الأداء اللغوي والتنمية المستدامة في عصر المعرفة

معين المعرفة18 أكتوبر 2021آخر تحديث : منذ شهرين
معين المعرفة
مقالات متنوعةمقالات تربوية
خالد جوهري

خاليد جوهري

فهرس

  • توطئة.
  • التعليم وأثره في عصر المعرفة.
  • أهمية الاستثمار في اقتصاد اللغة.
  • اللغة الأم والاستثمار في العنصر البشري.
  • الاستثمار في علم الترجمة أداة لإغناء بنك المصطلح في عصر المعرفة.

1.    توطئة

يعد  التحول إلى مجتمع المعرفة ضرورة حتمية لرقي الشعوب وتطورها، فهي – المعرفة – المحرك الأساسي للإنتاج والنمو الاقتصادي، إذ أصبحت المعلومات والتكنولوجيا رافعة للاقتصاد، ذلك أن نظريات النمو الجديدة تعتمد الارتباط الوثيق بين التنمية وتوليد المعلومة ونشرها واستخدامها، كما أصبح الاستثمار في المعرفة يضاعف الإنتاجية ويزيد من فرص العمل، وتبقى المجتمعات الأكثر اقترابا من مظاهر مجتمع المعرفة، هي تلك المجتمعات “الرائدة في مجال تقنية المعلومات وتطوير أنظمة التعليم المبدعة للابتكارات والاختراعات في جامعاتها ومراكز بحوثها (كما ورد في تقرير المعرفة العربي لسنة 2009)، علاوة على توفرها على بيئات تمكينية ومؤسسات وقوانين وقاعدة صلبة من الحريات الفردية والسياسية المحفزة على الإنتاج واستخدام المعرفة”[1]. أما المجتمع الذي لا يولي أهمية للمعرفة فهو مجتمع متخلف عن الركب الاقتصادي العالمي.

ولعل ما حققته الدول المتقدمة من تطور في المجال المعرفي من إبداع وابتكار وتجديد، راجع بالأساس إلى ما تملكه هذه الدول من رأس مال بشري عالي المهارة، غزير المعرفة، تطور على مراحل طويلة في أوساط تعليمية وتكوينية في العلوم والتكنولوجيا وفي الابتكار والتطوير، تدعمها بيئات اجتماعية واقتصادية وسياسية تقوي تطوير وإعداد وتأهيل رأس المال البشري القائد للتغيير والناقل والمنتج للمعرفة، المتميز بالقدرة على التجديد والتطوير والتكيف، وذلك بتوظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال. هذه البيئات قد تكون كابحا ومعرقلا للتطور والتقدم، لذلك يظل الاهتمام بهذه البيئات ودعمها والاستثمار فيها خطوة أساسية وقاعدة للانطلاق نحو تحقيق الأهداف المرجوة بفعالية ونجاعة، وهنا تظهر أهمية كفاءة المنظومة التربوية والتعليمية والبحثية التي تُعدّ المسؤول المباشر عن إعداد وتأهيل رأس المال البشري، ذلك أن نتائج مؤشر المعرفة قد كشفت عن مجموعة من مظاهر الخلل تتمثل فيما يلي:

  • العلاقة بين البعد الكمي والنوعي وبين المدخلات والمخرجات في أداء منظومة التعليم قبل الجامعي؛
  • العلاقة بين مدخلات منظومة التعليم العالي ومخرجاتها؛
  • أداء منظومة التعليم التقني والتدريب المهني في علاقتها بسوق العمل والاقتصاد وتأهيل رأس المال البشري؛
  • إنتاجية منظمة البحث والتطوير والابتكار[2].

