الحمد لله العزيز الوهاب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، لا إله إلا هو إليه أدعو وإليه متاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، خير من استغفر وأناب، وعلى آله وصحبه أولي الأيدي والألباب، وعلى من سار على نهجه واقتفى سنته إلى يوم الحساب.

مقدمة

أيها الإخوة، نحن نعيش في وقت نشهد فيه رجعة من المسلمين إلى الله واضحة، وكثير من الناس صاروا ما بين تائب وأواب، وتيممٍ، كثير منهم شطر المسجد والمحراب يريدون المغفرة من ربهم ويواصلون قرْع الأبواب، ويحتاج الدعاة إلى الله تعالى في مواقفهم من هؤلاء التائبين العائدين إلى ربهم، يحتاجون إلى تعلُّم الحكمة، وكيفية الخطاب، فكان لا بد لاستقبال هؤلاء التائبين الجدد من إعداد العدة والأخذ بالأسباب.

وقد سبق أن تكلمنا في درس منفصل عن التوبة وأهميتها وعوائقها، وكيف تُزال هذه العوائق، ونحن نتكلم اليوم في درس موجّه إلى الدعاة إلى الله أكثر من غيرهم عن هذه المسألة، ونحن نعلم أن الحديث عن موضوع التوبة حديث ذو شجون، فإن آثام الناس في هذا العصر قد كثُرت، وتبين لكثير من المخطئين خطأهم وذنوبهم، وأرادوا أن يرجعوا إلى الله تعالى، والتوبة فيها تجديد لمعاني أسماء الله وصفاته في النفس، فإنه يتبين في قلب التائب من معاني أسماء الله التوّاب الكريم، الواسع، الغفار، الغفور، الرحمن، الرحيم، ومن صفاته أنه غافر الذنب وقابل التوب سبحانه وتعالى.

حاجة الصالحين إلى تجديد التوبة والاستغفار

وموضوع التوبة بالنسبة للصالحين موضوع مهم، فإن الكثير يطرق موضوع التوبة بالنسبة للمذنبين العصاة، ولا يُطرق موضوع التوبة بالنسبة للصالحين والدعاة إلى الله إلا قليلاً، علماً بأن الجميع يحتاج هذا الموضوع من أكبر صالح إلى أكبر مذنب، يحتاجون لموضوع التوبة، وإذا كان رسول الله ﷺ الذي غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، فما بالنا نحن العبيد المقصّرون وماذا يكون حالنا في هذا الميزان ونحن نرى رسولنا ﷺ كان يفعل ما يفعل.

وموضوع التوبة بالنسبة للصالحين له مجالات متعددة، فإن هذا الصالح كان في يوم من الأيام مذنباً، ثم تاب إلى الله وأصبح صالحاً، ولكن هذه الفترة التي مضت من عمره منغمساً في أوحال الذنوب والمعاصي، ثم أحدث التوبة بعد ذلك هذه الفترة التي مضت دون توبة عاجلة وتأخرت توبته سنوات، ثم صلح حاله بعد ذلك، هذه التوبة تحتاج إلى توبة، نحتاج إلى توبة من تأخير التوبة؛ لأننا في كثير من الأحيان نذنب أو نكون أذنبنا في فترات ماضية، ولكن لم نتب إلا بعدها بسنوات، فإذن هذا التأخير الحاصل بالنسبة للتوبة هو ذنب مستقل يحتاج إلى توبة، وكذلك فإن هناك كثيراً من الأمراض التي تنتاب بعض الصالحين مثل غرور العبادة والتألّي على الله -عز وجل- والاستكبار في الأرض ومشاهدة بعض الناس لأعمالهم الصالحة، ودخول الرياء على الكثيرين حتى من الصالحين، وحب الرياسة وحب الظهور من الأمراض القلبية التي لا يسلم منها إلا النادر من الناس، ولذلك الذي يظن أن موضوع التوبة هو مهم فقط بالنسبة للعصاة المذنبين أرباب الفواحش والمنكرات إنسان مخطئ جداً؛ لأننا في كل يوم نقصّر في حق الله -عز وجل- وقد لفت شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- النظر إلى مسألة مهمة فقال: “إن الذنوب تحصل في نوعين ترك الواجبات وفعل المحرمات” [مجموع الفتاوى: 11/670]، وكثير من الناس الذين يبدو على ظاهرهم الالتزام بهذا الدين والعمل له، يتركون أشياء من الواجبات، قد لا يقعون في منكرات، قد لا يقعون في فواحش، لكنهم يتركون أشياء من الواجبات، وهذا الترك يحتاج إلى توبة، وهذا التقصير لا بد من استدراكه بالاستغفار والندم والعزم على المواصلة والسير إلى الله سيراً حثيثاً.

وكثير من الذين يشتغلون بالدعوة إلى الله  يصابون بآفات وأمراض أثناء سيرهم في الطريق من أنواع البرود والتقهقر والتراجع وغيبة تخرج مخرج الجرح والتعديل ليست عند الله شيئاً، وطعن بعضهم في بعض، والذي يحصل في قلوب بعضهم من الكبر أو التكبُّر على خلق الله هو في الحقيقة مرض مزمن وخطير يحتاج إلى توبة، أضف إلى ذلك احتقار بعض الصالحين لبعض المذنبين، والنظر إليهم بعين النقص؛ مع أنهم ربما يكونون في حالة ندم ترتفع معها أعمال قلوبهم في بعض الأحيان لتكون أحسن من أعمال قلوب بعض الصالحين الذين حصل في نفوسهم هذا الكبر وهذا الغرور وهذا الاحتقار لخلق الله، وسنضرب لك أمثلة ونسوق عليها أدلة يتبين فيها حجم هذه المشكلة.

إن التوبة من أنواع الذنوب، سواء كانت ترك واجبات أو فعل محرمات، مثل الاستفراغ والقيء الذي يتقيأه المريض لإخراج ما في بطنه من أنواع العفن، والأمور الضارة بالجسم، وكذلك هو مثل الترياق والدواء المستخدم ضد السموم، هذه لفتة عن أهمية التوبة.

أضف إلى ذلك أن كثيراً من المسلمين لا يتوبون توبة عامة، لكن إذا أذنب ذنباً تاب منه بالذات، فإذا نظر إلى امرأة أجنبية في السوق قال: أستغفر الله وأتوب إليه، لكنه ينسى التوبة العامة غير المرتبطة بذنب معين، وهذه التوبة التي كان ﷺ يكثر أن يتوب منها، كان -عليه الصلاة والسلام- يتوب كثيراً، هذه التوبة العامة حتى الدعاة إلى الله  يغفلون عنها، يغفلون عن تجديد التوبة العامة في كل حين وفي كل وقت، ألا ترى أن المسلم قد يذنب ذنباً وهو لا يعلم أنه قد أذنب؟ ألا ترى للدعاء الذي يقول فيه المسلم: اللهم إني أستغفرك مما أعلم وما لا أعلم؛ لأننا في كثير من الأحيان نقع في ذنوب دون أن نشعر أننا قد وقعنا فيها.

