أنقذوا ملايين ريان في العالم العربي..

كم من ريان ينتظر؟

اهتز العالم بأسره لـحادثة الطفل ريان -رحمة الله عليه- وانشغلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بمتابعة أدق تفاصيل عمليات الإنقاذ، في حين هناك ملايين الأطفال من ريان أمثال ريان لم يهتم لأمرهم أحد، فلم ينلهم من العطاء جانب، والتغطية الإعلامية لم تطلهم، هذه التغطية التي سرعان ما ستتوارى وتطوي صفحة قرية إغران في إقليم شفشاون، ولو أنه من الضروري فتح ملف معاناة هذه المنطقة التي تُحفر فيها الآبار بحثا عن الماء، بطرق بدائية محفوفة بالمخاطر، مثل ملايين القرويين في مختلف أنحاء العالم العربي الذين يقطعون كيلومترات بحثا عن شربة ماء في تحد لقساوة الظروف الطبيعية، زاد من ضراوتها تجاهل الجهات الرسمية وفشلها في فك العزلة عن مناطق الظل.

تنمية غائبة وقرى مغيبة

معاناة يومية على مدار السنة لا تنتهي بين منحدرات خطرة ومنعرجات جبلية وعرة، مع قلة المياه الجوفية يصير البديل شراء ماء من صهاريج متنقلة (البتية كما تسمى محليا) تسير على طرق ترابية مهترئة وغير معبدة تكلف أصحابها الكثير من العناء والجهد الجسدي علاوة على الصيانة المستمرة للعتاد، لذا يكون المقابل المادي مرتفعا مقارنة بالقدرة الشرائية المنهارة لأناس أهلكهم العوز والحاجة.

لاقى ريان الاهتمام الكبير قبيل موته، وكان أولى به في حياته الصعبة، ومازال أطفال كثر مثل ريان بحاجة ماسة للاهتمام، يتوقون للماء في الصنابير، واستبدال أكياس التبن وعصا الرعي بمحافظ ومآزر مدرسية، وتعويض سقفهم الصفيحي المهتز بسطح اسمنتي قوي، لكن شتان بين ما هو واقع وما يجب أن يكون مع مسؤولين لا يسمعون ولا يرون سوى احتياجات أطفالهم الذين يعادل مصرفهم اليومي راتب المعلم في الوطن العربي.

من لأطفال العالم العربي

لما كانت أنظار العالم متجهة صوب شمال المغرب تعاطفا مع ريان، كان شمال سوريا يشتعل تحت قصف أمريكي، في عملية عسكرية لقتل زعيم تنظيم داعش أبو إبراهيم الهاشمي القرشي ليلة الأربعاء الخميس، حسب ما أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن، وكالعادة حسب الرواية الأمريكية  فإن القرشي فجر قنبلة قتلته مع أفراد من أسرته بينهم نساء وأطفال.

لكن سكان قرية أطمة السورية شهدوا الوقائع كاملة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي نشروا رواية أخرى تفيد أنه قتل عشرات الأطفال والنساء والشيوخ، ودمرت عشرات المنازل وتم أسر الشباب، فأي الروايتين أصح؟، طبعا ما سيدعمه الإعلام الرسمي هو الحقيقة التي يجب تبنيها من غير نقاش، من أجل الصالح العام والأمن العام والسلم العالمي أيضا، إذن وسم #أنقذوا-قرية-أطمة-السورية لن يتصدر المشهد لأنه ممنوع من الصعود.

لا يجب أبدا طرح أي تساؤلات حول انتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها شرطي العالم الولايات المتحدة وحلفاؤها في كل حروبهم ضد خصومهم الإرهابيين، أما عن الحلول الدبلوماسية فلا مجال للحديث ما دام الدم المسفوك عربي فما بالك بمسلم، ومن يهتم؟

 ملايين من أطفال فلسطين، سوريا، اليمن، العراق وليبيا وكذا في باقي مناطق العالم الإسلامي لاسيما العربي لا يمتلكون أي مقومات للعيش الكريم، يعانون في صمت، بعضهم لاجئ، وبعضهم مشرد، وكثير منهم تيتم أو صار معاقا يلملم أشلاءه المتناشرة مع الشظايا بعد كل قصف، والبقية غادر باكرا من غير وداع وليكون الموت رفيق الصّبا، في حين التعبئة الإعلامية غائبة عن هذه الحوادث، لأن الجاني من يملي ما يجب أن يوثق ثم ينشر أو يذاع أو يصور، ووحده من يرفع الترندات في سوق مبيعات يسمى الأنترنت.

المجتمع الدولي والإجرام المقنع

المجتمع الدولي له مقاليد الحكم والسيطرة، ينظر ويحاضر فيما يحلو له، ويصنف الملفات حسب الأولويات التي تخدم مصالحه، فالمتغلب دائما من يحيك خيوط الحرب بحنكة في حدود بعيدة عن دياره، ويصدر تقارير كل مؤشراتها إيجابية، فهو من يلقي بالمساعدات الإنسانية من الطائرات عقب قصف الطائرات الحربية للممدنيين.

قوات التحالف الدولي، لا يهمها مصير مئات الآلاف من المدنيين في عملياتها العسكرية المزعومة، والتي تظل إحصاءاتها الرسمية مضللة، فآلة الموت تشتغل من غير توقف أو توقيف؟

 يستمر الصراع بدعم جهات عميلة تضمن استمرار استنزاف الموارد المادية والبشرية، وتبيح كل محظور، وتواصل وسائل الاعلام دعايتها بذر الرماد في العيون، وتوجيه الرأي العام بالقضايا المغلوطة، أو تسفيه الملفات الهامة، حتى يصير العالم تافها بمزاعم ضمان الحريات ودعم حقوق الإنسان، وحماية الطفولة والحد من انتهاك حقوق المرأة، والحرية عند الغرب أن تعرض المرأة جسدها في الأسواق والطرقات.

رحل ريان والأمل باق

ريان الصغير لم يجد مكان يأوي أحلامه الكبيرة، حيث لعب وجرى بحرية في المكان الخطأ ووقع في بئر كان يأمل والده أن يكون منبع الحياة للبشر والبهائم والأرض، وارتقى إلى جنان أوسع وأجمل بإذن الرحمن، وكل من تأثر بحادثة ريان سيواصل تذكره بالدعاء الصادق ولن ينساه بمجرد أن يتوقف الزخم الإعلامي، ويبحث عن قصة جديدة يحذف منها الكثير من التفاصيل، كما حدث مع قصة ريان الذي تم التعتيم حتى على لحظة وفاته، فكيف بتفاصيل حياته السابقة والصورة أبلغ من كل وصف أو تحليل لمنطقة جبلية معزولة وأناس بسطاء أنهكهم الزمن.

حاول الجميع انقاذ ريان –يرحمه الله- وإخراجه من قاع البئر، ولكن هناك ملايين من أمثال ريان لم يجدوا من ينقذهم، منهم من قضى في قاع البحر، منهم من استوطن قاع الفقر، ومنهم من مازال عالقا في قاع المجتمع.

لم يعد يكفي وسم “أنقذوا ريان”  لاحتواء هموم العالم العربي، ولو أنه استطاع أن يجمع ما فرقته السياسة والكرة ويجمع الشمل، اليوم يتوجب السعي بجد والمسارعة لإنقاذ طل الأطفال ومن ورائهم الأمة ككل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!