وبناء على ما سبق تطرح مسألة التراخي في تحسين أداء المنظومة التربوية والتعليمية، مجموعة من الإشكالات ترتبط في جزء كبير منها بمسألة التحول إلى اقتصاد المعرفة والقدرة التنافسية لهذا الاقتصاد، ونظرا لأهمية المواءمة بين التطور العلمي والتكنولوجي الكبير وتوفّر موارد بشرية قادرة على مواكبة هذه التغييرات والتطورات المستقبلية، فقد أوصى تقرير المعرفة و الثورة الرقمية الرابعة لسنة 2017 بضرورة التركيز على  أربع قضايا ذات أولوية: “تتعلق القضية الأولى بالبطالة الهيكلية الناتجة عن ضعف المواءمة بين متطلبات اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا ونوعية القوى البشرية التي يوفرها التعليم العالي؛ وتهتمّ القضية الثانية بعلاقة البحث والإنتاج والابتكار بالأداء الاقتصادي، أي بالمردود الاقتصادي لقطاع البحث والتطوير والابتكار ودوره في الحركة الاقتصادية وفى المسار التنموي للدول نحو اقتصاد المعرفة. أمّا القضيتان الثالثة والرابعة فتركّزان على مسألة مدى توظيف الثورة التكنولوجية وتعظيم الاستفادة منها في قطاع التعليم التقني والتدريب المهني باعتباره مدخلًا أساسيًّا في تدريب القوى العاملة التي يتطلبها سوق عمل موسوم بتحوُّل رقمي غير مسبوق، وكذلك في قطاع الاقتصاد نظرًا للدور الحاسم الذي تلعبه البنية التكنولوجية في تطوير العملية الإنتاجية ونمو رأس المال ودعم الانفتاح الاقتصادي”[3].

2.    التعليم وأثره في عصر المعرفة

يؤكد أحمد أوزي على أن التعليم الراقي في نوعيته وتطبيقاته وتوجهاته يغرس في الناشئة القيم النبيلة ويعودها على روح الإبداع والانضباط والتميز والتفتح ويمكنها من الأدوات المعرفية للعصر وقيمه الأساسية[4]، لكونها من المهارات التي يتطلبها بناء إنسان مجتمع المعرفة، ذلك أن العنصر البشري هو أهم العوامل التي تصنع التنمية المستدامة وغير القابلة للانتكاس. و يضيف مصطفى حجازي من جهة أخرى أن الإنسان جيد التعليم والتدريب على أحدث العلوم العصرية والتقنيات الأكثر تطورا، والمتشبِّث بكل ما هو إيجابي في تراثه وثقافته وحضارته، هو القادر على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية[5]، خاصة في عالم سريع التغيّر متميز بالتطور السريع للتكنولوجيات الحديثة ويعرف طلبا متزايدا على الاستثمار في اعتماد الذكاء الاصطناعي وفي التعليم، إذ أصبح من اللازم تنمية مهارات متقدمة تخدم التنمية المستدامة (حل المشكلات المعقدة، التفكير النقدي، الإبداع، إدارة الأشخاص، التنسيق مع الآخرين، الذكاء العاطفي، الحكم واتخاذ القرار، التركيز على تقديم الخدمات، التفاوض، المرونة الإدراكية)[6]، ولعل الدراسة التي أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي خير دليل على الحاجة الملحة إلى مهارات تواكب التغير السريع واللايقين الذي يعرفه العالم في القرن الحادي والعشرين، هذه الدراسة خلُصت إلى احتمال تلاشي 75 مليون وظيفة بسبب التغير في توزيع العمل بين الإنسان والآلة، بينما ستظهر 133 مليون وظيفة جديدة تستند إلى التوزيع لجديد للعمل بين الإنسان والآلة والخوارزميات[7].  

ويستوجب هذا التغيّر السريع في الطلب على مهارات المستقبل، تنمية مهارات من قبيل التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة والبحث والتطوير والابتكار والتفكير النقدي ومهارة حل المشكلات والعمل في فريق والتعاون والتواصل والذكاء العاطفي واتخاذ القرارات بناء على البيانات المتاحة، وهوما يؤكد على تزايد أهمية المهارات الشخصية، ولتوضيح هذا التغيّر المستمر في الطلب على المهارات نقدم في الجدول التالي مقارنة أبرز 10 مهارات في سنة 2015 و سنة 2020[8].

20152020
حل المشكلات المعقدة؛التنسيق مع الآخرين؛إدارة الأشخاص؛التفكير النقدي؛التفاوض؛الرقابة على الجودة؛التركيز على تقديم الخدمات؛الحكم واتخاذ القرار؛الإصغاء بانتباه؛ الإبداع.حل المشكلات المعقدة؛التفكير النقدي؛الإبداع؛إدارة الأشخاص؛التنسيق مع الآخرين؛الذكاء العاطفي؛الحكم واتخاذ القرارات؛التركيز على تقديم الخدمات؛التفاوض؛المرونة الإدراكية.