وكذلك قد يكون الإنسان واقعاً في بدعة من البدع يظنها عملاً صالحاً، ثم يتبين له بعد ذلك أنها عمل غير صالح، وأنها مخالفة لفعل رسول الله ﷺ ولقوله وهديه وسنته، هذا الرجل لا يشعر عندما فعل تلك الأعمال أنه عمل ذنوباً ليست فواحش ولا كبائر في نظره، لكن بعد ذلك عندما يشعر أنه كان يعبد الله على غير بصيرة في بعض المسائل يحتاج إلى توبة من هذا النوع أيضاً، وقد يتلطخ الإنسان ببعض أمور الجاهلية، وإن نشأ بين أهل علم ودين، أقول هذه الملاحظة لكثير من الإخوان الذين يعيشون في بعض البيئات الصالحة، فإنهم بالرغم من معيشتهم في وسط أناس صالحين وبين أهل علم ودين إلا أنهم لا يسلمون من الوقوع في بعض المعاصي والتلطخ بها، والشيطان يدخل على الصالحين مداخل، وقد يوقعهم في أنواع من البدع، ولذلك لا بد حتى لهؤلاء من تجديد التوبة.

ولذلك فإننا نقول أيضاً في هذا المقام أن بعض الصالحين قد يتركون واجبات لا يعلمون وجوبها، وبعد ذلك يكتشف أن هذه الأشياء واجبة، وأنه كان قد تركها في الماضي جهلاً، وليس كل الناس يُعذرون بجهلهم؛ لأننا نقول: الشخص الذي يعيش في بيئة فيها أهل العلم المفروض أن يسأل، فكونه يكتشف أنه كان ترك واجبات وهو لا  يعلم أنها واجبات، ووقع في محرمات وهو لا يعلم أنها محرمات، نقول له: لماذا لم تسأل؟ لماذا لم تفكر بالسؤال؟ لماذا كنت تسير هكذا مع التيار دون تحقيق وتمحيص؟ أليس هذا قد يكون ذنباً يحتاج للتوبة والاستغفار؟.

تأخير التوبة إصرار على المعصية

واعلموا أن المسلم الذي يؤخّر التوبة إلى أمد معين هو مصرٌ على الذنب، فبعض الناس يقول: لو جاء رمضان سأتوب وهو عازم على التوبة في رمضان، هذا الرجل مذنب ومصر على الذنب، ويطلق عليه أنه مصر على الذنب؛ لأن المفروض المبادرة إلى التوبة، وليس تأخير التوبة إلى أمد معين، كثير من الناس عندهم هذا المبدأ وهذا المفهوم؛ يؤخرون التوبة من بعض الذنوب إلى أمد معين، يقول: عندما يأتي رمضان سأتوب إن شاء الله توبة كاملة، ويقول بعضهم: سأذهب إلى العمرة وأتوب بعد ذلك من أي عمل سيئ، وبعضهم يقول: إلى الحج وبعد الحج سأتوب ما يدريه أنه يعيش إلى رمضان أو الحج هذا أولاً.

وثانياً: لو عاش إلى رمضان أو الحج، أليس هذا التأخير الذي تأخره في التوبة أليس هذا ذنباً يستحق التوبة أيضاً؟ ولو تاب في رمضان وفي الحج، لكن هذا التأخير هو إصرار يحتاج إلى توبة، وكون الإنسان يعزم على التوبة بعد فترة من الزمن لا يعفيه من الذنب، ولا ينفعه عند الله عز وجل في هذه النقطة في هذا الموضوع.

أثر التوبة في الاندفاع إلى الطاعات

وكذلك فإن التوبة تحدث في النفس من الآثار الحسنة في قضية الاندفاع نحو الطاعات أموراً كثيرة، وتجعل الإنسان المسلم يحس بالتقصير ويحس بأنه دائماً لا يفعل لله ما يجب عليه من الحقوق تجاه ربه، وهذا الشخص الذي يستشعر النقص دائماً يستمر في الأعمال الصالحة؛ لأنه يعلم علم اليقين أنه مهما عمل من الأعمال الصالحة فإنه لا يزال مقصّراً، ولو أنه فكّر في هذه الأعمال الصالحة من الصلوات والزكوات والعبادات وطلب العلم والدعوة إلى الله، لو فكر فيها كلها ثم وزنها ببعض نعم الله عليه؛ مثل السمع والبصر والفؤاد لوجد أنها لا تساوي شيئاً، فإذا كنا مهما عبدنا الله لن نؤدي حقوق النعم فقط، فكيف بالواجبات التي أوجبها علينا؟.

وبعض الصالحين قد يقع في أخطاء في حقوق إخوانه المسلمين أو قراباته أو جيرانه، هذا عليه ألا ينسى الدعاء والاستغفار لهم بظهر الغيب؛ لأن ذلك يعوض هذا التقصير في الحقوق تجاههم، ونحن بشر لا نسلم من التقصير، قد تكون أنت تطلب العلم وتدعو إلى الله عز وجل قد تكون قصّرت في حقوق أقربائك، قد تكون أخطأت في الموازنة بين الواجبات المرتبة عليك، لذلك يكون الاستغفار ولمن قصّرت في حقّه من عباد الله والدعاء له من الأشياء التي تنفع في إصلاح ذاك النقص والخلل.

التوبة من التقصير في العبادات

ونأتي الآن -أيها الإخوة- إلى بيان نوع آخر من أنواع التوبة التي يحتاج إليها الصالحون؛ ألا وهو التوبة من التقصير والخلل الذي يحدث في عبادتهم، فلو أنك أتيت بأصلح الناس حالاً، ثم قلت له: هل ترى بأنك خشعت في جميع صلواتك؟، وهل ترى بأنك قد جاهدت الشيطان في الصلاة فقط حق الجهاد؟، وهل ترى بأنك في الحج لم تؤذِ أحداً من عباد الله البتّة في الزحام ونحوه؟، وهل ترى بأنك قد قمتَ بهذا العمل فعلاً بالضبط كما هو الواجب فيه؟، أم أن الخلل والتقصير ملازم لي ولك في جميع أعمالنا الصالحة؟

فإذن، لا بد من توبة أيضاً من هذه التقصيرات الحادثة في الأعمال الصالحة.

دور المجتمع الإيجابي في ثبات التائب

ثم دعونا الآن ندخل في صلب الموضوع وهو: “استوصوا بالتائبين خيراً”.

