حكم و أقوال

إلى أمي الغائبة

إلى أمي

أمي ، لطالما افتقدتك وأنا في أمس الحاجة إليك، لنصحك وتوجيهك، لحنانك وعطفك، لرضاعتك..، حرمت من ثديك الجميل الذي كنت أحبه لأشهر قليلة وجف حليبه، آه نسيت لم يجف ، لكن المحكمة الملعونة جففته وبلا رحمة ، أتعرفين الليالي التي قضيتها في الصراخ !؟ أظن وأنا على يقين تام أنك كنت كذلك ، فصوت بكائي وعويلية مازال يتردد في أذنيك الرقيقتين ،أنا على علم تام أنك لم تنامي إلا بعد سقوط شلال وافر من من الدموع على عينيك الخضراوتين الجميلتين ، أخبرك أن لي عينين كذلك لكن إخوتي لم يمتازو بذلك وحتى أختي الصغيرة عيناها بنيتين جميلتين.. اليوم أصبحت غلاما ، و تجازوت مرحلة الرضاعة ، إعتنت بي جدتي كثيرا ، لكن أبي كان دائما شارد الذهن ، عائم في أفكاره تجاهك ، وكيف له أن لايحزن وهو الذي ظفر بك ثم طلقك ،لقد كنت صبورة ، معطاءة ، حنونة، ناعمة ، جيدك طويل ،وشعرك بحجم طولك ،كان أبي يحبك كثيرا.. اليوم أصبحت طفلا ، لم أرتد المدرسة مثل أختي الصغيرة التي تحبها بشغف ،أعلم أنك تقسين عليها ولم تتركينها تحضر واجباتها ، ربما لأنك تفكرين بي وبحالي لأنني لم أدرس قط ، لكن رجاء دعيها تفعل ماتشاء فهي تمتلك قوة نفسية باهرة وذكاء جميلا. اليوم صرت فتى ،أحتاج توقيعك بقدر ما أموت شوقا لحنانك ، إدعيت القسوة ، لكن يا أمي القسوة التي تقسوها علي الأيام لا تقدر بثمن ، عندما عدت أصبت بذبحة صدرية وأقسمت أن لا أعود أبدا.حصلت على بطاقتي الشخصية ، وحملت محفظتي على كتفي وتهت أجوب شوارع المدينة ،وأخيرا وجدت عملا في مجال البناء ، و باتت الإسمنت رفيقة دربي ، أستنشقها من كل حدب وصوب. ذات مرة التقت أختي الصغيرة بوالدي وطلبت منه أن يقدم لها نبذة عني ،لكنه أبى ، أعلم أنه كان قاسيا معها لا أعرف هل ملامحها البريئة حفرت نذوبه الغائرة أم أنه لايريدها أن تعرفني؟.

إقرأ أيضا:من نحن..ومن نكون؟

أبي حكى لي عن حالها، وأنت يا أمي محظوظة جدا، لأنك أنجبت ابنة لطيفة نجيبة، كانت خلوقة جدا مرهفة الحس، رقيقة الطبع، دائمة الدمع، ولكن والدي قبلها بجفاء حينما التقاها في الطريق وحاورها:

-هشششت هوووووه قف قف(وهو يخاطب الحمار).

-السلام عليكم ورحمة الله ..أسعد الله صباحك.

-وصباحك أجمل بحجم السماء وبمتسع الأرض وبسعة صدر أمي شكرا جزيلا.

-أووو كم أنت خلوقة وصدوقة.

-كيف حال أخي عبد الحكيم؟..أرجوك أخبرني وبصدق.

-ومن أنت؟ ومنذ متى كنت أخته؟ ومن الذي دلك علي؟

-أر.جوك ! لا تقل هذا الكلام أنا ليلى أخته الصغيرة .

-أ..أنت!!!(قطب حاجبه وهو يقولها).

-نعم أنا ليلى أخته الصغيرة والوحيدة (قالتها والدموع تسيح من عيونها البنيتين، وهي تدمع وعينيها تزيد لمعانا وأكثر رونقا بلون البن).

-أرجوك لا تبكي فعبد الحكيم لا يريدك ولايرغب في رؤيتك ومعرفتك وشكرا.

– لاتفعل بي هكذا أنا لست خبيثة، أنا أحتاج لحنان أخي الأكبر، كل يوم أحدث أمي وأحاول معرفته من نسج خيالي.

إقرأ أيضا:العيش داخل الهاتف

لم تخطئ الصغيرة فحدسها هو كذلك، مد رجليه على صهوة حماره وانصرف، أما هي فحملت حقيبتها ولوحت له بيدها الحنونة، و توجهت نحو محطة الطاكسيات.

لا أعلم إلى أين هي ذاهبة؟، البعض يقول أنها تدرس في البيضاء والآخر يقول أنها تدرس في المحمدية، على أي أنا لا يهمني حالها لأن لديها إخوة آخرون، و هم من وجب عليهم الاهتمام بها، أما عني فتهمني والدتي لأن أختي ليست شقيقتي فعلا.

إقرأ أيضا:اقوال وحكم الفلاسفة

آه يا أمي كنت شابا اشتد عودي، ومن اللازم أن أكون أسرة ، أنا على علم بأن إخوتي تزوجوا و أنجبوا أطفالا جميلون، وحتى أختي الصغيرة تزوجت لكنها لم تكن سعيدة، كم تمنيت أن أشنق زوجها الذي ضل يعذبها ضربا ونهكا ظلما وعدوانا، لكن صغيرتك يا أمي شاطرة وذكية، رُغم العذاب إلا أنها صبرت لمدة وغادرت وأخذت حريتها.

اليوم أصبحت كهلا ، ابنتي أحلام خطوبتها الأسبوع القادم، وزوجتي تعاملها بحسن ليس كمعاملتك لصغيرتك، وابني وسيم حصل على البكالوريا والتحق بمعهد الفن.

كم تمنيت أن تكوني وسط أسرتي الصغيرة وأحفادك، لكن الظروف كانت لها وجهة نظر مغايرة.

أحيطك علما أنني أحبك وأهواك، ومانسيتك أبدا ، لكن قانون التبني هكذا كان، تبنتني جدتي وخلتها أمي ، لكن بعد مدة علمت أنها فقط جدتي، توفيت جدتي وتوفيت معها بساطتي ومرحي وولدت قسوتي وشدة غلظي. سلامي..

السابق
اغتيالات..اعتقالات واقتحامات لباحات المسجد الأقصى
التالي
من حي الشيخ جراح إلى حي سلوان

اترك تعليقاً