البسطاء
البسطاء

كتابة سردية مرتجلة جديدة خلال شهر رمضان المبارك عبر حلقات يومية تنشر على موقع معين المعرفة تتخذ من أحد مقاهي الأحياء الشعبية تيمة وفضاء لها، بفيض قلم الكاتب الأستاذ نور الدين الشكردة.


تغرق أزقة الدرب صبيحة يومه الثلاثاء من آخر شعبان من كورونا الثانية لشهر أبريل لسنة 2021 ميلادية، قبيل ساعات قليلة عن حلول شهر الحجر الفضيل في رائحة القهوة والسجائر، تفسد أنابيب الصرف الصحي المكسورة على المولوعين الاستمتاع برائحة البن الطازج، ينهمك “جامع” في إعادة توزيع طاولات المقهى وكراسيها على أماكنها المعتادة، يعيد رش محيط المقهى، يتفقد تجارته، يكتشف أن “ورق النيبرو” قد نفذ فيقصد “صاكة” الحي، يعود وبين يديه “زلافة بيصارة” بكميتين مضاعفتين من زيت الزيتون وخبزة شعير، يتخذ جلسته المعتادة ويلتمس من النادل تشغيل شريط جيل جيلالة الخالد:
الميزان الميزان آه ياوين الميزان
قامَتْ بِه الأكْوان آهيا وين الميزان
مَن قَلْبْ الذّرَّة للنّجْمْ السّابَحْ للمْجَرّة
كُلْ مَنْ زاغْ على الميزان يْحَقْ عْليه الخسْران
الميزان الميزان آه ياوين الميزان
يا هذا الإنسان فين الهمّة وفين الشّان
اللي كْساك بِهْ الرحْمان يا هذا الإنسان
قادْ أوا كْفوفْ الميزان لا تْميّل حتّى كفّة
لايْحَقْ عْليكْ الخُسْران ويخْمَد نورك يَطْفى.

يمسك “المختار” صينية إبريق شاي وينهال عليها نقرا في تساوق مع النغم الصاعد، يتوقف عن ضبط الإيقاع ويمد يده لصحن “جامع” المقعر، يطيل غمس “شدق” خبزة فيمتص ربع إفطار “جامع”، يعالجه بنظرة مؤنبة، ينتفض غاضبا: “فطر غي نتا وخلي الدين دمنا حنا نموتو بالجوع”.
يصل “الحائطيون” و”القطيعيون” فيحتلون داخل المقهى، يلتحق العاطلون متأخرين ويتخدون من مجلس المقهى الخارجي موقفا لترقب مشغلين مفترضين.
يرتشف “إسحاق” قهوته المعتادة فيشعر بمذاق الصدأ وطعم الكلس وقد انتصرا على مرارة البن، يتجاهل الورطة وينكفئ على إعداد تقريره الاستخباراتي اليومي حول أوضاع يساريي الدرب، والمنتسبين لجماعة العدل والإحسان وكل المشتغلين في السياسة والممنوعات وتبييض الأموال، والمؤيدين لطروحات المنوائين لقضايا المغرب الاستراتيجية على نذرتهم.
المقهى كهف من دون مخرج، بئر من دون قرار، قطعة من مجتمع فاسد، شاشة يعرض عليها الزبائن أسمالهم وأسرارهم. يمر بائع الملابس المستعملة وقد حمل على يده عشرات الأقمصة وحبل غسيل يتدلى من بينها، وباليد الأخرى أمسك حذاءين أبيضين مدببين يظهر أنهما التقطا حديثا من مسجد القرويين أو الأندلس، تباغت دورية للأمن عند منتصف النهار دهاليز و”ميزانين” المقهى وتبدأ عملية التأكد من هوية المرتادين الجدد، والإمعان في تفتيش جيوبهم وأفواههم وجواربهم، يقف متسول يتصنع عاهة ويدعي فاقة في استجداء كاذب، يمر أحد العاطلين الأزليين وهو يقرئ السلام على كل من يعرف اسمه من جالسي المقهى:
ـ عبد الصمااااد الحبيييب، يوسسسساف، أفيييين العشييير، زكرياااااء أكي بقات الحنيييييينة… كماااال ألغزاااال أحتى لعشييية ونتقاشعوووو.. مواعيد كاذبة وإطراءات يغلفها النفاق والتصنع والمجاملة.
المقهى مأزق جماعي، محبس إرادي ترتاده يوميا قبيلة القطيعيين بعقلية جمعية منقادة، سرب سمك يليه بطريق جائع، المقهى منزل ثانوي بنواميس أكثر ليونة وإمتاعا، مقبرة لقتل الوقت ودفن قيم التوكل والمبادرة والأخذ بالأسباب… طوق نجاة لمن يخشى القيادة، توجيه إجباري لمن تعوزة حيلة القرار والاختيار..
المقهى اختراع يسر على رجالات السلطة الوصول إلى منابع الفتن ومصادر الأخبار…
بعد سنة طويلة عريضة من كساد صنعة حياكة الجلابيب والقفاطين، استبد الفقر به مبلغ الاستبداد، نسجت الفاقة حوله خيوط الحجر والعجز وامتدت أخاديدها عبر كل تجاعيد بدنه لتنساب عبر مسامه دموعا حارقة. يبحث “بوشتى” عن مقرض أو بديل لبطالته القسرية، يرتشف وحيدا متوترا آخر عوالق كأس قهوته السوداء المرة، تعوزه الحيلة للخروج من حالة العجز المطلق التي ألمت به، غالبا ما يعتبر الواقع القاتم ابتلاء، والفقر ابتلاء، والإفلاس ابتلاء، ابتلاء أبدي، سرمدي، أزلي، ويعجز عن اتخاذ أدنى قرار يساعده على تغيير واقع فقره الحالك، لم يتعلم منذ طفولته سوى صنعة وحيدة، حياكة أثواب الجلابيب والبرانس وتجرع مرارة ألم الاستصغار والفقر…
يمر مجذوب الحي “السي عبد الرحمان الراوي” مجددا بأسماله التي لا تستر منه إلا ما دون العورات، مأساة لا تخطئها العين، يمر كما دأب على ذلك منذ سنين على كل المقاهي مرتشفا ما فضل من بقايا كؤوس المرتادين وهو يمسك قطعة ثوب من الوقوع تظهر عبر مزقها كل عانته، ينقض على “تلصيقة” كأسي شاي وبقايا “مسكوتة”، ويردد لازمته الشهيرة “اتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين…”
عيناه زرقاوتان غائرتان تحيط بهما هالة تعب سوداء وهالات أخرى تحيل على الجوع والوسخ والإهمال، شفتاه مطبقتان على سواد بعضهما البعض حتى بدا وكأنهما لم تفتحا منذ دهر، أو وكأنهما تهمان بإنتاج مرادفات التسول والاستجداء غير أن “الراوي” لم يعد يعرف للكلام طريقا منذ الانتحار الجماعي الذي أودى بحياة زوجته وابنتيه على سكة القطار المفضية لمغارة “ويسلان”، وكأن الموت لا زالت تتعقب خطاه..
يغيب الإحساس بالخطر وسط مجامع المقاهي، وتذوب الإخفاقات الفردية وسط حرائق المآسي الجمعية، يصبح الجميع وكأنهم على نفس سفينة “التيتانيك” ينصتون لآخر معزوفات فرقتها الموسيقية وهي تغرق في بطء.
يغادر مجدوب الحي محيط المقهى وصدى صوته يخفت ويتضاءل وهو يردد لازمته “اتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.. اتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلا…”.

error: المحتوى محمي !!