أيها الإخوة، نحن الآن كما ذكرنا في وقت تشهد فيه ديار المسلمين ومجتمعات المسلمين – ولله الحمد – صحوة إسلامية، وهذه الصحوة كما ذكرنا صحوة مباركة عاد فيها كثير من الناس إلى الله ، وهناك أفواج كثيرة الآن تأتي إلى طريق الهداية، هناك أفواج كثيرة عرفت طريقها إلى المساجد، هناك أفواج كثيرة الآن عرفت طريقها إلى حلق الذكر، هناك أناس كثيرون بدأوا يسألون عن المخرج؟ ويريدون معرفة الطريق الصحيح، هناك أناس كثيرون دبّ في قلوبهم الندم على الماضي الأسود الذي خلّفوه، هناك أناس كثيرون شعروا بالإفلاس التام بعد تلك المعاصي الكثيرة التي عملوها وشعروا أنهم أهدروا سنوات طويلة من أعمارهم في لا شيء، بل في معصية الله، هؤلاء القادمون إلى الطريق من المفروض أن يستلمهم ومن المفروض أن يأخذ بأيديهم؟ ومن المفروض أن يرشدهم ويعلّمهم؟ إنهم الدعاة إلى الله تعالى هم الذين تقع على عواتقهم مسؤولية إرشاد هؤلاء التائبين إلى الطريق، استقبال هذه الأفواج واحتواؤها في ضمن المجتمعات الإسلامية المصغرة، كل بحسب طاقته وقدرته، حتى يقوى عود هذا التائب ويصلب ولا ينكص ويعود، وكثير من الذين انتكسوا كان من أسباب انتكاسهم: المواقف الخاطئة لبعض الدعاة، ولذلك يتحمل هؤلاء الذين لا يُحسنون استقبال التائبين جزءاً من المسؤولية عند الله في انتكاس هؤلاء المنتكسين.

ولذلك فإننا نقول الآن ما هو موقع المذنب في المجتمع الإسلامي؟ كيف يجب أن تكون نظرة المسلمين الصالحين  في المجتمع الإسلامي إلى أخيهم المسلم المذنب؟ بعض الناس ينظر فيقول: ينبغي أن تكون نظرة قاتمة؛ لأن هذا الشخص الذي أذنب ينبغي أن نهجره ونقاطعه ولا نكلمه ولا نزوره ولا نسلّم عليه؛ لأنه وقع في ذنب، وهذا الموقف في هذا الزمان بالذات موقف في غاية الخطأ والخطورة؛ لأنك الآن إذا قاطعته وهجرته هذا الهجر غير الشرعي، فإن هناك آلافاً من شياطين الإنس مستعدون لإيوائه واحتوائه وجذبه إليهم، كعب بن مالك -رضي الله عنه- لما أخطأ وترك الخروج مع الرسول ﷺ للجهاد في مجتمع إسلامي الهجر فيه مفيد قاطعه الرسول ﷺ وأمر الصحابة بمقاطعته، ماذا فعل ملك غسان الكافر؟ اصطاد الخبر فوراً وأراد انتهازه فكتب ملك غسان إلى فرد مسلم في المدينة رسالة فجاء بها نبطي من أنباط الشام فدخل المدينة فدخل السوق يسأل عن كعب بن مالك، أين كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون إليّ، يقول كعب، فأتاه قال: فدفع إليّ رسالة من ملك غسان يقول فيها: قد سمعنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك” [رواه البخاري: 4418، ومسلم: 2769].

هذا موقف خطير جداً، ملك الكفار مهتم بموضوع واحد في المجتمع الإسلامي؛ لأن كيد أهل الباطل لأهل الإسلام لا يتوقف ولذلك فهم يحاولون الاصطياد في الماء العكر دائماً وأي واحد يأنسوا فيه ضعفاً من الدعاة من الصالحين يحاولون فوراً التقاطه وجذبه إليهم، وكعب بن مالك -رضي الله عنه- صحابي جليل فقيه يعلم تماماً بمؤامرات أعداء الإسلام، ويعلم أن هذه محنة وابتلاء فصمد فقلت -يعني في نفسي-: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجّرتها بيت النار، رميت فيه الرسالة واحترقت، لكن قل لي: كم واحد من المسلمين لو وقع في ذنب وصار عنده ضعف سيكون موقفه لو عرض عليه بعض أهل الباطل مثلما عُرض على كعب، كم منهم سيكون موقفه مثل موقف كعب بن مالك -رضي الله عنه-؟ ولذلك استوصوا بالتائبين خيراً.

أول ما يقع الإنسان في الذنب من الخطأ الكبير أن نهجره مباشرة، فنقاطعه ولا نكلمه ولا نسلمّ عليه ولا نزوره ولا نعوده ولا نساعده في شيء! هذا خطأ كبير، إلا إذا كان الهجر نافعاً له كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وسيعيده إلى صوابه عند ذلك نهجره، أما إذا كان هجره سيتسبب في إمعانه في الضلال وزيادته في الانتكاس فإن من الجرم هجره والحالة هذه ما هو موقع المذنب في المجتمع الإسلامي؟ إذا أخطأ شخص وندم فإن أهل الوعي من المسلمين لا بد أن يحسنوا استقباله مرة أخرى، حتى يرى المذنب أن المجال مفتوح أمامه، وأن خط الرجعة ممكن فلا يمعن في الضلال والابتعاد، وهذه الحادثة العظيمة التي رواها النسائي وغيره بإسناد صحيح عن ابن عباس تبين لكم هذا الفقه العظيم في باب الدعوة إلى الله في الموقف من المذنبين، كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم تندّم، فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ هذا الموقف ينبغي أن يستغل مباشرة، يمكن واحد مذنب يأتي ويقول: أنا أشعر بالندم هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن فلاناً قد ندم وإنه أمرنا أن نسألك؛ هل له من توبة؟ فنزل قول الله سبحانه جل وعلا:” كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ” [آل عمران: 86]. حتى جاءت الآية التي فيها :”إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا” [آل عمران: 89]. فالذين تابوا بعد هذه الرِّدة وبعد هذا الظلم فإن الله غفور رحيم، فأرسل إليه ﷺ تعال هناك مجال لك، فجاء فأسلم مرة أخرى.

المطلوب: أن يعود الشخص إلى الصراط المستقيم، هذا المطلوب.

