الجزائر

أسطورة “دار لمعكرة” وصنائع المعروف

دار المعكرة بحي القصبة العتيق

“دار المعكرة” منزل عتيق يقع بحي القصبة التاريخي الذي صنف من مواقع التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1992م، وهذا الأخير عبارة مجمع لمنازل متشابكة على طول منحدر، وقد شيد في موقع استراتيجي على هضبة بارتفاع 118 متر مطلة على البحر الأبيض المتوسط مما يسمح برؤية واضحة للقاعدة العسكرية التي أقامها الحكم العثماني فيه آنذاك .
كانت معظم البنايات السكنية مصممة وفق الطراز التركي تتخللها أزقة متداخلة، إضافة إلى وجود مساجد عديدة أشهرها جامع كتشاوة والجامع لكبير.

وللقصبة عدة أبواب في جهاتها الأربعة منها باب الوادي غربا وباب عزون شرقا وباب الدزيرة ( الجزيرة) شمالا وباب جديد جنوبا وهذه الأبواب كانت تغلق قديما في الليل لتجعلها مدينة آمنة كما أطلقوا عليها اسم ” المحروسة”.

 فقد كان سكانها ينعمون بالأمن والآمان ويعيشون رقيا حضاريا تشهد المعالم التاريخية عليه ومنها القصور الراقية والتي ذكرنا منها “دار العكرية” التي سنتعرف عليها من خلال قصتها الشهيرة التي يتداولها العامة.

حكاية “دار لمعكرة”

“دار لمعكرة” كانت في الأصل ملكا لشقيقتين يتيمين ورثتاها عن والدهما، عاشتا فيها معا، كانت إحداهما محافظة ملتزمة بالقوانين العامة للمجتمع وتسمى “مريم”، في حين أن الأخرى والتي تدعى “فاطمة” لم تكن سوى فتاة طائشة مستهترة لاتهتم للأعراف وتفعل ما يحلو لها وفقا لأهوائها مستخفة بالقيود الاجتماعية مما جعلها سيئة السمعة ومنبوذة من قبل الجميع بتصرفاتها المخالفة.

إقرأ أيضا:قلتة أفيلال محمية مائية في قلب الصحراء الكبرى

وكانت تستعمل الكثير من مواد الزينة ومنها صبغ شعرها بالحناء وتخضيب يديها وقدميما بها مما أضفى عليها حمرة لافتة فأطلقت عليها تسمية لمعكرة نسبة إلى نوع من العقاقير يستعمل في الطهي لمنح الطبق اللون الأحمر ويسمى بالعامية العكري.

وفي إحدى أمسيات الشتاء الباردة بدأت “مريم” بتحضير العشاء وكانت رائحة الطعام زكية انتشرت في كل المكان حتى وصلت بيوت الجيران، وفي منزل مجاور كانت تسكن جارة حامل جذبتها الرائحة ولم تشعر بنفسها إلا وهي تقرع باب الأختين متحججة بطلب شعلة من نار لأن نار موقدها انطفأت فقامت “مريم” بإشعال عود حطب ( ويقال شمعة) من نارها المتقدة للطبخ وناولته للجارة وأغلقت الباب.

ما هي إلا لحظات حتى عادت الجارة مجددا لطلب النار لأنها انطفأت وعاودت “مريم” إشعال العود، وهكذا أخذت الجارة تتردد على البيت طلبا للنار و”مريم” تشعل لها العود كل مرة من غير اهتمام إلى أن تفطنت “لمعكرة” للأمر وأخبرت أختها أن الجارة حامل ومبتغاها صحن من الطعام الشهي لا إشعال النار.

وطلبت منها أن تمنحها بعضا منه أو دعوتها للعشاء معهما لكن “مريم” رفضت رفضا قاطعا، وأخذت “لمعكرة” تترجى أختها وتلح في إعطاء الجارة ولو جزءا بسيطا من الأكل نظرا لوضعها الصحي غير أن “مريم” أبت فنظرت إليها لمعكرة قائلة:” وما رأيك أن أتنازل لك عن نصيبي في ميراث هذا البيت وتعطيها الطعام؟” .

إقرأ أيضا:سحر أزفون بين خضرة الأرض وزرقة البحر

لم تصدق “مريم” ما سمعته وقالت :” أتمزحين، إن كنت حقا صادقة في قولك أعطيها القدر كله”.

 فقالت لمعكرة:” إذن اتفقنا”.                                                          

رجعت الجارة لتشعل النار لكنها هذه المرة ذهبت بقدر الطعام عوض النار.

وفي الصباح لما استيقظت “مريم” وتوجهت مباشرة لغرفة أختها لتذهبا لتوثيق الاتفاق تفاجأت بنور ساطع من تحت باب الغرفة فإقتربت مندهشة ومئن فتحت الباب حتى وجدت أختها مسجاة على سريرها ملفوفة في كفن أبيض ناصع وروائح عطرة تعبق المكان، دنت منها مستغربة فإذا بلمعكرة ميتة وابتسامة تعلو ثغرها ووجهها الوردي يشع نورا ورائحة عطر طيب تنبعث منها.

ويقال أنهم لما حاولوا نقلها إلى المقبرة عجزوا عن إخراج النعش، وقد حاولوا ولوج الباب بوضعيات مختلفة لكن النعش كان يزداد طولا أو عرضا ليقرروا في النهاية دفنها في البيت الذي بادلت نصفه بقدر طعام، وهكذا سمي بـ ” دار لمعكرة”.

العبرة من القصة

قد تكون هذه القصة مختلقة لتظل أسطورة تتداولها الألسن ولكن ما يمكن تأكيده أن العمل الصالح أجره عظيم ومنه ما جاء في السنة الشريفة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما بغي من بغايا بني إسرائيل تمشي، فمرت على بئر ماء فشربت، وبينما هي كذلك مر بها كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فعادت إلى بئر الماء؛ فملأت موقها، -أي: خفها- ماءً، فسقت الكلب فغفر الله لها).

إقرأ أيضا:منبع القردة

والفائدة من الحديث أن الله تعالى غفر للمرأة بصنيعها مع الكلب الذي عطفت عليه وأشفقت عليه رحمة فنالتها رحمة الله، فالراحمون يرحمهم الرحمان.

وهناك قصة الصحابي الجليل حنظلة بن عامر رضي الله عنه، لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتله قال: ((إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة))قال أبو أسيد الساعدي: فذهبنا فنظرنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء. ولما سئلت زوجته عن ذلك قالت: خرج وهو جنب لما سمع الهيعة (منادي الجهاد)، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لذلك غسلته الملائكة)) فلقب من يومها بـ ((غسيل الملائكة)) وقد افتخرت به الأوس على الخزرج كما جاء في الخبر الذي رواه قتادة عن أنس رضي الله عنه قال:” افتخرت الأوس والخزرج فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة، وقد ولد لحنظلة عبد الله، فكان بنوه يقال لهم: بنو غسيل الملائكة”.

السابق
قرد ” الماغو” ( مكاك بربري)
التالي
الأسرة المغربية بين الأمس واليوم

اترك تعليقاً