السُّنبلَةُ  المُبارَكةُ

القصة الثانية عشر من سلسلة قصصية للكاتب شاكر صبري، رسوم د.صفا لطفي العراقية، تنشر حصريا على موقع معين المعرفة. (جميع الحقوق محفوظة ويمنع نسخ القصص ونشرها على مواقع أخرى أو طباعتها).

   اجْتاحَتْ  الحُقولَ كُلَّها عَواصِفٌ رَعْدِيَّةٌ ورِياحٌ  شَديدَةٌ  معَ  أَمْطارٍ  غَزيرَةٍ , دَمَّرَتْ كلَّ  شَيْءٍ ،  وخاصَّةً مَحاصيلَ  الحُقولِ .

كانَ حَقْلُ الرَجُلِ الصالِحِ ضِمْنَ هَذِه الأَراضي التي أَصابَها المَطَرُ ، وماتَتْ النَباتاتُ المَوْجودةُ بالحَقْلِ كلُها  .

 كانَ الرَجُلُ الصالِحُ  لهُ أَولادٌ كَثيرةٌ , ويَحْتاجُ إلَي مالٍ كثيرٍ لِيُنْفِقَ عَلي أُسْرَتِهِ  .

ذهَبَ الرَجُلُ  الصالحُ  إلَى حَقْلِه ، فَوَجدَ أَنَّ المَحْصولَ  كُلُّه  قَدْ هلَكَ  ولمْ  يَبْقَ  مِنهُ شيءٌ ، وأنَّ الأَمْطارَ والعَواصِفَ قدْ أَفْسَدَتْ كُلَّ  شَيءٍ ، نَظرَ الرَجُلُ  إلَى الحَقْلِ وقالَ :  لا حَوْلَ ولا قُوَّة  إلاَّ باللهِ ،  قَدَّرَ  اللهُ وما شاءَ فَعلَ ،  ولَكِنْ ماذا سَأَفعَلُ الآنَ   ؟

  وماذا أُقَدِّمُ  لِأَوْلادي  ؟  لقَدْ  فَوَّضْتُ  أَمْري لِلَّهِ ،  توَكَلَّتُ علي اللهِ , وهُو نِعْمَ  المَوْلى  ونِعْمَ  النَصيرُ .

 ذهبَ الرَجُلُ  البَخيلُ  إلى حَقْلهِ  أَيْضاً ،  ولمَّا  رأَى ما حَدثَ , ظلَّ  ينْدِبُ حظَّهُ،  وقالَ : لقدْ  كُنتُ  أُعْطي لِلْفَقيرِ حقَّه،  لقَدْ  كُنتُ  أُساعِدُ الناسَ ،  لقد  كُنتُ ….. لقد  كُنتُ  … ,  وظلَّ يكْذِبُ لأنَّهُ يَعْلَمُ أنّ مَحْصولَهُ لا مَحالَةَ قَد فُقِدْ . وأنَّه لنْ ينَالَ مِنْهُ شَيئاً .

نظرَ حَقْلُ الرَجُلِ الصالحِ  إلى حقْلِ الرَجلِ البَخيلِ ، وقالَ لهُ إنّ مالِكي رَجُلٌ فَقيرٌ  وصاحِبُ عِيالٍ ، وهُو يُؤَدِّي  للفَقيرِ  حَقَّه ،  ويُساعِدُ  كلَّ مُحْتاجٍ ، وهُوَ نُموذجٌ للْخَيْرِ ، ولا بدَّ  أنْ  أُساعِدَهُ علَى قَدْرِ طاقَتي ، وقالَ حَقْلُ الرجلِ البَخيلِ  مِثْلَ هَذا  الكَلامِ ، فقالَ حَقلُ الرَجلِ الصالحِ  :  سَوْفَ  أُريكَ ما يُمْكِنُني أنْ  أَفعلَهُ   .

قالَ لهُ الحقلُ الآخرُ : أَرني ماذا تَفْعلُ  ؟   إِنَّنا في الهَمِّ سَواءْ .

  وعَلى الفَورِ  قامَ  الحقلُ  بإنْباتِ حبَّاتِ القَمْحِ  الساقِطَةِ علَى الأَرْضِ , وكانتْ  كَثيرةً ،   ثمَّ  في خلال أيامٍ قلائلٍ  ظهر النبات فوق الأرض وبدأ ينمو ، نادي الحقل  للسماء أن  تنزل أمطاراً  فالنبات يحتاج للماء لكي ينمو ويكبرْ , فأمطرت السماء مطراً غزيراً , فروت الأرض النباتات  حتي أينعت ,  وفي خِلالِ أَيَّامٍ قَلائِلٍ كانَ المَحصولُ  قدْ امْتَلأَ عنْ آَخِرِهِ بالعيدانِ الناضِجةِ.

السُّنبلَةُ المُبارَكةُ 2

 عادَ الفَلاَّحُ  إلَى حَقْلِه ، فوَجدَ  عيدانَ القمحِ خَضْراءَ  واقفةً ،  قالَ : إنَّ هَذا ليسَ ميعادُ إنْباتِ القَمْحِ , وأَيْضاً كيْفَ نَمَتْ النباتاتُ بِهَذِه السُرْعَةِ , تَعجَّبَ وعَلِمَ أنَّها مِنْحَةٌ منْ اللهِ وحَمِدَ اللهَ ، وقالَ:  لكَ الحمدُ والشُكرُ لكَ يا ربِّي .