حادثة أخرى تبين لنا الموقف، رجل من المسلمين شرب الخمر فأمر رسول الله ﷺ الصحابة بجلده قال أبو هريرة: “فمنا الضارب بنعله ومنا الضارب بثوبه أمرهم أن يجلدوه فقال واحد من المسلمين: قاتلك الله، يقول لهذا: قاتلك الله أمام الناس أو أخزاك الله فقال الرسول ﷺ: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم [رواه البخاري: 6781]. واحد أمسك به، ارتكب ذنباً، أقيم عليه الحد، ما هو الحد؟ يطهر، كفارة للذنب، من أقيم عليه الحد في الدنيا وتاب فإن هذا الحد كفارة للذنب، فما هو الداعي أن يقال لمثل هذا الشخص أخزاك الله؟ لماذا؟ هذا خطأ، ولذلك قال: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم  طبّقوا الحدّ؛ يُجلد، لكن لا يدعى عليه، لا يقال له: أخزاك الله، فإن قلت له ذلك فقد أعنت الشيطان عليه، وبدأ يكره هؤلاء الناس الذين يقولون له مثل هذه الكلمات، قصة أخرى: أخرج أحمد والبيهقي عن أبي ماجدة قال: “كنت قاعداً مع عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: إني لأذكر أول رجل قطعه رسول الله ﷺ يعني حد السرقة- قطع يده، أتي بسارق فأمر بقطعه، بلغ الحد، الرسول ﷺ أمر بقطع يد السارق، فكأنما أسف وجه رسول الله ﷺ لما قطعت يده، الصحابة لاحظوا في وجه الرسول ﷺ كأنه أسف، هناك علامات تأسُّف على ما حصل، فقالوا: يا رسول الله كأنك كرهتَ قطعْه؟ قال:وما يمنعني  لماذا لا أكره قطعه؟  لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، إنه لا ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حدٌ ألا يقيمه، إن الله عفوٌ يحب العفو، وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم  قال الشيخ ناصر في السلسلة الصحيحة: وهو عندي حسن. [رواه الحاكم: 8155, وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1638]. 

فإذن، كان من الأولى أن يعفى عن هذا السارق، لكن مادام رفع أمره وثبتت عليه السرقة عند الإمام أو الوالي أو القاضي أو ولي الأمر فلا بد من إقامة الحدود، ما يمكن تنفع بعد ذلك شفاعة ولا واسطة وحتى ولو تنازل المسروق منه لا بد من إقامة الحد إذا وصل إلى ولي الأمر، لا بد شرعاً، هذا حكم شرعي، إذا وصل الحد إلى الإمام، لا بد من إقامة الحد حتى لو تنازل الشخص بعد ذلك، لا بد من إقامة الحد، فهذا كأن الرسول ﷺ يقول: لو أن هذا الشخص ما أُتي به، ما بلغتني القضية، سامحه الناس الذين سرق منهم، كان ما قُطعت يده، نتكلم عن هذه الحالة بالذات، لا نتكلم عن شخص كثرت جرائمه وعمت البلد، وصار لا يسلّم أحد من شره، فهذا قد يكون قطع يده إصلاحاً له، وهناك أيضاً حادثة أخرى من السيرة تبين كيف كان المذنب يُستقبل في المجتمع الإسلامي الأول؟

عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي ﷺ قالت: “أن قريشاً أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ؟ هذه امرأة شريفة في القوم لها مكانة من بني مخزوم، هذه يُحكم عليها بقطع يدها؟ هذه مشكلة عندهم، قالوا: من يتوسط فيها، من يكلم لنا رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ما في أحد أبداً إلا أسامة، وأسامة أقرب الناس، والرسول ﷺ يحبه جداً وهذا موضوع خطير وحساس لا يمكن أن يتكلم فيه إلا أسامة، كلموا أسامة؛ توسط لنا عند رسول الله، فأتي بها رسول الله ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد فتلون وجه رسول الله ﷺ تلون من الغضب فقال:أتشفع في حد من حدود الله؟  فقال أسامة وشعر بالذنب الشديد: “استغفر لي يا رسول الله” استغفر لي على هذه الجرأة التي تجرأت، أتوسط لأحد في حد من الحدود، ما تجوز الوساطة في الحدود نهائياً، ومن أكبر الجرائم إخراج شخص قد حُكم عليه بحد وبلغ الإمام، فمن يتوسّط له يبوء بإثم عظيم عند الله، لا بد من إقامة الحد، فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ خطيباً فأثنى على الله تعالى بما هو أهله ثم قال: أما بعد: فإنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها  ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها أمام الناس.

هذه القصة معروفة للجميع، لكن الشيء الذي يجهله الكثير من الناس تكملة القصة في صحيح مسلم؛ قالت عائشة: “فحسُنت توبتها بعد” [رواه مسلم: 1688]، هذه المرأة السارقة تابت إلى الله وحسُنت توبتها بعد ذلك، وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ، هذه عبارات عظيمة جداً ينبغي أن نقف عندها.

إذن هذه المرأة السارقة لما تابت لم تصبح منبوذة، لم ينظر الناس إليها بعين السُّخط والازدراء على ما وقع منها من ذنب وأُقيم عليها حدّه، لقد وجدت لها مكاناً في المجتمع الإسلامي، لقد وجدت من يتزوجها، لقد كانت تأتي إلى عائشة، وعائشة تفتح لها البيت وتستقبلها، بل لقد كانت حاجتها ترفع إلى رسول الله ﷺ وهو قائد الأمة، أعلى رجل في الدولة الإسلامية، حاجة هذه المرأة السارقة التي سرقت من قبل ثم تابت كانت ترفع حاجتها إلى قائد الدولة الإسلامية الرسول ﷺ.

