الخوافي للخوافي …

يقول الامام ابن القيم الجوزية –رحمة الله عليه-:

” هل لديك خوافي مؤلمات لايعلمهن إلا الله؟ اجعل لهن خوافي صالحات لايعلمهن إلا الله..،
فمرضك الذي لا يعلمه إلا الله، ‏اجعلْ له صدقةً خفية لا يعلمها إلا الله!
والهمُّ الذي يربض على صدرك ولا يعلمه إلا الله، ‏إجعلْ له استغفاراً خفياً لا يسمعه إلا الله!
والقلق الذي يعتريك ولا يعلمه إلا الله، ‏اجعلْ له ركعتين في الليل لا يراهما إلا الله!
وهكذا اصنع مع كل خافية تؤلمك وترهقك ولا يعلم بها إلا الله، اجعل لها خوافي صالحة لا يعلمها إلا الله، وكن واثقاً بالله وبفرجه ورحمته …”

نعم .. هي الخوافي للخوافي، ألم تتساءل يوما عن ما أخفيته ليوم لا يمكنك الجمع فيه، هل جعلت لنفسك خبيئة من أعظم الأسرار بينك وبين الخالق، حينما تذكرها يذوب لها قلبك وتحس بدفئ الروح يسري في عرقك، وبقشعريرة يرتجف لها عظمك، مع سعادة لا يمكن أن يصفها أي إنسان أو يكدر صفوها أي مخلوق كان.

ستصرخ صامتا، وستعلم سر السرور والنجوى، ستدرك أن نبضك، وحرقة قلبك، همك، عقلك، سبيلك، حبك، ليس للخلق الفاني لأنه لمن خلق السموات العلى ورفع إليه طيب الكلم وصالح الأعمال.

قال الله تعالى:” وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” [سورة الأعراف/ الآية: 179].

فاصدق نفسك قبل أن تصدق غيرك، واعلم أنه جل وعلا مضطلع على الخوافي، فاتق الله في نفسك واعلم أنك العبد الضعيف الفقير إلى رضى مولاه، وفتنة الخلق عظيمة إن لم يعصمك، فكيف تكون رحمة من الله لعبده ولا تكون طاعة من العبد لربه.

كل ما في الكون آيات في ملكوت الأرض والسماء، وما للعبد إلا الشكر والتقرب لمالك الكون بالطاعات، فيضطرب القلب رغبا ورهبا، فكن خلاف من تخلف عن ركب الصالحين، وسار بقلبه إلى رب عظيم، يلقاه مسرورا بقلب سليم وبعمل صادق في الخلوات لا يعلمه إلا الله.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!