مقالات متنوعة

الحداثة و الشعوب العربية… إلى أين؟

الحداثة و الشعوب العربية... إلى أين؟

لا أحد ينكر مدى صعوبة تحديد معنى الحداثة و تطويقه من كل الجهات، حتى و إن كان القول بأن “الحداثة هي ظهور ملامح المجتمع الحديث المتميز بدرجة معينة من التقنية و التعدد و التفتح” فيما تعني “كونيا ظهور المجتمع البورجوازي الغربي الحديث في إطار ما يسمى بالنهضة الغربية أو الأوربية” فموقعنا نحن من الحداثة الغربية التي تقود العالم يظل موضع شك لا تأكيد، و عليه وجب طرح الأسئلة التالية : هل يمكن اعتبار الدول التي كانت و إلى وقت قريب منطوية تحت لواء الإستعمار دولا حداثية؟ و إن كانت كذلك فهل استطاعت الحداثة تلوين كل مناحي الحياة؟ و هل الحداثة هي مفهوم واحد قائم بذاته أم مفهوم متعدد؟.

إننا باعتبارنا دولا كانت تنطوي لمدة طويلة و إلى وقت قريب تحت لجام الإستعمار نظل موضع شك حول حداثتنا التي يقول بها البعض معللين موقفهم بأن الحداثة يغلب عليها الطابع الإقتصادي و المكننة و إن لم يكن العامل الإقتصادي هو الوحيد الذي يحدد هذه الحداثة إلا أنه يظل أهم عواملها و أسها كما تعتبر العملية الإقتصادية هي العملية الأساس لوجود و تطور كل المجتمعات. فيما ينفي آخرون ذلك، رافضين القول بأننا دولا حداثية مبررين موقفهم بأننا دولا تعيش صدمة الحداثة لا الحداثة، حيث أن هذه الحركة الإنتقالية الكبرى في تواريخ المجتمعات لم تكن وليدة عملية قبلية تحكمها معايير منظمة و مدروسة (في دول العالم الثالث التي ظلت منطوية تحت نير الإستعمار و بعده نير استبداد أنظمة جديدة توالت على حكمها) و هو ما كان له أن نكون دولا تعيش صدمة الحداثة بدل الحداثة نفسها، فيما نجد أن الحداثة الغربية و الأوربية لم تكن محض صدفة و إنما جاءت نتيجة تطور عوامل و أسباب تاريخية محكومة بالحرية و القوة. إن الحداثة بما أنها تعني في المتفق عليه ظهور ملامح المجتمع الحديث المتميز بدرجة معينة من التقنية و التعدد و التفتح ، فهي تؤول في طبيعتها إلى أن تكون مفهوما متعددا، ذلك لأنها وجب أن تشمل في واقع الأمر كل مناحي الحياة. لا أعتقد أنه من الصائب القول أن “حداثتنا” استطاعت تلوين كل مناحي الحياة راجعا في ذلك إلى أن المجتمعات الغربية تنقسم في تركيبتها إلى مجموعة من الأقسام و المستويات المحكومة بالحداثة، منها أولا الحداثة الإقتصادية في أطوارها الممكننة التقنية و المتعددة التي جعلت موقع الإنسان يتحدد بدوره و الوظيفة التي يقوم بها في العملية الإقتصادية، و فقد أدت هذه الحداثة في شقها الإقتصادي إلى تغيير المعتقد الجمعي للمعايير المحددة للفرد بما أنه أصبح يتحدد موقعه بدوره في الوظيفة الإقتصادية. فيما نجد الحداثة السياسية التي أدت إلى إرساء مبدأ الديمقراطية و تقنين العلاقات العامة و القول بالحقوق الفردية “حتى في جانبها المناهض للطبيعة الإنسانية” فيما زادت رقعة إرساء السلطة و ممارستها اتساعا و شمولا، و يبقى أساس الفاعلية السياسية للحداثة جعل دور الفرد أو المواطن دورا أكثر أهمية. و هناك الحداثة المجتمعية التي يحكمها الدور الإجتماعي للفرد و فاعليته الإجتماعية، بحيث أصبح من خلالها التنظيم يحل محل التلقائية و القانون محل الأعراف والعصبيات القبلية. حتى و إن كان من نتائج هذه الحداثة المجتمعية أنها قد أدخلت عنصر التشيء على الحياة. فيما نجد أيضا الحداثة الفكرية و التي يلاحظ بأنها أكثر مستويات الحداثة بطئا في تطورها، إلا أنها الأكثر ملائمة للتفتح الفكري و إدخال مفهوم النسبية في الرؤية و قبول تعدد المنظورات و القول بأن الأفكار في كليتها محكومة بشروط نفسية و اجتماعية، و النظر إلى الأفكار بدلالة الشروط الإجتماعية و النفسية التي أدت إلى إنتاجها بدل اعتبارها حقائق مطلقة. و هذه المستويات المختلفة للحداثة يمكن اختزالها إلى عنصرين رئيسيين (كما قال بذلك المفكر و الدكتور محمد سبيلا) ، و هما :