إذن، هذا الاستقبال الحسن هو الذي يجعل التائب يواصل في التوبة عندما يشعر أن له مكاناً، أن الاستقبال حسن فإنه يواصل في التوبة، لكن الآن في كثير من الأحيان لا يُحسن استقبال التائبين، ويُنظر إليهم بعض الناس بعين الازدراء والاحتقار والنقص؛ لأنه كان صاحب سجل في الماضي فيرى نفسه منتقص فيقول: لا، أرجع إلى الناس الذي كنت معهم في الماضي أحسن، أعيش بين ناس ينظرون إلي بهذه النظرة، لماذا؟ وهذا السوء في الاستقبال يتحمل إثم نكوص الشخص هذا الذي تاب ثم نظر إليه بهذه النظرة ولم يفتح له المجال، يتحمل شيء من إثم هؤلاء الذين لم يحسن استقبالهم لابد، استوصوا بالتائبين خيراً، لا بد أن نلتقط الناس الذين تابوا نتيجة ظرف معين، لابد أن نبحث عنهم وأن ندقق في الأحوال، أن نتلمس هؤلاء الناس، هذه النوعية؛ لكي تُحاط بشيء من العناية والرعاية والاهتمام حتى يستكمل هذا الشخص الطريق، مثال: الآن هناك ناس كثيرون بعد الحج وبعد العمرة يتغيرون، أليس كذلك؟ بعد حادث سيارة يتغير، بعد مرض يشفى منه يتغير الشخص، هذا التغير قد لا يستمر، والواجب على الدعاة إلى الله هنا أن ينتهزوا الفرصة، وأن يبادروا مباشرة إلى هذا الشخص الذي تأثر الآن، ويضربوا على الحديد وهو حام ليتشكل التشكل المطلوب، وهذه نقطة مهمة جداً؛ لأن بعض الناس يرى شخصاً جاء من الحج وتأثر، ولكن يقول: ألتفت إليه فيما بعدُ، يؤجله الشخص، هذا رجع من الحج جلس فترة تأثر، ثم بدأ يضعف شيئاً فشيئاً، فيرجع إلى عاداته الأولى وإلى أصحابه القدامى، ويرجع إلى ما كان عليه، ثم تأتي إليه بعد ذلك بفترة لتجد الشخص رجع تماماً مثلما كان الآن أثر الكلام لن يكون قوياً، والشخص الآن قد لا يتأثر، لكن لو جئته مباشرة بعد ذلك العمل الصالح الذي قام به أو بعد ذلك المرض أو الحادث الذي نجا منه فكلمته وأعطيته دفعات من أعمال الخير والأعمال الصالحة، ودللته على الحق، ودللته على أبواب الخيرات، واهتممت به، وراعيت أحواله فإن حاله يتطور إلى المزيد، فلا بد أن يتلقف مثل هذا الشخص ويحاط بمجموعة من أهل الخير، ويدخل في وسط طيب، ويصبح أصحابه من أهل الخير، ويصبح الرجل يشترك ويأتي في المناسبات الطيبة التي تحفظ عليه الإيمان الذي اكتسبه من هذه الحادثة، أو من هذا العمل الصالح الذي قام به، هذه البذرة إذا لم تتعاهد بالرعاية ولم تُسق بماء الإيمان فإنها تموت، ومن المسؤول -بالإضافة إلى الشخص نفسه- المسؤول: الداعية المقصّر الذي لم يلتفت إليه أيضا وضيع الفرصة، استوصوا بالتائبين خيراً، هؤلاء التائبون الذين قدموا إلى طريق التوبة وهم يشعرون بغاية الندم والأسى والأسف والحزن على ما مضى، الجلوس معهم يزيد الإيمان، جرب هذا، جرب الآن، اجلس مع شخص تاب الآن في هذه الأيام، اجلس معه سيزيد إيمانك فعلاً ولو كنت أنت اهتديت قبله بسنوات طويلة، ولكن الواحد يصيبه من البرود عبر الزمن، حتى الأشخاص الصالحين، إذا جلست مع هؤلاء التائبين الجدد ستشعر بزيادة الإيمان؛ لأنه شخص مقبل على الله يشعر بالندم، يشعر بالأسف، يريد الازدياد من الأعمال الصالحة، ولذلك بعضهم يجرؤ على أعمال صالحة ويستطيعها، أو يقبل عليها مالم يقبل عليه شخص صالح سار في الطريق من سنوات طويلة؛ لأنه رجل الآن جاء متحمِّسا لاستدراك ما فات، لأنه شخص الآن يشعر أنه لا بد من فعل الحسنات لتمحو السيئات الماضية؛ لأنه شخص يشعر الآن أنه لا بد أن يفعل طاعات كثيرة لتدارك ما فاته من التقصير في حق ربه، ولذلك تجد الواحد قد تسمعه يقول: أريد أذهب أعتمر، أريد أن أحج، أريد أن أعتكف، أريد ان أصوم الاثنين والخميس، أن أصوم يوماً وأترك يوماً، يفعل أشياء كثيرة جداً، قد يقرأ القرآن كثيراً، قد يبكي من خشية الله، ربما لو جعلت تائباً الآن في هذه المرحلة الجديدة من حياته وضعته إماماً للناس لوجدت أن القلوب تخشع وراءه في الصلاة وهو يتلو القرآن ما لا تخشع وراء رجل سار لسنوات في طريق الهداية في بعض الأحيان؛ لأن هذه النفسية المقبلة على الله، هذه النفسية التي تحس بما أجرمت في الماضي هذه مشحونة بالإيمان الآن، ولذلك يمكن حتى الدعاة إلى الله أن يستفيدوا بزيادة إيمانهم من الجلوس مع مثل هذه النوعيات من الناس، جدد إيمانك، اجلس مع تائب تاب لتوه، جدد إيمانك، وهؤلاء القادمون الجدد في طريق التوبة يحدث في نفوسهم من الانكسار والضعف لله رب العالمين ما يجعلهم قريبين من الله جداً، وبعض هؤلاء مما يحمسهم في الأعمال الصالحة أنه يضع ذنبه نصب عينيه فهو يراه دائماً إن قام وإن قعد، وإن مشى وإن أكل وإن أراد أن ينام، دائماً يرى ذنبه أمام عينيه، فيكون هذا التذكُر بهذا الذنب الذي ارتكبه هذا الشخص التائب دافعاً في قلبه؛ ليحيي في هذا القلب الخوف من الله، والحياء منه، والانطراح بين يديه، والانكسار، ومطأطأة الرأس، ولذلك تجد عند هؤلاء التائبين الجدد من البكاء من خشية الله والخشوع ما لا تجده عند بعض القدامى من الصالحين، وقد يبلغ الأمر أن الشيطان يتندم أنه أوقعه في هذا الذنب فيقول: ليتني لم أوقعه فيه، لأن هذا الذنب هو الذي كان السبب في التوبة وازدياد الحسنات واستدراك ما فات، أضف إلى ذلك أنك تجد عند هؤلاء من الهمة في الأعمال الصالحة ما لا تجده عند شخص سار في طريق العبادة سنوات، لأنه مندفع ومتحمس كما ذكرنا، استوصوا بالتائبين خيراً، ماذا يمكن أن نفعل أيضاً بالنسبة لهؤلاء الأشخاص؟ من الأمور المهمة ستر ذنوبهم وزلاتهم الماضية وإسدال الستار تماماً على ما مضى من حياتهم وطي صفحتهم السابقة بالكلية، والمقصود هو سترهم، واحد مذنب تاب لا بد أن تستره؛ من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة  [رواه مسلم: 2442]. ومن أسماء الله الستير صيغة مبالغة، الستّير من ستر،إن الله حييٌ ستير  ستير يعني غفار، يعني يغفر، المؤمن يؤمن أولياءه من العقاب يوم القيامة يؤمنهم فلا يعاقبهم، ومعنى: ((ستّير)) يستر عليهم يستر على عباده ولذلك ورد في الحديث الصحيح:  يبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه   هؤلاء المجاهرين بالمعصية، ولذلك يأتي الله -عز وجل- يوم القيامة بالعبد المؤمن ليس بينه وبينه ترجمان، فيقرره بذنوبه فيقول الله لعبده: فعلت كذا وكذا في يوم كذا وكذا فعلت كذا وكذا في يوم كذا وكذا،  فيقرره بذنوبه، لا يستطيع العبد أن ينكر منها شيئاً، حتى إذا رأى العبد ألا مجال له من النجاة أبداً، لا مجال له في النجاة مطلقاً، وأن الذنوب عُدت كلها عليه من ربه وأيس، قال الله له:إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك الآن  [رواه البخاري: 4685، ومسلم: 2768]. ثم يدخل الجنة، اللهم اجعلنا منهم.