ومن هذا المنطلق يظهر جليا ضرورة التخلي عن النمط التقليدي في التدريس المعتمد على شحن ذهن المتعلم بالمعلومات وهيمنة المدرس في كل أطوار العملية التعليمية-التعلمية، الذي يعمِّق الهوَة بين متطلبات سوق العمل وحملة الشواهد خريجي هذه المؤسسات، لأن المعارف المكتسبة غير ذات جدوى في حل المشاكل المستجدة في واقعهم، وهذا ما أكده عالم النفس الأمريكي “كارل روجرز Carl Rogers” بقوله: “إنه من السخرية بمكان التساؤل عما ينبغي تعليمه للناشئة في ظل التغيرات السريعة التي تجتاح العالم، لأن كل ما يتعلمونه من مضامين دراسية، تصبح غير ذات جدوى في واقعهم بعد تخرجهم من المدارس، ويظل فقط شيء وشيء واحد يمكن أن يفيدهم، وهو تنمية الفكر الإبداعي الذي يسلحهم بقدرات وكفايات تجعلهم قادرين على مواجهة أي نوع من المشكلات التي يصادفونها أو تستجد في بيئتهم[9].  وبالمقابل لا بد من العمل على تنمية المهارات الحديثة أو بالأحرى( البحث عن تنمية مهارات المستقبل داخل المدارس ومؤسسات التعليم العالي، على اعتبار أنها هي الفاعل الأساسي في عملية نقل ونشر وإنتاج و توظيف المعرفة، كما تعتبر هي المنتج الأساسي لرأس المال البشري الذي تتطلبه التنمية المستدامة وسوق العمل، ولنا في التجارب الناجحة كتجارب النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية وسنغافورة والتايوان والهونغ كونغ) في هذا المجال خير قدوة، إذ اتخذت شعار “بناء الإنسان المتمكن معرفيا” مفتاحا رئيسا للرقي، فالمعرفة كانت وستظل هي القوة المتوّجة لكل القوى الأخرى الاقتصادية والسياسية والعسكرية والمالية والثقافية والموجّهة لها. نظام تعليم متين في جميع مراحله، ونظام تأهيل يبني كفاءات متمكِّنة، وبناء عقول مبتكرة ومتفتّحة على كل جديد ومواكبة له، بل هي تشغل مكانة ريادية فيه[10].

3.    أهمية الاستثمار في اقتصاد اللغة

ونظرا للدور المحوري والجوهري الذي تلعبه اللغة في عملية التحول إلى مجتمع المعرفة، بما هي الحاضن والمغذي والداعم للمعرفة والثقافة، إذ بها ومن خلالها تتراكم المعارف الضرورية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، وهي كذلك وعاء المضامين المستجدة والمستحدثة لمجتمعات واقتصادات المعرفة وأداة لصقل المعارف والمهارات داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، فإنه أصبح من اللازم الاهتمام بتطوير اللغة الوطنية والرقي بها لتلج فضاءات التجديد والإبداع والمساهمة الفعالة في إنتاج المعرفة وتوظيفها لخلق الثروة، بهذا المعنى يمكن القول أن المعرفة سلعة تُتداول في الأسواق وأداة تداولها هي اللغة، وكما للدول ثروة ورصيد نقدي فإن لها ثروة ورصيد لغوي كذلك، فاللغة تعمل عمل النقود لتبادل الأصول، اللغة تستعمل لتبادل الأصول غير المادية ( المعرفة)، والنقود تستخدم لتبادل الأصول المادية ( السلع ).

وبالتالي فالدور الاقتصادي للغة يوازي دور النقد، لذلك فإن ما يحكم السياسة النقدية والمالية للدول يحكم السياسة اللغوية[11]، حيث تُسكّ الكلمات كما تُسكّ العملات، وقيمة العملة تتحدد بكمية الطلب الخارجي عليها أي كلما زاد الطلب الخارجي على عملة ما كلما زادت قيمتها، بمعنى آخر فهي تخضع لقانون العرض والطلب، وما يزيد الطلب على العملة الوطنية هو كمية السلع والمنتجات المصدَّرة إلى الخارج، وكذلك الحال بالنسبة للغة، يزيد الطلب عليها بزيادة جودة وقيمة المعرفة التي ينتجها أبناؤها، وغالبا ما ترتبط قوة العملة بقوة اللغة، وهنا يمكن الاستشهاد بالارتباط بين قيمة الدولار واللغة الإنجليزية وبين  الينّ واللغة اليابانية… وإذا كانت النقود تحقق تبادل الأصول المادية أو السلع والخدمات فإن اللغة تُحقّق تبادل الأصول غير المادية، فهي توفر تبادل ونقل المعرفة والخبرة والإبداع بين أفراد المجتمع، وبالتالي يمكن القول أن السياسة اللغوية الفعالة تجعل من اللغة أداة لرفع النمو الاقتصادي، وذلك يتطلب استثمارا يرمي إلى خلق المعرفة والمعلومات العلمية باللغة الوطنية وجعلها في متناول الفرد الذي سيستعمل هذه اللغة العلمية والتكنولوجية في تحقيق النمو الاقتصادي، وهذا لن يتأتى إلا إذا كان تعليم العلوم والتكنولوجيا يتم باللغة الأم للقوى العاملة.