إقرأ أيضا:العلمانية بين التنظير والتطبيق

الحداثة المادية و تعني التحسنات التي تلحق الإطار الخارجي للوجود الإنساني، و الحداثة الفكرية و تعني الرؤية و المناهج و المواقف الذهنية التي تهيء تعقلا يزداد تطابقه بالتدريج مع الواقع، (كما قال بذلك المفكر محمد أركون). لقد أقحمت صدمة الحداثة مجتمعاتنا في وضع لا تحسد عليه، وضع شقي ولد بداخلها ردود فعل عنيفة بين مؤيد و معارض، مرحب و رافض، و لكن الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان هو أن الجميع اكتشف الواقع الدوني الذي تعيشه كل بلداننا العربية و التأخر الفارق الذي حاولت تداركه دون أن تخسر هويتها، و هو ما طرح أمامها إشكالية عويصة جدا تتمثل في كيفية التوفيق بين التراث و الحداثة، لأن التشبث بالأولى وحدها يجعلها ترضى ذلها و واقعها الدوني كما سيجعلها تتخلف عن ركوب قطار الحداثة، في حين تبنيها للحداثة و تخليها عن تراثها سيجعلها تقع في التبعية المطلقة و التقليد، ما سيفقدها هويتها. و قد ظلت شعوبنا العربية مترددة بين هذا و ذاك محاولة التوفيق بين تراثها العريق و الحداثة الكونية إلى أن وقعت في الإغتراب، نتيجة تطور مظاهر الحداثة كل يوم عن طريق الرساميل و الأنماط الثقافية الحديثة… إلخ.

إننا في واقع الأمر لا نعيش حداثة كاملة بل نعيش حالة من التلف و التقليد و الزيف تحت صدمة الحداثة اضطرارا و لعل أكبر دليل على أننا لم نلتحق بركب الحداثة هو أننا لازلنا نرى في الحداثة الغربية و الأوربية نموذج يحتذى به. هذا الوضع الذي ما فتئ أن جعل منا مجتمعات يحكمها الإغتراب و الإستلاب دون تحقيق حداثة كاملة قادرة على تلوين كل مناحي الحياة.

إقرأ أيضا:العلمانية بين التنظير والتطبيق

إن “حداثتنا” هي نتيجة خارجية أي تحت تأثير الصدمة التوسعية للإستعمار، باعتبار هذا الأخير هو الأداة الأولى في كونية الحداثة، في حين نرى أن حركة الحداثة قد تمت في البلدان المتقدمة بفعل دينامية داخلية أساسا، تحكمها معايير و أسباب مستقلة و معينة. إن شأن الحداثة أن تكون كاملة قادرة على تلوين كل مناحي الحياة، فالحداثة النسبية أو الجزئية ليست سوى تشوها اجتماعيا يولد اغترابا ذاتيا و جماعيا على حد سواء، و هو ما يستدعي منا جزم مواقفنا الفكرية و التفكرية، في موقف واحد تبنى و تصاغ عليه باقي القوانين ، لأن انحصار الحداثة و مسها لبعض المجالات دون غيرها يجعل قوانيننا متضاربة بينها حتى و إن لم يظهر ذلك للعيان في بادئ الأمر، و بالتالي لن نحقق مجتمعا متوافقا، بحيث تعتبر ميزة التوافق هذه محرك أي موقف يصب في مجرى التغيير، بالإضافة إلى توفر شروط ثلاثة تحكم محاولاتنا الفكرية في تدبير الأمر و هي الحرية ، الإستقلال و القوة.

إقرأ أيضا:العلمانية بين التنظير والتطبيق

إننا و دون هذه الأقانيم الثلاثة لن نحقق حداثة حقة و سنظل عالقين في مستنقع الإغتراب و الإستلاب، حيث وجب علينا في ذلك الموافقة بين تراثنا و الحداثة، بأن نضع تراثنا تحت مجهر التحليل و النقد للتخلص من كل ما هو متخشب و عالق في كياننا العقلي و التراثي في عملية أسميها “تحديث التراث” دون أن نجعل رغبتنا في اللحاق بركب الحداثة دافعا للوقوع في التقليد و التبعية و منه فقدان هويتنا الأصيلة.

مراد الحسناوي من مواليد إقليم تازة سنة 1995، حصلت على البكالوريا تخصص آداب عصرية سنة 2014/2013, درست تخصص اللغة العربية في الكلية المتعددة التخصصات بتازة، و لكن شاءت الأقدار أن لا أتمم مساري العلمي الجامعي و من ثم توجهت إلى دراسة تخصص الميكانيك العامة في معهد التكنولوجيا التطبيقية بذات المدينة حيث لا زلت أتابع دراستي حاليا في هذا التخصص

السابق
فيروس كورونا السلالة الجديدة
التالي
منظمة الصحة العالمية تحذر من كورونا الجديد

  • انشر مواضيعك على موقعنا من خلال بريدنا :[email protected]واتساب 0707983967- او على الفايسبوك