فإذن، الله عز وجل من أسمائه الستِّير، يستر عباده، والشريعة تدعو لستر المذنب التائب، لا بد أن يستر، لا يجوز بأي حال من الأحوال نبش ماضيه ولا التكلم بسيئاته الماضية، ولا فضح معاصيه السابقة، ولا التشهير به مطلقاً، لا يجوز أبداً، وفضحه والتشهير به وهو تائب، هذا من إعانة الشيطان عليه، وهذا المشهِّر الفاضح قد يفضحه الله يوم القيامة؛ جزاءً وفاقاً بما أساء لأخيه المسلم التائب.

ولذلك فإننا نقول لبعض الناس، ننبه بعض الإخوان، أحياناً يريد أن يضرب مثالاً على شخص في مجلس من المجالس فيفضحه دون أن يشعر، فيقول للناس: تصوروا يا جماعة كان هناك واحد يعمل في مكان كذا، وعمل كذا وكذا، ثم الآن تاب إلى الله والآن صلح حاله وهذا الشخص لما وصفه بهذه الأوصاف، صار الآن معروفا مكشوفاً.

ولذلك ليس من المصلحة الشرعية دائماً أنك تأتي على كل تائب وتقول للناس: هذا كان يفعل كذا وكذا وكذا، لا، لا بد من ستره، ونقول أيضاً: هب أنك رأيت شخصاً يتعاطى المخدرات مثلاً، وأحسست أنه يتعاطى المخدرات، لكن شعرت أن هذا الشخص نادم وأنه يريد الإقلاع عن هذا الإدمان فعلاً، وأنه الآن في مرحلة علاج، وأن الرجل صادق فعلاً في الإقلاع، فهذا لابد أن تستره أيضاً، افرض أنك علمت عن امرأة من الجيران أنها تفعل شيئاً في الخفاء، فأنت قدّمت النصيحة وذكّرت بالله، المفروض أن تستر ما شاهدتَ، مادام ليست هناك مجاهرة، المسألة في السر، المفروض أن تستر ما شاهدت، إلا أن تكون المسألة مستفحلة، وأن هذا وكر فساد، وأن المسألة تتفاقم، وأن أناساً آخرين ينضمون إلى الجريمة فعند ذلك لا بد من فضحهم حتى لا يستشري فسادهم، لكن إذا شاهدت مذنباً يعمل ذنباً، أنت تذكره بالله وتنصحه وتستر عليه، ومن باب أولى إذا شخص أذنب وتاب ألا تتكلم بذنوبه السابقة.

من باب أولى من أنواع الستر أن يكون مثلاً هذا المدمن قد يفقد وظيفته، أو فقد وظيفته، فيأتي واحد من الصالحين فيهيئ له وظيفة بعد توبته، لأن بعض الناس لا يبالون بمثل هذه الشخصيات، يقول: هذا كان مدمناً، ماذا أريد به؟ وبعض الناس لو علم أن هذه المرأة الملتزمة كان لها سوابق في الماضي فيقول: لا يمكن أن أقترب من هذه مطلقاً في مسألة زواج، وبعض الأزواج لو علم بأن زوجته ارتكبت معصية، فإن بعضهم يشهِّر بها مباشرة ويطلّقها دون أن يدع لنا مجالاً للتوبة، مع أن المفروض أن يعظها ويذكّرها بالله تعالى ويعطيها الفرصة، فإن استقامت الحمد لله، فإن لم تستقم طلّقها، أنت الآن انظر إلى مواجهة الرسول ﷺ لعائشة -رضي الله عنها- لما أشاع المنافقون الإفك أنها وقعت في الفاحشة مع صفوان بن المعطل السلمي -رضي الله عنه- ماذا كان موقف الرسول ﷺ؟ قال هذه العبارة: يا عائشة، إن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله  [رواه البخاري: 2661، ومسلم: 2770].

هو غير متأكد، إشاعات، فماذا فعل؟ إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله فقط، والآن بعض الناس قد يقعون في نفس هذه الظروف، ماذا يقول؟ نفس الشيء: إذا كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله  اشتبهت في شخص، إن كنتَ ألممتَ بذنب فاستغفر الله، فقط، أما أنك تتهم شخصاً وتلزق به التهمة، والمسألة مازالت ظنون، فهذا من الجرائم، هذا بعينه ذنب من الذنوب أنت ترتكبه الآن باتهامك لشخص بريء.

إرشاد التائبين إلى سعة رحمة الله وعظيم مغفرته

وكذلك فإن من الاستيصاء بالتائبين خيراً: إرشادهم إلى باب التوبة المفتوح، وإلى عِظم مغفرة الله ورحمته، وهذه فيها نصوص كثيرة جداً من القرآن والسنة، إرشادهم إلى سعة رحمة الله،  وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156].  يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: 53].  وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ  [آل عمران: 135] إن للتوبة باباً عرض ما بين مصراعيه كما بين المشرق والمغرب، لا يُغلق حتى تقوم الساعة [رواه الطبراني في الكبير: 7383، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 2177].   التائب من الذنب كمن لا ذنب له [رواه أحمد: 4250، وابن ماجة: 4250،  وصححه الألباني في  صحيح الجامع الصغير وزيادته: 3008].من علم أني ذو مقدرة على مغفرة على الذنوب غفرت له ولا أبالي يا عبادي إنكم تخطؤون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم  [رواه مسلم: 2577].  يا ابن آدم لو أتيت بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة [رواه الترمذي: 3540، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 4338]. إرشاد الناس هؤلاء، فتح الطريق؛ أن تريهم الأمل، هذا شيء فعلاً يجعلهم يستمرون في التوبة، ويجعلهم يقبلون على الله تعالى ويزيل اليأس من قلوبهم؛ لأن كثيراً من هؤلاء النوعيات يحصل عندهم من اليأس والقنوط ويقول: الآن الله ربما لا يغفر ذنوبي كلها، وليكن موقفك فيه تأسٍ بالعالم لما جاءه قاتل المائة، جاء للعالم قال: إني قتلت مئة نفس هل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة [رواه مسلم: 2766].

 قضية أن يرى الإنسان مذنباً فيقول: والله لا يغفر الله لك! فهذه من أعظم المصائب، إن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، قال الله: من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطتُ عملك [رواه مسلم: 2621]. تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، ولهذه قصة وردت في الحديث الصحيح التالي: كان رجلان في بني إسرائيل متواخيان، وكان أحدهما مذنباً والآخر مجتهداً في العبادة، وكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر -كُفّ عن الذنوب- فوجدته يوماً على ذنبه، فقال له: أقصر  حتى الآن الموقف سليم، فقال له: أقصر، فقال: خلّني وربي أبعثت عليّ رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، فقبض روحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد في العبادة: أكنتَ بي عالماً، أو كنت على ما في يدي قادراً، وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار  [رواه أحمد: 8292، وأبو داود: 4901، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 4455].

