الخنساء بين موت الأخ واستشهاد الأبناء
الخنساء بين موت الأخ واستشهاد الأبناء

من هي الخنساء؟

تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن رباح (ابن ثعلبة) بن عصيّة بْن خفاف بْن امرئ القيس بْن بهثة بْن سليم (1)، الشاعرة السلمية اشتهرت باسم الخنساء لارتفاع أرنبة أنفها، فالأخنس في اللغة العربية هو من انخفضت قَصبَة أَنفه مع ارتفاع قليل في طرف الأنف، ولدت في العصر الجاهلي بنجد في شبه الجزيرة العربية، وتنحدر من أسرة ذات نسب وجاه، وكانت مقربة من أخويها صخر ومعاوية، وقد قالت فيهما أبلغ أشعار الرثاء وأصدقها بعد مقتلهما، ولم تطق عليهما صبرا، لكن القناعات تغيرت بإدراكها الإسلام حيث فقدت أربعة من الأبناء في ميدان الشرف فلم تجزع أو تسخط بل قالت ما بقي دليلا على ثباتها وصدق إيمانها:” الحمد لله الذى شرفنى باستشهادهم، وإنى أسأل الله أن يجمعنى معهم فى مستقر رحمته“، إنها الصحابية الجليلة -رضي الله عنها- التي تجلدت صبرا وأعطت دروسا وعبرا، وتركت أثرا يفيض حكمة وشعرا.

الخنساء في الجاهلية

الخنساء من حسناوات العرب في الجاهلية، ذكية الفؤاد، راجحة العقل، سديدة الرأي، فقد جمعت بين حسن الروح والجسد، مما جعلها تحظى بمكانة عالية لدى عائلتها وعشيرتها.

زواج الخنساء

تقدم لخطبة الخنساء الشاعر دريد بن الصمة سيد بني جهم، فردت طلبه، وما كان لها أن تقرر لنفسها لولا ما نالته من رفعة ومرتبة شريفة، فالمرأة في الجاهلية كانت مهضومة الحق مهيضة الجناح.(2)

تزوجت الخنساء من أبناء عمومتها وكان زوجها الأول الشاعر رواحة بن عبدالعزى السلمي، لكنه أوردها موارد الحاجة بسبب إدمانه على المقامرة، وكان أخوها صخر السند الذي رفع عنها ذل السؤال، وكلما شكت له حالها وسع عليها، واقتسم ماله معها، ورغم حرصها على البقاء مع زوجها وأبي ابنها عبد الله إلا أن استهتاره واستغلاله دفع بها لتركه.

ثم تزوجت من الشاعر مرداس بن أبي عامر السلمي، ووجدت فيه ما لم تجده مع زوجها السابق، إذ كان رجلا مجدا يكدح من أجل عائلته، وأنجبت منه أربعة من الأبناء، ثلاث ذكور وهم: العباس، زيد، معاوية، وبنت اسمها عمرة، لكنها لم تلبث أن ترملت.

ولموتة مرداس بن أبي عامر حادثة غريبة أو ردها الأصفهاني في كتابة الأغاني:” حدثني عمي مصعب وأخبرنا محمد بن الحسين بن دريد عن عمه عن العباس بن هشام عن أبيه وذكره أبو عبيدة وأبو عمرو الشيباني أن حرب بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مر بالقريه، وهي إذ ذاك غيضة شجر ملتف لا يرام، فقال له مرداس بن أبي عامر: أما ترى هذا الموضع؟، قال: بلى، قال: نِعْمَ المزدرع هو، فهل لك أن نكون شريكين فيه ونحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟، قال: نعم، فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت وعلا لهبها سمع من الغيضة أنينا وضجيجا كثيرا، ثم ظهرت منها حيات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها، وقال مرداس بن أبي عامر في ذلك:

إنّي انتخبتُ لها حرباً وإخوتَهإنّي بحَبْلٍ وثيقٍ العَقْد دسّاسُ
إنّي أُقَوِّمُ قبل الأمر حُجَّتَهكيما يقالَ وليُّ الأمر مِرداسُ.