كُنتُ أُعْطي للفَقيرِ حَقَّه منْ المَحْصولِ كلَّ عامٍ ,

  وإنْ  بارَكَ  اللهُ  في مَحْصولي هذا العام , وتمَّ حَصادُهُ , سَيَكونُ العَطاءُ هَذا العامُ   ضِعْفَ الأَعْوامِ السابِقَةِ ، ثمَّ قامَ بِرِعايَةِ المَحْصولِ والاهْتِمامِ بهِ .

 غار حقل  الرجل البخيل  من حقل الرجل الصالح فقال وهل انا اقل شانا من حقل الرجل الصالح , لا بد أن أفعل مثل ما فعل  .

 وجاءَ  البَخيلُ , فَرأَى ما حَدثَ ،  فَقالَ :  لقدْ  أَعْطاني اللهُ  كُلَّ  هَذا  لأَنِّي  أَسْتَحِقُّه ، وأَنا جَديرٌ  بِفَضْلِ  اللهِ عليَّ ،  واتفقَ مع التجَّارِ  أنْ يبيعَ لهمْ كلَّ  المحصول ، ولنْ يتركَ  للْفقراءِ شَيئاً  ، قابَلَهُ  الفُقراءُ وطَلَبوا مِنْهُ  أنْ يَحْتَفِظَ لَهُمْ بِنَصيبِهمْ منْ  المَحْصولِ ، وقالوا له :  لقدْ نَجَّى اللهُ مَحْصولَكَ منْ الهَلاكِ ، وأَبْدَلَكَ خَيْراً مِنْهُ ، فَيَجٍبُ أنْ  تُعْطي للْمُحتاجِ  حقَّهُ كَما أَعْطاكَ اللهُ ، فَقالَ لهمْ : لقدْ كُنتُ مُحْتاجاً ،  وأَعْطاني اللهُ، لأننَّي أَسْتَحِقُّ ذلكَ , أمَّا  أنتمْ فَمُحتاجونُ ولمْ يُعْطِكُمْ  اللهُ ,  فَلِماذا  ؟   

ثمَّ تَركَهُمْ ولمْ يُبالِ بِهِمْ.

   قالَ حَقْلُ الرَجلِ الصالحِ : أنْظُرْ إلَى صاحِبِكَ ، وماذا فَعَل ؟  قالَ حَقْلُ الرَجُلِ البَخيلِ  :  أَنا  أُحِبُّ صاحِبي , وسَأُعطيهِ مَحْصولاً وَفيراً .

  كانَتْ هُناكَ سَحابةٌ تَسْمَعُ حَديثَ الحَقْلَيْنِ ، وقالَتْ : سَوْفَ أُلَقِّنُ البَخيلَ وحَقْلَه دَرْساً لنْ يَنْساهُ أَبداً ,  حتَّى  يؤُدِّي حَقَّ  اللهِ عَلَيهِ ،

وأَمْطَرَتِ السَحابَةُ علَى مَحْصولِ الرَجُلِ البَخيلِ مَطَراً غَزيراً ،  وقالتْ : أَنْتَ لا تَسْتَحِقُ  إلاَّ الدَمارَ ،  أَوْقَعَتْ  الأمطارُ العيدانَ وَطَرَحتْها  أَرْضاً ,  فَهَلكَ  كلُّ مَحْصولِهِ   ,  ولَمْ  تُصِبْ  الأَمْطارُ  مَحْصولَ  الرَجُلِ الطَيِّبِ بسوء. 

وفي الوقْتِ نَفْسهِ اكْتَملَ نُمُّوُ عيدانِ حَقْلِ الرَجُلِ الصالحِ  ، وحَمَلَ  كلُّ نَباتٍ سَبْعَ  سَنابلَ،  وكلُّ  سُنْبُلَةٍ  حَمَلتْ مائَةُ  حَبَّةٍ ،  وهُناكَ  عيدانُ حَمَلَتْ  أَكْثَرَ من ذَلكَ ،   عادَ الفلاحُ  بَعْدَ عِدَّةِ أيَّامٍ  ونَظَرَ إلَى مَحْصولهِ فَوَجدَ مَحْصولَهُ قدْ تمَّ نُضْجَهُ ، وَوجَدَ  خيراً  وَفيراُ وكَثيراً ،  لمْ يَكُنْ  يَتَوَقَعُهُ .

حَمِدَ اللهَ , وحَصَدَ  مَحصولَهُ،   وأَعْطَى  للْفَقيرِ  حَقَّهُ ،  وكَما  وعَدَ أوْفَي , و أَعْطَى هَذهِ  المَرَّةَ ضِعْفَ  ما كانَ يُعْطي قَبْلَ ذلكَ ،  وقالَ :  لَقدْ  أَنْقذَ اللهُ  مَحْصولي  وَرَدَّهُ  إلىَّ  أَفْضَلَ مِمَّا كانَ ،  وما عَليَّ إلَّا  أنْ  أُؤَدِّي  شُكر هَذهِ  النِعْمَةِ ، بأَنْ  أَبٍذُلَ الخَيْرَ  أَكْثَرَ. 

جاءَ  البخيلُ ، وبَعدَ أنْ نظَرَ إلَي حَقْلِه , نَظَرَ إلَى حَقْلِ الرَجُلِ الصالِحِ , فندَمَ نَدَماً شَديداً ، وظَلَّ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى بَعْضِهِما ،  وقالَ:  هَذا  جَزائي نَتِيجَةَ  بُخْلي وعَدَمَ  إِعْطائي الفَقيرَ حَقَّهُ.

error: المحتوى محمي !!