مقالات تربوية

الحساب الذهني : من الجمود الحسابي إلى الدينامية الإيقاعية.

من الجمود الحسابي إلى الدينامية الإيقاعية.

ارتبط الحساب الذهني كثيرا في الآونة الأخيرة بالمعداد التخيلي (الصيني، الياباني، الروسي…) وأصبح
الكثير يتهافت على تسجيل أبنائه في برامج خاصة، خصوصا إذا صادف وأن حضر محاضرة أو حصة
أو مسابقة أو شاهد فيديو متعلق بأطفال يتقنون حسابات لم تعتد المدرسة إكسابها لهم، فما حقيقة هذه البرامج
التي تجعل من المعداد أساسا لها؟ وما يميز الحساب الذهني بهذه الآلات عن الحساب الذهني بدون استعمالها؟
1- الآلة او الأداة تمرد ضد مفهوم الحساب الذهني الكلاسيكي : ظل الحساب الذهني منذ زمن بعيد
مرتبطا بعدم استعمال أية أداة خارجية، فمجرد استعمال أداة يخرج هذا الحساب عن الذهني ويصبح حسابا
غير ذهني، وللوصول إلى هذا النوع من الحساب، دأب الباحثون الرياضياتيون إلى ابتكار تقنيات وخوارزميات
وآليات تمكن من تبسيط عمليات حسابية، ساهم في ذلك العرب -عن طريق حساب الجمل حيث ربطوا كل حرف بعدد معين، وميزوا بين الحساب الهوائي بربطه بالنظر إلى الهواء والغباري كناية على استعمال الأرض- والغرب حيث قدم الايطالي بستالوتزي تقنية الجداول التي مازالت تمارس إلى اليوم، وقد أفرز هذا المفهوم للحساب الذهني مجموعة كبيرة من التقنيات من تحريك للفاصلة يمينا ويسارا، إضافة أصفار وحذفها، تحويل الجمع إلى طرح أو العكس، تحويل القسمة إلى ضرب أو العكس…
لكن المفهوم الجديد للحساب الذهني أصبح لصيقا بالآلة بداية بالتدريب عليها ماديا (خشيبات – مكعبات – أشياء حقيقية كالفواكه والخضر – خرزات ….)، هذا التدريب المادي يتحول مع الوقت إلى تدريب ذهني صرف.
2- الإيقاع منطلق لكسر الجمود الحسابي “التحفيظ التكراري” : ما زال تعليم الحساب مرتبطا بالكفاءة التذكرية للذهن البشري، حيث يحاول المدرس تحفيظ الحسابات الأساسية (الجداول) –بعد التمكن واكتساب المفهوم العددي والمفاهيم العملياتية (الجمع والطرح والضرب والقسمة…)- والتقنيات الحسابية.
هذا التحفيظ الحسابي -تكرارها لاستقرارها في الذهن- يجعل من المدرس الفاعل الإيجابي -حيث يبحث عن طرق وأساليب لنقل هذه الحسابات الأساسية والقواعد الحسابية من ذاكرة قصيرة المدى إلى ذاكرة بعيدة المدى حيث يمكن في بعض الأحيان أن يقترن ذلك بالعقاب الجسدي والمعنوي لإرعاب المتعلم قصد تحقيق هدف الحساب الذهني- والمتعلم فاعلا سلبيا يحاول استدعاء النتائج الحسابية إن وجدت في ذاكرته وتكون بذلك الكفاءة الحسابية مرتبطة بمدى تطور ونمو الذاكرة عنده ويخرج من دائرة الطلاقة الحسابية كل من لديه قصور في الذاكرة.
المفهوم الجديد للحساب الذهني مرتبط بالإيقاع الحركي للأدوات المستعملة، حيث لا يخزن المتعلم الحسابات والتقنيات في الذاكرة بل يتدرب على الإيقاع الحركي، والمدرس في هذه الحالة يكمن عمله في تحويل القواعد والحساب إلى إيقاعات حركية، والمتعلم أمام سمفونية إيقاعية يتدرب على العزف عليها.
3- التصور الذهني (التخيل) آلية تدريبية لتجاوز التعلم التكراري : التخيل وهو التصور الذهني، أي ذلك الفعل الذي يقوم به الطفل لاستحضار شيء حقيقي أو شيء خيالي (غير واقعي) أو شيء معنوي (مجرد)، بمعنى أن الشخص يقوم بإيقاع صورة ما في ذهنه، هذا التخيل حسب نظرية شقي الدماغ لروجر سبيري أسلوب خاص لتنمية الشق الأيمن من الدماغ، وهناك من فرضيات ما تعتقد أن الشق الأيمن يشكل حوالي 90% من القدرات الذهنية.
الآلة في الحساب الذهني تعتبر مسألة واردة ومسألة عادية لأن استعمالها المادي الحقيقي قد يكون مرحلة من سيرورة الحساب الذهني الذي يصل إلى تصور هذه الآلة تخيليا، وبذلك عندما يطالب المتعلم بإجراء حساب ذهني يستدعي الأدوات تخيليا ويحركها وفق الإيقاع الذي تدرب عليه للوصول للنتائج ولم يعد الأمر مقتصرا في البحث عن النتيجة مباشرة بالرجوع إلى ذاكرته التي تكون في بعض الأحيان خالية.
4- الحساب الذهني باستعمال المعداد الياباني : رياضة ذهنية إيقاعية
تؤكد النظريات الاتصالية للدماغ البشري أنه كلما حفزنا ونشطنا الدماغ بالخبرات فإن الروابط بين الخلايا العصبية تخلق، هذه الاتصالات والترابطات هي مصدر الكفاءة الذهنية، فالحساب الذهني -خصوصا مرحلة التخيلي- هو رياضة ذهنية يقوم الطفل بتحريك الخرزات (التدريب على المعداد مثلا) وبذلك يحفز ذهنه وينشطه لخلق هذه الترابطات فيكون بذلك الحساب الذهني منطلقا لتنمية القدرات والملكات الذهنية كاملة وليس فقط القضاء على شبح الحساب(مراكز كثيرة للأشخاص المسنين تعتمد على ألعاب ذهنية مختلفة تحفز التفكير لتجنب هؤلاء الأشخاص أمراض الشيخوخة كالزهايمر مثلا).
يتميز الحساب الذهني باستعمال المعداد الياباني عن باقي البرامج التي توظف الوسائل الأخرى بمجموعة من الميزات (انظر الصورة)، هذه المميزات الرياضياتية إضافة إلى قواعده الإيقاعية البسيطة تجعل منه أداة تدريبية مهمة لبلوغ طلاقة وقدرة حسابية

إقرأ أيضا:حدود البحث

                              مقتطف من كتاب “ديداكتيك الرياضيات الجزء الأول” محمد فصيح 22 شتنبر 2020

إقرأ أيضا:ما هو مشروع الارتقاء بالتربية بإنصاف وجودة. PEEQ ؟
السابق
بدع وخرافات يوم عاشوراء
التالي
من التعلم بالأنشطة الكتابية إلى التعلم بالتداريب اليومية -المقارنة والترتيب نموذجا-