قال: فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة:

ويلٌ لحربٍ فارساَمُطاعِناً مُخَالِسَا
ويلٌ لعمرو فارساإذ لبسوا القَوَانِسا
لَنَقْتُلَن بِقتله جَحاجحاً عنابِسا.

ولم يلبث حرب بن أمية ومرداس بن أبي عامر أن ماتا فأما مرداس فدفن بالقربة، ثم ادعاها بعد ذلك كليب بن أبي عهمة السلمي ثم الظفري فقال في ذلك عباس بن مرداس:

أكليبُ مالكَ كلَّ يوم ظالماًوالظلمُ أنكدُ وجهُه ملعونٌ
قد كان قومُك يحسبونك سيِّداًوأخال أنك سيّدٌ معيون

وقد رثت الخنساء زوجها مرداس لتفصح عن مدى الأسى والحزن لفراقه ، حيث كان مرداس في رأيها أفضل الناس حلما ومروءة وشجاعة

مقتل الأخوين

نالت الخنساء من الفقد ما أدمى فؤادها، حيث قتل أخوها معاوية على يد هاشم بن حرملة سيد بني مرة بن عوف بن ذبيان من غطفان.

ليلحق به صخر بعد معاناة طويلة، حيث أنه حارب في اليوم المشهور بيوم الكُلاب (أشهر حروب الجاهلية) وهو الذي تواجه فيه بنو عوف وبنو الحرث، فالتقى صخر مع ربيعة بن ثور العوفي الأسدي بعدما غلبت بنو الحرث على بني أسد ونهبتهم، فطعن ربيعة صخرًا، وكان، فأصاب في بطنه حلقاً من الدرع، فتسبب ذلك بالتهاب الجرح، فمرض صخر سنة بالطعنة، وجزعت أمه عليه فكانت تزوره وتحنو عليه، أما زوجته سلمى بنت عوف بن ربيعة بن حارث الرياحي فقد ملت من مرضه وسئمت من رعايته، رغم أنه أحبها وأكرمها وأحسن معاملتها دوما، لكنها لم تحفظ الجميل وكان كلما سألها القوم عن حاله ترد:”  لَا حيٌ فيرجى، وَلَا ميت فيُنعى”، فسمعها صخر وأنشد في ذلك قائلا: (3)

أَرى أمَّ صخرٍ لَا تمَلُّ عيادتي ومَلَّتْ سُلَيمى مَضْجَعي ومَكانِي
يوَما كنتُ أخشَى أَن أكونَ جِنَازَةعليكِ وَمن يَغترُّ بالحَدَثان
أهُمُّ بِأَمْر الحزْم لَو أستطيعهوَقد حيلَ بينَ العَـيرِ والنَّزَوان
لَعَمري لقد نَبَّهْتِ من كَانَ نَائِمًاوأسمعتِ من كَانَت لَهُ أذُنان
ولَلموتُ خيرٌ من حَيَاة كَأَنَّهَامَحلّة يَعسوبٍ بِرَأْس سِنان
وأيُّ امْرِئ سَاوَى بأمٍّ حَلِيلَةفَلَا عَاشَ إِلَّا فِي شقًا وهوان.

أثر موت صخر في الخنساء لما كان بينهما من مودة وتقدير، فكتبت فيه أجمل المراثي، وأبدعت في الشعر الذي رفعها لمصاف أفضل شعراء العرب.

وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قلبها ولا بعدها أشعر منها.

من شعر الحنساء في رثاء صخر

ومن أروع ما رثت به صخرا باكية مفتخرة:

يُؤَرِّقُني التَذَكُّرُ حينَ أُمسيفَأُصبِحُ قَد بُليتُ بِفَرطِ نُكسِ
عَلى صَخرٍ وَأَيُّ فَتىً كَصَخرٍلِيَومِ كَريهَةٍ وَطِعانِ حِلسِ
وَلِلخَصمِ الأَلَدُّ إِذا تَعَدّىلِيَأخُذَ حَقَّ مَظلومٍ بِقِنسِ
فَلَم أَرَ مِثلَهُ رُزءً لِجِنٍّوَلَم أَرَ مِثلَهُ رُزءً لِإِنسِ
أَشَدَّ عَلى صُروفِ الدَهرِ أَيداًوَأَفصَلَ في الخُطوبِ بِغَيرِ لَبسِ
وَضَيفٍ طارِقٍ أَو مُستَجيرٍيُرَوَّعُ قَلبُهُ مِن كُلِّ جَرسِ
فَأَكرَمَهُ وَآمَنَهُ فَأَمسىخَلِيّاً بالُهُ مِن كُلِّ بُؤسِ
يُذَكِّرُني طُلوعُ الشَمسِ صَخراًوَأَذكُرُهُ لِكُلِّ غُروبِ شَمسِ
وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَوليعَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نَفسي
وَلَكِن لا أَزالُ أَرى عَجولاًوَباكِيَةً تَنوحُ لِيَومِ نَحسِ

خنساء في الإسلام

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والخنساء

قدمت خنساء على رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- مع قومها من بنى سليم فأسلمت معهم، وذكروا أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان يستنشدها، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده، وهو يقول:” هيه يا خناس” ويومئ بيده.(4)

دخلت تماضر الإسلام طوعا بعدما هداها الله تعالى لدين الحق ولمس نور الإيمان شغاف قلبها، ولهذا كانت لها مواقف عظيمة سجلها التاريخ لها وجعل منها امرأة يقتدى بها.

حزن خنساء السرمدي

لم ينقطع حزن خنساء يوما لكن قناعاتها تغيرت بتغير عقيدتها، وهذا ما شهده الصحابة -رضوان الله عليهم- وكان لبعض منهم حديثا يثير الشجون، ونحو ذلك ما كان لها من كلام مع الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأضاه- إذ سألها يوماً: ما أقرح مآقي عينيك؟
ردت: بكائي على السادات من مضر.
قال: هم في النار يا خنساء.
قالت: كنت أبكي لهم من الثأر، واليوم أبكي لهم من النار .
وقد أدت الخنساء رضي الله عنها فريضة الحج في خلافة عمر، وعندما لامها على ارتداء ملابس الجاهلية حزناً على أخويها، أنشدت قصيدة تعجّب منها عمر لبلاغتها وقال لأصحابه: دعوها، فإنها لا تزال حزينة.

خنساء أم الشهداء

شهدت خنساء معركة القادسية ومعها أربعة بنين لها، فقالت لهم أول الليل: يا بني، إنكم أسلمتم وهاجرتم مختارين والله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم.

وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين.

واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين.

وإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة.

فخرج بنوها قابلين لنصحها، وتقدموا فقاتلوا وهم يرتجزون، وأبلوا بلاء حسنا، واستشهدوا رحمهم الله.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة، لكل واحد مائتا درهم، حتى قبض رضي الله عنه (5).

إنه اليقين الذي جعل خنساء تدفع بفلذات أكبادها لساح الوغى وكلها رضى وثبات، بل أنها تركت مواقف خالدة وكلمات منيرة تعكس شخصيتها العظيمة وعمق لإيمانه الراسخ، فرضي الله عن خنساء الصحابية، الأم الصابرة، الأخت المحبة، الشاعرة الفذة.


المراجع:

  • (1)- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: علي محمد البجاوي الكتاب: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، دار الجيل، بيروت، الطبعةالأولى، (1412 هـ – 1992 م)، الجزء 4، صفحة 1827.
  • (2)- أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الكتاب: الشعر والشعراء، دار الحديث، القاهرة (1423هـ – 2003 م)، الجزء 1/ صفحة 331.
  • (3)- محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون، أبو المعالي، بهاء الدين البغدادي، الكتاب التذكرة الحمدونية، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، (1417هـ – 1997 م)، الجزء 7/ صفحة 387.
  • (4)- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: علي محمد البجاوي الكتاب: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، دار الجيل، بيروت، الطبعةالأولى، (1412 هـ – 1992 م)، الجزء 4، صفحة 1827.
  • (5)- أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير، تحقيق: علي محمد معوض – عادل أحمد عبد الموجود، كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الكتب العلمية الطبعةالأولى (1415هـ – 1994 م)، الجزء 7، صفحة 89.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!