بعض الناس الذين يصيبهم غرور في العبادة، فيظن أنه هو الوحيد الذي يُغفر له، وأن هؤلاء المساكين إلى النار مباشرة، فيتحكم في رحمة الله وينازع الله في ألوهيته، ويقول: هذا للجنة وهذا للنار، هذا قد يدخل النار فعلاً، كما ثبت في هذا الحديث، وليعلم كل داعية إلى الله أن هذا الانكسار الذي يحدث للمذنب عند توبته والذلّة والخضوع تخلّص المذنب من الكبر والعُجب الذي يكون مترسخاً في نفوس البعض من العابدين، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبّحين المتفاخرين، ولعل الله قد أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داءً قاتلاً هو فيك وأنت لا تشعر، ولذلك قد يكون تعيير المسلم لأخيه بذنب فعله أعظم إثماً من المذنب نفسه؛ لما فيه من إظهار الطاعة وتزكية النفس وتبرئتها من الذنوب، ولذلك يقول ﷺ في الحديث الصحيح:إذا زنت أمة أحدكم فليقم عليها الحد ولا يثرّب  [رواه البخاري: 2152، ومسلم: 1703].

ومعنى: ((لا يُثرِّب)) يعني: لا يعيبها، يقيم عليها الحد، لكن لا يجلس بين فترة وأخرى يذكره بالذنب، يقول: أنت فعلت كذا وكذا صح وإلا لا؟ أنت فعلت الذنب كذا تذكر وأنت فعلت، فهذا التعيير غير جائز لهذا المذنب الذي أقيم عليه الحد أو الذي تاب من ذنبه وقد ورد عن بعض السلف: “أن من عيّر أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله” [رواه الترمذي: 2505، وقال: هذا حديث حسن غريب وليس إسناده بمتصل وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل].

قد يبتليه الله بأن يعمل نفس الذنب الذي عير أخاه به.

وتعيير المسلم فيه نوع من الشماتة به، ولذلك ورد في القول المأثور: “لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك” [رواه البيهقي في الشعب: 6355].

ولا بد أن يشعر الدعاة إلى الله كل واحد منهم بأن الله يمكن أن يضله في أي لحظة، وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: 74]. وقال يوسف: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [يوسف: 33]. وكان عامة يمينه ﷺ لا ومقلّب القلوب، وكان يكثر أن يقول:  يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك  [رواه أحمد: 12107، والترمذي: 2140، ووصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 4801]. ساعة

إزالة العوائق النفسية للتائب وتقديم الحلول له

والاستيصاء بالتائبين خيراً أيضاً يكون من ضمنه إزالة العوائق النفسية التي تكون عند بعض التائبين وتقديم الحلول العملية لهم وشرح شروط التوبة لهؤلاء فإن كثيراً من الناس يريدون التوبة ولا يعرفون شروطها، فلا بد أن تشرح لهؤلاء، تقول لهم: لا بد من الإقلاع عن الذنب فوراً، الندم على ما فات، العزم على عدم العودة إليه، إرجاع حقوق العباد الذين ظلمتهم، أو طلب البراءة منهم ومسامحتهم، وأن يكون ترك الذنب لله لا لشيء آخر، فتقول لهذا الشخص: انتبه، ينبغي أن تكون توبتك صادقة، فمثلاً لا تقبل توبة من ترك ذنباً لحفظ صحته، كمن ترك الزنا أو الفاحشة لما فيها من الأمراض الفتاكة، أو ترك السرقة خوفاً من الشرطة، أو ترك أخذ الرشوة؛ لأنه خشي أن يكون معطيها من هيئة مكافحة الرشوة مثلاً، وواحد ترك الكذب؛ لأن لسانه أُصيب بالشلل، أو سارق ترك السرقة أن فقد أطرافه في حادثة، هؤلاء ينبغي أن تكون التوبة لله، لا لأشياء أخرى، أو واحد مثلاً ترك الذنب؛ لأنه خاف على وظيفته، أو خشي أن يطرد من عمله، التوبة ينبغي أن تكون لله ، لا لشيء آخر، وأن يستقبح العبد الذنب، ويشعر بالضرر، وتبين لهذا التائب، تبين لهذا الشخص أضرار الذنوب، حرمان العلم، وحشة القلب، تعسير الأمور، وهن البدن، حرمان الطاعة، محق البركة، قلة التوفيق، ضيق الصدر، توالد السيئات، اعتياد الذنوب، هوان المذنب على الله، هوانه على الناس، لعنة البهائم له، لباس الذُّل، الطبع على قلبه، الدخول تحت لعنة الله ورسوله، ومنع إجابة الدعاء، والفساد في البر والبحر، وانعدام الغيرة، وذهاب الحياء، وزوال النعم، ونزول النقم، والرعب في قلب العاصي، والوقوع في أسر الشيطان، وسوء الخاتمة، وعذاب الآخرة، لا بد أن نبين لهم عاقبة الذنوب، وأضرار الذنوب، كذلك لا بد أن نقول لهم: انتبهوا إنكم قد تتركون معاصٍ وتصرون على معاصٍ أخرى، قد تنتقل من معصية إلى معصية؛ لأن طبعك متعلق فيها، أو لأن أسبابها حاضرة، أو لأن الشهوة فيها أقوى، أو لأن القرناء لا يتركونك إلا بها.

وكذلك فإنه لا بد أن نذكِّر أنفسنا جميعا أن التائب لا ينبغي أن يشعر أن الله غفر له وانتهينا، وأن صفحته الآن صارت بيضاء تماماً، وأنه ينبغي أنه لايزال يشعر يخاف من تلك الذنوب، يشعر أنها جبل يريد أن يقع عليه، يرجو رحمة الله، لا ييأس، لكن لا يقول: أنا متأكد أن الله غفر ذنوبي وأني داخل الجنة.

وكذلك لا بد أن نرشده إلى ما أرشده ذلك الرجل الصالح لقاتل المئة العالم، قال: اذهب إلى بلدة كذا كذا، فإن فيها أناساً صالحين يعبدون الله فاعبد الله معهم، لا بد أن ترشد التائب، تقول: أول شيء أصحاب السوء الذين تمشي معهم تتركهم نهائياً، تذهب إلى فلان وفلان وفلان تخالطهم وتعاشرهم.