والحديث عن الاستثمار في اللغة يقودنا إلى الحديث عن مردود هذا الاستثمار، فهذا شارل دكول Charle de GAULLE عندما طالب بتخصيص ميزانية للفروكوفونية ولقي معارضة في ذلك خاصة أن فرنسا خرجت للتوّ من حرب مُنهكة يؤكد أهمية الاستثمار في اللغة: “إن كل فرنك ننفقه على الفرنسية له عائد يبلغ ست فرنكات، و من يتكلم فرنسيا يشتري فرنسيا qui parle français achète français”، وهذا الاستثمار يقودنا إلى اختبار قدرتنا على إنتاج المعرفة العلمية، فالدولة التي تستثمر في اللغة الأجنبية أكثر من لغتها الوطنية هي الخاسرة، بينما الدولة التي تنجح في إقناع الدول الأخرى بتعلم لغتها لكي تُصدِّر لهم هي الرابحة ربحا مضاعفا (تربح كلفة الاستثمار في تعلم لغتها من قبل الآخرين وتربح كلفة الترجمة في عملية التصدير)، وبالتالي تكون المجتمعات غير القائمة على المعرفة مجتمعات مستورِدة ومستهلكة، تقل فيها فرص العمل التي تتناسب بشكل مُطّرد مع الفرق بين الصادرات والواردات، ومن الأمثلة التي تُضرب في هذا الباب مثال دولة كندا التي تقرّر فيها تحمُّل ميزانية المقاطعات الناطقة بالإنجليزية كلفة الاستثمار في  تعلم اللغة الإنجليزية في المقاطعات الناطقة بالفرنسية[12]، ولإتقان أفراد المجتمع للغة العلم والتكنولوجيا عائد اقتصادي يرتبط ارتباطا وثيقا بإتقان الفرد استعمال هذه اللغة، الذي يتأثر بدوره بجودة إتقان تعليمها من قبل الأطر التربوية وبجودة المناهج والطرق المعتمدة في التدريس.

4.    اللغة الأم والاستثمار في العنصر البشري

وغالبا ما نجد في الأمم التي تعتمد نظرية الرأس مال البشري، أن الإنسان هو الأساس وهو  هدف التنمية وأداتها وغايتها، والتعليم فيها هو مرتكز إعداد هذا الإنسان المؤهل والكفء، ولغة التعليم تكون أكثر فعالية ونجاعة إذا كانت هي اللغة الأم، خاصة في السنوات الأولى من التعليم، وهذا ما أكده منذ زمن المرحوم والعلامة ابن خلدون في الفصل الرابع والأربعين من المقدمة في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي، والسر في ذلك أن مباحث العلوم كلها إنما هي في المعاني الذهنية والخيالية، مضيفا أن اللغات إنما هي ترجمان عما في الضمائر من تلك المعاني يؤديها بعض إلى بعض بالمشافهة بالمناظرة والتعليم، وممارسة البحث بالعلوم لتحصيل ملكاتها بطول المِران على ذلك[13]، وأثبتت مجموعة من الأبحاث والدراسات أيضا أهمية التدريس باللغة الأم ومنها تقرير منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم -اليونسكو- الذي أوضح أن الدول الرائدة عالميا تُدرِّس بلغتها الأم، وأكدت دراسات أخرى أن 19 دولة الرائدة في العالم على المستوى التكنولوجي يرتكز نظامها التعليمي والبحث العلمي على لغتها الأم.

