ مبكر.


التجربة الذاتية ورهان الخروج من أزمة المدرسة


أ‌-‏ مفهوم ودور التجربة الذاتية


من أجل معرفة المدرسة في حقيقتها لا بدّ أن ندرس ما يقوم به التّلاميذ والأساتذة وما يصنعونه بذواتهم داخل المدرسة ‏من خلال التّفاوضات والتّنافسات والتّفاعلات التي يخوضونها داخلها، وهذا ما يفتح المجال للتّجارب ‏الذّاتية التي تعنيهم. تلك التّجارب التي تعدّ الوِحدة الأوّليّة التي يمكن من خلالها التّفكير في المدرسة وقياس ما تنتجه في ‏الواقع. ودراسة تلك التّجارب تعني دراسة الأنشطة التي عن طريقها يبني المتعلّمون أنفسهم ويحدّدون مساراتهم في نظام تعليمي ‏معين.‏
إنّ التّركيز على التّجربة الذّاتية كما طرحها «فرانسوا دوبي» تقضي بأنّ المقاربات القديمة للمدرسة لم تعد مقبولة وخاصّة ‏أمّا التّحوّلات التي عرفها واقع التّعليم والتي يمكن إجمالها في «أزمة المدرسة»، هذه الأزمة التي لخّص دوبي أبرز معالمها في العناصر ‏التّالية:‏
‏-التّغيّر الجوهري في غايات التّربية نفسها، فهناك العديد من التّطورات التي جعلت «رواد» المدرسة يشكّكون في كونها ‏فعلا من أجل خلق ذوات حرّة ومستقلة، نظرا لما يحكم المدرسة من إشراط وتوجيه.‏
‏-المدرسة اليوم -بخلاف الماضي- لم تعد تدّعي أنّها الوحيدة التي تحتكر العلم والمعرفة والثّقافة، وذلك أمام صعود ‏وسائل الإعلام والاتصال ووسائل أخرى تعمل على إنتاج المعرفة وتداولها…الخ
‏-يقول دوبي أنّ ما عمّق أزمة المدرسة هو كونها قد دخلت إلى العالم الاجتماعي بكلّ تعقيداته وتناقضاته والصّراعات ‏التي تحكمه، ممّا جعلها تحت ضغط هذا العالم المحيط بها وما يفرضه من مطالب متعدّدة كالمهْنَنَة وتلبية حاجيات سوق ‏الشّغل وغيرها.‏
‏-لقد أضحت المدرسة اليوم خاضعة بدورها لمنطق السّوق، أي العرض والطّلب، وباتت الأسر تأتي إلى المدرسة من أجل ‏البحث عن الأرباح وجني الفوائد، وهذا «السّوق» يزداد تعقيدا وصعوبة حيث تصير الشّهادات والدّبلومات الممنوحة هي المحدّد ‏الرّئيسي لوضعية الأفراد الاجتماعيّة.‏
‏- ما عمّق من أزمة المدرسة هي أنّها انفتحت على فئات عريضة وبكثافة أكبر بكثير من السّابق وخاصّة من الإناث ‏وصارت أقلّ تجانسا في مكوناتها الاجتماعيّة والعرقيّة، وممّا عمّق أزمة المدرسة أيضا هو تضاؤل سلطتها وضعف الجانب ‏التّحفيزي فيها (ظاهرة العنف المدرسي، نسب التّغيب المرتفعة، تضاؤل هيبة ومكانة المدرسة في نظر التلاميذ…الخ). لقد صارت ‏المدرسة بالفعل عرضة للمدّ الجماهيري الشّعبوي الذي يؤثّر بشكل سلبي على العلاقات البيداغوجيّة داخل المدرسة، ويشوّش ‏على أدوار الفاعلين بداخلها. وبات التّلاميذ اليوم يطالبون بأن ننظر إليهم على أساس أنهم مراهقون وشباب وليس مجرد تلاميذ ‏فقط…ذلك وغيره يوحي بالفعل بأننا أمام أزمة مدرسة.‏


ب- كيف نواجه أزمة المدرسية؟


المفروض أنّه يجب علينا أن نتصوّر عالما مدرسيّا جديدا، ونغيّر نظرتنا للمدرسة وأدوارها، ويقترح دوبي أن يكون مفهوم ‏التّجربة الذّاتية مدخلا لحلّ معضلة «أزمة المدرسة». وذلك من خلال الاعتراف بكينونة المتعلّم واستقلاليّة ذاته وأنّه حرّ في ‏خوض تلك التّجربة الذّاتية من أجل رسم مساره داخل المدرسة، وهذا يحتم أخذ وجهة نظر التّلميذ والطّالب بعين الاعتبار الذي ‏ينظر إلى التّمدرس والتّعليم كمهمّة هو من يبنيها وهو المعني الأول بها، والذي غالبا ما لا يتماهى مع القواعد المنظّمة للعلاقات ‏داخل المدرسة، بل بإعادة بنائها بطريقة إضفاء معنى خاصّ به لها. مع مراعاة أنّ الذّات لها قدرة على التّفكير والتّأمل والتّأويل ‏وخلق هوامش للحرّية.‏
أمّا عن مستويات بناء هذه التّجربة الذّاتية التي يتحدّث عنها «فرانسوا دوبي» فيمكن إجمالها في النقاط الآتية:‏
‏-تحدّث أولا عن عامل «الهبتوس» المدرسي، ذلك الاستعداد القبلي المنقول للتّلميذ عن طريق الأسرة، وبه يمنح التّلاميذ ‏معنى لدراستهم لأنّهم تربّوا في أسر قادرة على أن تمنحهم هذا المعنى. وقد لاحظ دوبي أنّ هذا النّمط من التّنشئة عرف تراجعا ‏لدى الطّبقات الوسطى، أمّا عن الطّبقات الدّنيا المهمّشة فالمدرسة عالم غريب بالنّسبة إليهم.‏
‏-المنفعة الفرديّة لفعل التّمدرس: لأنّ المدرسة في نهاية المطاف استثمار في الجهد والوقت للحصول على منافع ‏وشواهد تأهيل، والفكرة هي أنّ المدرسة أساس التّرقي والحراك الاجتماعي، وإن كان هذا الأمر اليوم لم يعد بذلك التّحفيز ‏المطلوب، بسبب البطالة وتضخّم الشّهادات الجامعيّة وضبابيّة الأفق المدرسي أمام أعين الكثير من التّلاميذ…الخ
‏- التّحفيز الفكري عبر المعرفة نفسها، بحيث ينظر التّلميذ إلى التّعلم باعتباره سعيا وراء النّضج وبناء الذّات ‏والشّخصيّة. ولابدّ حينها أن يشعر التّلميذ بلذّة المعرفة ويجد فيها أجوبة عن أسئلته المتجدّدة، وأن يخلق لديه التّحفيز على ‏المعرفة باستمرار.‏
بواسطة العناصر المذكورة آنفا يمكن أن نعرف المنطق الذي يتحكّم في التّجربة الذّاتية للمتعلّم، ويؤكّد دوبي على أنّ ‏التّلاميذ مجبرون على أن يكونوا أحرارا حتّى ولو كانت المواد المؤسّسة عليها لا تعود للتّلاميذ، مع استحضار أنّ التّجربة الذّاتية ‏لكلّ تلميذ رهينة بمتغيّرات الوضع الاجتماعي من جهة تيسير تلك التّجربة أو تعقيدها.‏


الأستاذ: عمر بن سكا.

error: المحتوى محمي !!