المغرب

الحلقة 2: تعزيز تدابير “مفهوم النِّظام” وتقنين اجراءات الحجر الصّحي (الكرنتينة) في المدن الايطالية.

تاريخ الحجر الصحي: من الكُردون (التطويق) الى تنظيم قوانين “الكرنتينة”.
محاولة فهم سياسة احتواء الوباء.
* بقلم: ذ. هشام بنعمر بالله ……. اكادير 5 ابريل 2020


كانت إيطاليا مهددة باستمرار بانتشار “الموت الاسود” بسبب اسطول سفنها التجارية الذي راح يمخر عباب البحر الابيض المتوسط طولاً وعرضاً، وتشعب علاقاتها التجارية الممتدة من خلال شبكة معقدة من الموانئ و الطرق البرية و النهرية في العالم القديم : (اوروبا/ آسيا / افريقيا).


* كانت جمهورية “ميلانو” اول مدينة مارست العزل القسري عندما ظهرت الحالات الاولى للإصابة بالمرض سنة 1373 م حيث قام الطاغيَّة” برنابو فيسكونتي” (Bernabo Visconti) بحصار بلدة “ريجيو نيل اميليا” ( تبعد عن ميلانو بحوالي 150 كلم) التي سجلت فيها حالات الاصابة بالوباء واقام حولها حزاماً (كردون/ طوق صحي) لتطويق “الوباء” بواسطة الجنود، وقطع عنها طرق المواصلات والاتصال بباقي مناطق الجمهورية، كما منع دخول و خروج الافراد منها. عندما اثبت الاجراء عدم فعاليته انتقل الحاكم الى تعزيز التطويق باجراء ” العزل المنزلي” حيث غلَّق ابواب ونوافد البيوتُ التي تظهر فيها حالات الاصابة بالوباء الى حين فناء قاطنيها او نجاتهم من الموت.


نفس اجراءات العزل ستلجأ اليها، سنة 1578 م، انجلترا لاحتواء تفشي الوباء حيث فرضت ايضاً تدابير العزل المنزلي على اسر ضحايا الطاعون. فقد امرت الحكومة بغلق أبواب المنازل الموبوءة بألواح خشبية و منعت خروج قاطنيها الى الشارع العام، وفرضت ان تتدلى السِّلل من النوافذ للتزود بالمواد الغذائية الضرورية ، كما تقرر اقرار حكم الاعدام في حق كل مصاب بالوباء وجد بالشارع العام.

إقرأ أيضا:دليل القصبة الإسماعيلية بمكناس


* في سنة (1374م) ستتعزز اجراءات الوقاية حين اصدر حاكم “ميلانو” مرسوماً يلزم شيوخ القرى و مسؤولي الاحياء و الاطباء و الحلاَّقين وجميع المكلفين بالخدمات الصحية في الاديرة و الكنائس بأعداد قوائم يومية بأسماء المرضى و المصابين بالطَّاعون، كما قام بتنظيم اول عملية في تاريخ اوروبا الغربيَّة لتطهير البضائع في الاسواق.


* في سنة 1377 م أُنشئت مدينة “البندقية” اول منشأة للحجر الصحي البحري للسُّفن التجارية في ميناء “راغوسا” Raguse (او ديبروفنيك Dubrovenik في منطقة دالمسيا/ كرواتيا) الخاضع لسيطرتها، وكان الغرض الأصلي من الحجر حصر الوباء ومنع وصوله إلى مدن الشمال الإيطالي، وليس عزل المرضى المصابين.
كانت مدة الحجر الصحي في البداية شهراً واحداً ( 30 يوماً) وانتقلت بعد ذلك الى 40 يوماً (مدة الحجر الصحي الرسمية) ومنه اشتق الاسم الذي عرف به الحجر الصحي ” الكرنتينة” (Quarantine).


* أما في البندقيَّة فقد تمَّ في حدود سنة 1423 م تجميع وعزل المسافرين و البحارة القادمين من المناطق الموبوءة داخل منشآت الحجر الصحي، وكانت عبارة عن مشافي (Lazaret) حيث قرَّر المجلس الاعلى تخصيص دير” سان ماري دي نازاريت” (Saint Marie de Nazareth) لعمليات الحجر الصحي ، وكلف طاقم تمريض من مشفى البرص في الجزيرة ذاتها بالمهمة. وبذلك يعتبر الدير المذكور اول مؤسسة رسمية للحجر الصحي في عموم بلدان اوروبا الغربية و حوض البحر الابيض المتوسط لعزل المصابين بالطاعون.

إقرأ أيضا:لمحة تاريخية عن قصبة هدراش


* في حدود سنة 1486 م سيتم انشاء “مشفى الطَّاعون” الثاني في جزيرة “سان ايراسمو” (Saint Erasme) انيطت مهمة العناية فيه بالمرضي بطاقم من المدنيين الذين كانت مهمتهم تقوم على مراقبة طواقم السفن التجارية و البضائع، و خوَّلت لهم المجلس الصحي للمدينة (البندقية) سلطات واسعة لمصادرة شحنات الصوف و الحرير و الكتان وتعريضها لأشعة الشمس، واستخدام الخل وغيره لغمر القطع النقدية و المجوهرات و الاحجار الكريمة … كما انَّ المشفى الجديد انيطت به مهمة استقبال المتعافين من الوباء في “مشفى نازاريت” الذين يخضعون فيه لحجر صحي مدتُه 40 يوماَ قبل السماح لهم بالعودة الى البندقيَّة.


في نفس السنة انشأت اول محكمة للصحة في البندقية وخولت قوانين المدينة للمسؤولين عنها عدة مسؤوليات منها: مراقبة عمليات الحجر الصحي داخل منشآت العزل (Lazaret)، و لفنادق و محلات بيع الاطعمة و اللحوم، و مساكن الفقراء، وتسليم او سحب الشهادات الصحية المسلمة للسفن التجارية، ومطاردة المتسولين، و الاشراف على المراقبة الصحية لدور الدعارة و محلات بيع الملابس و الاثاث المستعملة.، وعمليات الدفن و مراقبة المقابر …
لقد كانت تجربة المدن الايطالية فريدة ومبتكرة في مجابهة “الطاعون” ونقلت تجرتها الفريدة في تطويق الوباء الى معظم الدول في اوروبا الغربية التي راحت تستنسخ هذه التجربة للحد من خسائر “الوباء المميت” القائمة على:
– تعزيز الصحة العامة داخل المدن.
– تشديد عمليات الحجر الصحي في الموانئ.
– عزل المناطق الموبوءة ( احياء/شوارع/ بلدة/قرية…)
– انشاء معازل/مشافي لاستقبال المرضى (مشافي الطاعون).

إقرأ أيضا:دليل القصبة الإسماعيلية بمكناس

الحلقة السابقة:الحلقة 1 : تعزيز تدابير “مفهوم النِّظام” وتقنين اجراءات الحجر الصّحي (الكرنتينة) في المدن الايطالية

الحلقة التالية: الحلقة 3 : الصدمة الوبائية و تغيير السُّلوك الاجتماعي “الانعزال الطَّوعي و الفرار”.

السابق
عصا السي ” اليزيد” الساحرة
التالي
فوائد التمر وأشهر أنواعه