ومن بين البلدان التي اختارت لغتها الأم كلغة للتدريس، نذكر اليابان التي تمثل سواء في نظامها التعليمي أم في نظام تأهيل الطاقات البشرية المنتجة والتطوير المستمر لكفاءاتها، ومواكبة التقنيات الأكثر تقدما نموذجا مشهودا له في الاقتدار المعرفي، حيث المعرفة قوتها وفاعليتها راهنا ومستقبلا مفتاح صناعة المكانة الريادية على الساحة الوطنية والعالمية في آن[14]، وكذلك كوريا الجنوبية  الملقبة ب”المعجزة على نهر هان” نظرا لما حققته من نمو اقتصادي غير متناه حوَّلها من دولة فقيرة إلى نموذج يحتذى في النمو الاجتماعي والاقتصادي، والتي تعتبر أول دولة أسست وزارة تحت اسم “وزارة الاقتصاد المعرفي”، فهي تصدِّر اليوم أكثر من دولة روسيا، رغم أن عدد سكانها يقل عن سكان روسيا بثلاث مرات، ومساحتها تصغر ب 171 مرة مساحة روسيا. ماذا يبيع الكوريون؟ قطعا الكترونية ولوحات الكترونية مسطحة أو بواخر لنقل البضائع والمسافرين،… أو حتى البترول لكن بعد تكريره: إذن فهو منتوج من منتوجات اقتصاد المعرفة[15].وتشير دراسات أجريت عن تجربة ماليزيا الاقتصادية والصناعية، التي حققت لها نهضة متميزة في العالم، وهي التي تمثلت في مشروع اعتماد اللغة الإنجليزية في تعليم مبادئ العلوم والرياضيات بدل اللغة الماليزية، ووصف هذا المشروع بأنه “التنازل الأهم في مسيرة الصناعة الاقتصادية الماليزية”. وبعد 6 سنوات من التجربة قررت ماليزيا إيقاف مشروع تدريس الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية والعودة إلى التدريس باللغة الماليزية “المالوية”، والسبب حسب ما جاء في القرار هو أن الدراسات التي أجريت على أكثر من 10 آلاف مدرسة أثبتت فشل التجربة وأن التدريس بالإنجليزية (غير اللغة الأم) أدى إلى تدهور مستوى الطلبة على المدى البعيد، وتدهور في مستوى أدائهم في الرياضيات، حسب تقرير نشرته وكالة “أنباء الشرق الأوسط” الرسمية المصرية[16].

  • هندسة اللغة والذكاء الاصطناعي

وهنا يتبين الدور الكبير للتدريس باللغة الأم في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، لكن ينبغي تطوير هذه اللغة بتظافر جهود كل من اللسانيين والمهندسين الحاسوبيين وواضعي مناهج التدريس، وتطبيق ما بات يعرف بحوسبة اللغة وهو علم يعتمد خوارزميات الذكاء الاصطناعي  والبيانات الضخمة “BIG DATA” لحل المسائل اللغوية وإنتاج تطبيقات تستخدم برمجيات تتطور من خلال البيانات السابقة فتجعل ما هو مُضمر في النص واضح للآلة ( التعلم الآلي والتعلم العميق)، وبما أن العملية اللغوية هي عملية ذهنية أي “ذكاء”، فإن حوسبة هذه العملية هي محاكاة للعقل البشري لذلك تسمى “ذكاء اصطناعيا”، وظهور هذه التسمية بدأ مع تطوير برمجيات للترجمة الآلية من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية.