ثانياً: وسائل المعصية لا بد من إتلافها فوراً، لو عندك صور سيئة في البيت، مجلات سيئة، أفلام محرمة، أشياء محرمة تتعاطى أدوات؛ لهو، مزامير، معازف، أشرطة فساد، لا بد تتخلص منها فوراً، هذا الشيء لا بد أن يُرسّخ في نفوس التائبين، استوصوا بهم خيرا، لماذا؟ لأن كثيراً من التائبين قد يعودون إلى الذنوب مرة أخرى، لأن وسائل الذنوب مازالت موجودة في بيوتهم، مازالت موجودة على مقربة منهم، ولذلك يسهل عليه العودة، فلابد أن تعلمه أن يترك كل تلك الأشياء وأن يتلفها، وأن يخلع على عتبة التوبة، كل ملابس الجاهلية وأوضارها، وأن تشرح له أن يعمد إلى هذا البدن الذي رباه بالسحت والحرام فيصرف طاقته في طاعة الله حتى يبارك الله فيه.

ومن الأمور المهمة أن نوجد الحلول العملية لهؤلاء التائبين، بعض التائبين يعانون من مشكلات، بعض التائبين يعاني من علاقات في الماضي، بعض التائبين يعاني من مشاكل ترتبت على حياته الماضية، لابد أن نمدّ لهؤلاء يد العون، وأن نقول لهم: إننا على استعداد لمساعدتهم، إننا على استعداد للأخذ بأيديهم والوقوف بجانبهم، إنهم ليسوا لوحدهم، فإننا أيضاً نشد من أزرهم ونعينهم على ما هم فيه من الطاعة والإقبال على الله تعالى.

وكثير من المشاكل النفسية؛ كشعور التائب أن الله لا يمكن أن يغفر له، وأن ذنوبه أعظم من مغفرة الله، أو يقول: أنا هل لا بد أن أذهب وأعترف بالذنوب التي ارتكبتها؟، ولابد أفعل ولابد أذهب  المحكمة وأقر بالزنا الذي فعلته؟ هل إذا أذنبت ذنباً ثم تبت ثم أذنبت كأني ما تبت؟ وإلا أن التوبة الأولى صحيحة إذا استوفت شروطها؟ لا بد أن نقوم بالإجابة على جميع علامات الاستفهام الموجودة، أن نعلمهم صلاة التوبة، إذا أذنب ذنباً كيف يتوب؟ ما هي صلاة التوبة؟ ما هي صفاتها؟ ماذا يقول فيها؟ بعض أصدقائه القدامى قد يهددونه؛ واحد يقول: كانوا يدسُّون له الصور من تحت الباب، أخذوا له صوراً في الماضي، فلما تاب صاروا يهددونه ويضعون له الصور تحت الباب ويرسلون له برسائل يقولون له: نستطيع أن نفضحك، عندنا إثباتات عليك، أو واحدة مثلاً خبيث يسجِّل لها مكالمات كانت تكلمه في الماضي، ثم يهددها بفضحها، هنا لا بد أن تقوم الواعيات من المسلمات بجانب هذه التائبة، لا بد أن يقوم الواعون من المسلمين للوقوف بجانب هذا التائب، هذه لحظات حرجة وحساسية، أو مثلاً بعض الناس ما عنده إجابات واضحة، مثلاً يقول: أنا تركت صلوات علي قضاؤها أو لا؟ تركت صياماً عليّ قضاؤه؟ أو أنا تركت زكوات ما أخرجتها في الماضي، ماذا أفعل؟ أنا قتلت، قد يقول: قتلت، قد يقول: سرقت، ماذا أفعل؟ قد يقول: أنا مُحرج أن أرجع الأشياء المسروقة إلى أصحابها، قد يقول: أنا لا أعرف كم سرقت بالضبط المقدار؟ ما أعرف كم؟ قد يقول: الناس الذين سرقتُ منهم ذهبوا، لا أعرف عناوينهم، ذهبوا، تلاشوا، كيف؟ ماذا أفعل؟.

قد يقول مثلاً: سرقت شيئاً، هل يجب أن أعيده بذاته أو أعيد قيمته؟ قد يقول مثلاً: أخذت رشوة، قد يقول: أنا عملت أعمالاً محرمة، ربما واحد مغني يتوب إلى الله، عنده أموال من الغناء، زانية تتوب إلى الله، عندها أموال من الزنا، ومروّج مخدرات عنده أموال من ترويج المخدرات، هذه الأموال ما حكمهما؟ كيف يفعلون؟ المرابون الذين يتعاملون بالربا كيف يفعلون بأموالهم؟ كيف يتوبون؟ ما هو الواجب إخراجها منها؟ واحد مثلاً فعل فاحشة بامرأة، قد يكون مغتصباً، قد يكون برضاها، ما هو الفرق في الحالتين؟ مثلاً واحد عقد على زانية، هل العقد صحيح؟ وماذا يترتب على ذلك؟ رجل كان ينشر الأفكار الإلحادية، كيف تكون توبته الآن؟ هناك مسائل علمية تحتاج إلى إجابات، هناك أمور تحتاج إلى تبيين، ينبغي أن نرشد هؤلاء إلى أهل العلم ليبينوا لهم.

الحكمة في تنزيل أحاديث الترغيب والترهيب

وذكر أحاديث الترغيب والرجاء المناسبة مهم؛ لأن بعض الناس ممكن يذكر أحاديث غير مناسبة يذهب إلى أناس من اللاهين واللاعبين يقول: قال رسول الله ﷺ: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة  هؤلاء لاهون لاعبون عابثون لا يريدون التوبة، يقول لهم هذه الأحاديث فتكون فتنة، ولذلك يقول أحد السلف: “ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة” فعلاً، ولذلك لا بد تشرح لهم ما معنى الحديث إذا وجدت أنهم لا يفهمونه لا تذكره أصلاً، مثلاً حديث هذا العابد الذي قال لصاحبه المذنب: ((أقصر)) والمقصر قال له: خلني وربي أبُعثتَ علي رقيبا؟ [رواه أحمد: 8292، وأبو داود: 4901، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: 4455]. لو وجدت بعض الناس لن يفهموا الحديث، وبعض المذنبين سيقول لكل داعية وآمر بالمعروف وناه عن المنكر يقول له: خلّني وربي أبُعثت عليّ رقيبا ، لو تحس أنه سيفهم من هذا الحديث هذا المفهوم لا يجوز لك أن تحدّثه به، ليس كل الآيات والأحاديث تصلح أن يخاطب بها جميع الناس، ولذلك لا بد من انتقاء الأشياء المناسبة لمثل هؤلاء، هذه بعض الواجبات التي أرى أنه لا بد من الدعاة إلى الله عز وجل أن يقوموا بها تجاه التائبين، استوصوا بالتائبين خيراً، هؤلاء وفد الله قدموا إليك، ومن حقوقهم عليكم: إكرامهم وحُسن وفادتهم، ونسأل الله أن يعيننا وإياكم على هذه الأمور.

الشيخ الدكتور: محمد صالح المنجد/ المصدر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!