قصص و حكايات

أسوان

أسوان

كتابة سردية مرتجلة جديدة خلال شهر رمضان المبارك عبر حلقات يومية تنشر على موقع معين المعرفة تتخذ من أحد مقاهي الأحياء الشعبية تيمة وفضاء لها، بفيض قلم الكاتب الأستاذ نور الدين الشكردة.

تتناسل المقاهي كالفطر بعدوات فاس الجديد وفاس البالي، انتشار هائل للمقاهي الراقية والشعبية قبل كورونا الأول، وإبان كورونا وخلال كورونا الثانية، تتشابه الوظيفة ويختلف الموقع والتصميم و”الكونسيبط”. وكأن تشييد المقاهي لم يتأثر بتبعات الجائحة، فقط هم مستخدميها من يؤدون ثمن الأزمات والنكبات…
تكمن التفاصيل في “السربايات” واتساع أقطار أردافهن، في النادلين ومدى حسن معاملتهم، في جودة ورق المراحيض ومراهيم وأبخخة التنظيف، وكذا في حجم المرارة ودرجة تأثير الكافيين في الزبناء. أحيانا يستأجر مالك المقهى من يقوم بعملية التسويق لمقهاه، وصنع هالة التميز حتى دون الحاجة لشركة إشهار أو توزيع مطويات. المؤثرون بفاس، وصانعو الرأي العام، وموجهوه يتفوقون في هذا المجال على عصابة الصحفيين الثلاث وقناة شوف تي في، وكل صناع المحتويات والروتينات.
تناقضات صارخة تقف بك على حافة الجنون وأنت تهم بولوج مقهى شيشة، أو مقهى استأثرت بكل وظائف المطعم، بعض رواد مقهى “أسوان” هم أنفسهم رواد مقهى “الميزان”، عاطل يزدرد سلطة غنية بفواكه البحار والمحيطات، وهاتف من آخر إصدارات الأيفون يحظى باهتمام لصوص الفطرة وأثرياء الصدفة.
مطرود حديث من عمله بمعية عاهرة هاوية، وقد اصطف على طاولته حساء تيلاندي، طاكوس ميكسيكي، بيتزا إيطالية بأربع نكهات من القشدة وعلبة سجائر أمريكية… تحاول أن تربط بين تبعات الحجر الصحي وطبيعة عمل أبناء الأحياء الشعبية، فلا تجد من جواب سوى؛ على حافة هاوية النصب والإفلاس؛ و”مع مهوم”.
غير بعيد يجلس مالك سلسلة محلات شهيرة لبيع ملابس النساء وهو يحتسي قهوة قصيرة، ويصادق من خلال هاتفه على صفقات تجارية إلكترونية.
ينسحب “المكي” والمدني” من مجلس أستاذهما بعد طقس يومي تحقق فيه التوازن والاعتدال، ينتظر “السي طه” انسحابهما ليحشر في طبله المتضرر سماعتي أذنين ويغرق في ملكوت مطربه المفضل.
تعلق عاطفي قلق، وانجذاب غير مبرر لكل ما يشدوه أو يصرح به يكتنف سلوك “السي طه” تجاه مطربه المفضل، يحاول تفسير هذا الوضع؛ فيجد تبريرا في حرمانه من عاطفة الأمومة والأبوة في صغره، وفي أغاني النعيق والزعيق التي يفرضها عليه رواد مقهى الناقوس فرضا لسنوات طويلة…
إحساس بالتذوق؛ والآمان؛ والإلهام؛ يسري في عروقه وهو ينتشي بمقامات نعمان. يتمايل برأسه ويفتح فاه معربا عن دهشة نتجت عن انصهار كلي مع صوت يعضد كلمة، وكلمة تجعل من لحن رسالة، ورسالة تصل إلى سويداء القلب وهي تعالج موضوع التوحد.
يكاد يلتصق بروح “نعمان لحلو” وهو يتحدث، وهو يتوحد، وهو ينتقد، وهو يغني “نعم مختلفون لله في خلقه شؤون.. يا صديقي نور طريقي منك تعلمت الصمود.. يا كريم الله كريم.. أقداره كرم وجود.. الله يعطي في نعمة أو قسمة أو حكمة لمعنى الوجود.. يا صديقي يا نعمان.. الاختلاف حق يصان.. إن قضى ربي.. مضى قلبي إليه بلا جحود.. التوحد يا صديقي.. أسرار طيف بلا حدود.. في سكوني لا تسألوني.. أنا أحتمي في وحدتي في خلوتي ثم أعود… “.
يعتبره فنانا متكاملا لم يجد الزمان بمثله من قبل، مثقفا حاملا لقضايا حارقة، نبيا ساحرا يغلف رسالته في قالب إبداعي فني، مجددا راقيا في مجاله. يقارن إلى غاية يومه الثلاثاء 30 شعبان 1442 بين عدد مشاهدات أغنية “نعمان” الآخيرة، 125 ألف مشاهدة، والتي طرحت قبل أسبوعين بمناسبة اليوم العالمي للتوحد، وبين عدد مشاهدات أغنية “إكشوان إكنوان” التي طرحت قبل البارحة “يا بنت الناس عشت معاك الغرام يجيني الوسواس فاش متكونيش حدايا”، 185 ألف مشاهدة، فيتأكد أن الذوق العام فسد، وأن التفاهة فرضت نفسها ومنطقها وعدتها.
قبل وصوله لمقهى الميزان، تناول “المهدي” حساء فيتناميا بمقهى “أسوان“، قضى حاجته بمرحاضه الفخم، أدى صلاة العصر بمسجد فسيح وفره مالك المقهى في جانب من الميزانين البديع، وسلك وهو يقصد مقهى الحي طريقا جانبيا اتقاء لقاء مدينيه الكثر، يتفهم “عبد الكريم”أوضاعه، يمده بقهوته المعتادة وهو يضيف خطا بقلم أزرق على مذكرة الديون المستقرة في جيب جانبي لحافظة النقوذ المعلقة على خصره الضامر، يرمي “المهدي” بإفلاسه على الكرسي قبل أن يبعثر أشياءه وأشلاءه فوق طاولة جلوسه المحببة.
على حافة الإفلاس يقبع “المهدي” ملتاعا حائرا؛ عصر يومه الثلاثاء، منتظرا متأرجحا بين مهنة تستنزف كل وقته وجهده؛ وبين مخططات ومشاريع ترمي به بين أحضان الثروة والانحراف والضلالة، يتصدق على “مي هنية” عازما على عدم الزج بنفسه في دائرة النصب والاحتيال…
يقرر المكوث لنصف ساعة إضافية أخرى بمقهى الميزان، يصعد على عجل صوب الميزانين حيث يقبع المدمنين قاصدا من جديد المرحاض، يقضي حاجته أمام عصا ملطخة من الجانبين بمخلفات الإنسان استقرت بركن قصي منذ عقد، يكتم أنفاسه تقاء روائح بول معتق وينسحب دون استنجاء، يرمي بدرهم على منفضة “مي رقية” ونوم الوهن والتعب يغالبهما معا…
وبمحيط مقهى الميزان تستمر رائحة عصارة القهوة وصوتها المميز في التسلل عبر أزقة المنطقة الضيقة، وكأنها تستدرج بقايا المدمنين وتنادي على آخر التائهين، لذة الانقياد ونشوة الانصياع تضمر لا محالة اضطرابا هرمونيا أو نفسيا ما…

إقرأ أيضا:القصة
السابق
الناقوس
التالي
الـحافـة