 ونجد في هذا الصدد علماء يشتغلون على ما يسمى بلسانيات الجيل الرابع التي تنظر إلى اللغة من خلال المكون الرياضي الذي تقوم عليه، أي الكفاءة  la compétence وليس الإنجاز   la performanceالذي اهتمت به اللسانيات الكلاسيكية، فباشتغالنا في إطار لسانيات الكفاءة فإننا نبني معرفة جديدة بمعنى وضع فرضيات والتأكد من هذه الفرضيات، والذي يسمح بهذا المستوى هو مجال هندسة اللغة أو اللسانيات الحاسوبية، واللغة العربية من بين اللغات العالمية التي تستجيب لهذه المعايير، كونها لغة انصهارية تكتب بدون حركات وتُقرأ بالحركات[17]، كما أنها لغة اشتقاقية بامتياز( من الجذر ك ت ب يمكن الحصول على كلمات و مفاهيم جديدة: كاتب، مكتب كتب كتَّب انكتب…)  مما يغني الثروة اللفظية للغة و يسهل فهمها لمتعلمي اللغة، لاحتفاظ المشتقات بالمعنى الأصلي للجذر[18]، إذن الإنسان العربي يوظف في كلامه هندسة البناء اللغوي على مستوى الصرف والتركيب خلافا لكثير من اللغات في العالم، وهنا يمكن القول أنه الأقدر على إنتاج المعارف وتداولها في سوق المعرفة مما يزيد الطلب على اللغة وبالتالي تزيد قيمتها، وللباحثين المغاربة باع طويل في تطوير اللغة العربية وهندستها، فهم يشتغلون على تطوير محرك بحث يعتمد الحرف العربي بخلاف ما هو سائد الآن، وكذا تطوير بعض التطبيقات التي تعتمد التحليل الصرفي مثل برنامج الخليل للتحليل الصرفي الذي طوّره مجموعة من الباحثين بجامعة محمد الأول بوجدة بتعاون مع المنظمة العربية للثقافة والعلوم، والذي يقوم بتحليل الكلمة لتحديد المعارف الصرفية المتعلقة بها كالجذر والوزن والسوابق واللواحق والنوع، ويُعدّ هذا النظام من الأدوات الرئيسية في معالجة اللغة العربية بالحاسوب، وتبقى الحاجة ملحة لتطوير برامج أخرى تهتم بالتحليل النحوي والتركيبي، إذ بتطبيق هندسة اللغة في مجال التعليم على حد تعبير مهندس اللغة محمد الحناش سنربح الوقت ونخفض التكلفة لأنها – هندسة اللغة – توفر لنا البنية التي تولد المعارف من تلقاء ذاتها آليا للوصول إلى الحقيقة المعرفية والتربوية في أقصر وقت ممكن وبأقل جهد وبالتالي توفر منتجا متعلِّما (تعلّم الآلة machine learning) بالمستوى الذي تطمح إليه البشرية[19].

6.    الاستثمار في علم الترجمة أداة لإغناء بنك المصطلح في عصر المعرفة

ولا تخلو الترجمة من أهمية في هذا الصدد، ففي اليابان التي يضرب بها المثل في بناء الإنسان و إعداد الرأس مال البشري، تتم ترجمة مئات الكتب العلمية يوميا من الإنجليزية إلى اليابانية مع العلم أن اليابان تحتل الرتبة 53 في ترتيب الدول التي تتقن الإنجليزية، حسب دراسة أجريت سنة 2019، ومع ذلك فهي من خمس لغات الأولى في العالم التي تتم الترجمة إليها، وهذا ما يؤكد الدور المحوري الذي تلعبه الترجمة في بناء الإنسان، فهي أداة لتقاسم المعرفة، وكذا نقل أحسن الممارسات في شتى المجالات وتطوير المنتج الفكري الوطني، وخاصة في مجال التربية والتعليم الذي يعد الرافعة الأساس للتحول إلى مجتمع المعرفة، سواء على مستوى المناهج أو تدبير المؤسسات التربوية، ذلك أن بناء البنايات وتجهيزها بكل ما استجد في مجال التكنولوجيا ليس وحده كافيا و ضامنا للاستفادة منه في بناء الإنسان، فكم من قاعة متعددة الوسائط تهالكت حواسيبها بفعل عدم استعمالها، فالقضية قضية اكتساب للتكنولوجيا وذلك بنقلها وتوليدها وتوطينها.

وهذا الاكتساب لا يتم بشكل فعال إلا باعتماد وسيلة الترجمة إلى اللغة الأم، مع تداول العلم والتكنولوجيا بهذه اللغة بما هي وعاء اكتساب المعرفة العلمية والترجمة وسيلتها. ذلك أن الترجمة تعتبر من أهم القنوات التي تساعد على تطوير اللغة وذلك بمواكبة تزويدها بالمصطلحات الجديدة، لما للمصطلح من مكانة هامة في جميع اللغات وفي شتى حقول المعرفة، بما هو الحامل للمفاهيم العلمية بل هو مفتاح العلوم من منظور العلاّمة الخوارزمي، فلا معرفة بدون مصطلحات ولا استيعاب لما يستجد في الساحة الفكرية والعلمية إلا إذا توفرت اللغة على ثروة مصطلحية تتيح تداول المفاهيم واستيعابها، خصوصا المصطلحات العلمية الحديثة، وهنا مكمن الدور الكبير الذي تلعبه الترجمة في عالم يعرف تغيرا وتطورا سريعين كما سبق ذكره، هذا التطور يستوجب تطوير الثروة المصطلحية وجعلها تواكب عصر التحول إلى مجتمع المعرفة، مما يزيد من الحاجة إلى الاهتمام بترجمة المصطلح وضبطها وتوحيدها قصد الحد من الفوضى التي تعرفها، حيث غالبا ما نجد للمصطلح الواحد ترجمات متعددة لها معان ودلالات مختلفة، الشيء الذي يُعسّر عمل المترجم ويُضعف جودة النصوص المترجَمة، و هنا تظهر الحاجة إلى تطوير آليات ترجمة المصطلح خاصة مصطلح علوم التربية حتى نستفيد من الاكتشافات الجديدة ونواكب ركب التقدم الحضاري والثقافي و بالتالي نقلص الهوة بيننا و بين الدول السباقة للتحول إلى مجتمع المعرفة و تحقيق التنمية الشاملة.

