السعادة … وأنا
السعادة ... وأنا

في صغري ظننت أن السعادة بقدر عدد اللعب التي أحصل عليها وحدث وأن كسبت الكثير منها وعلى مختلف الأنواع والأحجام، ولكن سرعان ما أدركت أن سعادتي ليست فيها وأني سأحققها بالحصول على كل ما أرغب فيه من حلوى ووافق أن نلت كل ما اشتهيته منها بشتى الأذواق والألوان لكني لم أطل السعادة التي ناشدتها.

ثم التحقت بمقاعد الدراسة وقررت أن السعادة هي انضمامي لقائمة الأوائل وبالفعل انضممت إليها ورأيت السعادة في عيني والدي ولكني سرعان ما وجدت أن ذلك صار اعتياديا بمرور الوقت ولم يعد منبع سعادة لي.. بل مجرد رتابة يومية لسنوات تمر على عجل.

كبرت وصرت أتوسم السعادة هنا وهناك مع إخوتي وصديقاتي ثم شرعت أبحث عنها في تجارب الآخرين واهتديت للبحث عنها بين الكتب والدفاتر.

وبعد بحث طويل وعناء تعرفت على العارفين المجتهدين الذين عرفوا معنى السعادة الحقيقية وعاشوها بكل تفاصليها، وجدتني أعود بالزمن إلى الوراء واستحضر ما حفظته عن ظهر قلب في الكتاتيب وما استذكرته مع أخي -رحمة الله عليه- في ليالي شهر رمضان الفضيل وما ذاكرته معه في المتون الشرعية والفقهية والمنظومات النحوية والشعرية، أمام محدودية أفكاري وقصور عقلي الطفولي الذي بقيت عالقة به كل تلك الكنوز النفيسة التي ما أدركت قيمتها وتعجبت لاصرار أخي أو أبي الروحي- طيب الله ثراه – وحثه لي على جمع رزم وحفظها ولو من غير فهم لاستظهارها وقت الحاجة، فقد كان محقا واجتهد في خط الكثير على ذاكرتي البيضاء.

وفي لحظة صدق مع الذات سافرت مع حادي الأرواح لبلاد الأفراح، ومن شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل أخذت ترياق لكل أورجاع الروح وسنان الدهر، وهمت بين رياض المحبين والمشتاقين، وأدركت أن السعادة ليست في أموال نكسبها ولا حلية نلبسها ولا مطاعم نطعمها، بل هي الحرية التي نعيشها بالتحرر من كل قيد ولذة وشهوة تصرفنا عما هو أسمى، تعلمت بأمانة أن الحرية المطلقة في منتهى العبودية لـلخالق سبحانه جل وعلا.

السعادة ليست في تقارير تعدها المنظمات والهيئات وتضع لها مقاييس مادية معينة، السعادة ليست وفق مؤشر عالمي وما تم معاينته ليس إلا متعة مؤقتة تزول بزوال الأسباب أو تضمحل بمرور الوقت لتصبح روتينا مملا، فالواقع يثبت أن كل البلدان التي تتصدر القائمة بها حالات انتحار رهيبة وأن نسبة كبيرة من سكانها تتعاطى مضادات للإكتئاب وغيرها من المسكنات الروحية، وما خفي أعظم.

وعليه فالسعيد من هداه الله إلى الطريق الصحيح ورزقه التقوى والرضا، وبذلك سيحفظ نفسه وغيره ويحقق سعادة الدارين، فاللهم اهدنا لما تحب وترضى ولا تحرمنا سعادة القرب منك يا أحكم الحاكمين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!