لذلك أصبح اليوم وأكثر من أي وقت مضى من الضروري التركيز على وضع آليات حديثة لترجمة المصطلح عموما والمصطلح التربوي خصوصا، وتحديد معايير لتقييس وتقويم النصوص المترجمة لازما، ذلك أن الترجمة هي المعنية بشكل كبير في قضية سدّ الفراغ المصطلحي خاصة فيما يتعلق بالمصطلحات الحديثة التي يصعب إيجادها في اللغة العربية، مما يخلق اضطرابا مصطلحيا عارما، حيث نجد مصطلحات متعددة للمعنى الواحد والدلالة الواحدة.

ختاما أنقل لكم ما وضعه الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي على ظهر كتابه “انتعاشة اللغة” نقلا عن أبي حيان التوحيدي من كتاب “المقابسات”: “ولو كنَّا نفقه عن الأوائل أغراضهم بلغتهم، كان ذلك، أيضاً، نافعاً للغليل، وناهجاً للسبيل، ومُبلِّغاً إلى الحَدِّ المطلوب. ولكنْ، لا بدَّ في كلِّ علم وعمل من بقايا، لا يقدر الإنسان عليها، وخفايا لا يهتدي أحد من البشر إليها”.


[1] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، تقرير المعرفة العربي 2009، 29

[2] تقرير  المعرفة والثورة الرقمية الرابعة، لعام 2017، 43

[3] المصدر السابق، 55

[4]  أحمد أوزي. المدرسة والتكوين وبناء مجتمع المعرفة. مجلة المدرسة المغربية، المجلس الأعلى للتعليم العدد 4 و5 أكتوبر 2012. 108.

[5] مصطفى حجازي 2019. العصبيات وآفاتها، هدر الأوطان واستلاب الإنسان. 241

[6] World Economic Forum 2018 b

[7] World Economic Forum 2018 b

[8] مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم والمكتب الإقليمي للدول العربية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير استشراف مستقبل المعرفة. 2019. 21.

[9]  أحمد أوزي، علم النفس التربوي، قضايا ومواقف تربوية وتعليمية. مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2000، 8.

[10]  مصطفى حجازي 2019. العصبيات وآفاتها، هدر الأوطان واستلاب الإنسان. 261.

[11]  محمد مراياتي، اللغة والتنمية المستدامة، https://www.youtube.com/watch?v=-esYKv7vguI&t=881s&pbjreload=101

[12] محمد مراياتي، اللغة والتنمية المستدامة، https://www.youtube.com/watch?v=-esYKv7vguI&t=881s&pbjreload=101

[13]  عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، تحقيق د محمد محمد تامر، مكتبة الثقافة الدينية 442.

[14] مصطفى حجازي 2019. العصبيات وآفاتها، هدر الأوطان واستلاب الإنسان. 252

[15] L’âge de la connaissance, Idriss ABERKANE, 2019 , P 85

[16] اليونيسكو-يوصي-بالتعليم-المتعدد-اللغات-القائم-على-اللغة-الأم  https://aawsat.com/home/article/580001/تاريخ الدخول 11/03/2021

[17]  محمد الحناش https://www.youtube.com/watch?v=Nl9n98awgns

[18]  علي القاسمي، علم المصطلح، أسسه النظرية و تطبيقاته، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الثانية 2019، ص 44.

[19] محمد الحناش https://www.youtube.com/watch?v=Nl9n98awgns

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة