الصحابة و التابعين و الصالحين

الصحابي الجليل البراء بن مالك رضي الله عنه

الصحابي الجليل البراء بن مالك رضي الله عنه 1

بطلنا اليوم هو الصحابي #البراء_بن_مالك -رضي الله عنه- الذي عاش حياته العظيمة المقدامة ، وشعاره : “الله ، والجنة” ..

من كان يراه يقاتل في سبيل الله ، كان يرى عجباً يفوق العجب ؛ فلم يكن البراء حين يجاهد المشركين بسيفه ممّن يبحثون عن النصر ، وإن يكن النصر آنئذٍ أجلُّ غاية ، إنما كان يبحث عن الشهادة ؛ من اجل هذا لم يتخلف عن مشهد ولا غزوة ، وذات يوم ذهب إخوانه يعودونه ، فقرأ وجوههم ثم قال : “لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي ! ، لا والله ، لن يحرمني ربي الشهادة” . ولقد صدّق الله ظنه فيه فلم يمت على فراشه ، بل مات شهيداً .. في معركة وإقدامه وبحثه عن الموت ، كل هذا يجعل قيادته لغيره من المقاتلين مخاطرة تشبه الهلاك .. عندما بدأ القتال نادى خالد بن الوليد : “الله أكبر” فانطلقت الصفوف المرصوصة إلى مقاديرها ، وانطلق معها عاشق الموت البراء بن مالك ، وراح يجندل أتباع مسيلمة الكذاب بسيفه وهم يتساقطون كأوراق الخريف تحت وميض بأسه ؛ وقد كان جيش مسيلمة بأعداده وعتاده وباستماتة مقاتليه خطراً يفوق كل خطر ، وأجابوا على المسلمين بمقاومة تناهت في العنف حتى كادوا يأخذون زمام المبادرة وتتحول مقاومتهم الى هجوم .

إقرأ أيضا:أبوسفيان بن الحارث بن عبد المطلب : (قصة الهدى بعد الضلال)

هنالك سرى في صفوف المسلمين شيء من الجزع ، وانطلق زعماؤهم يلقون كلمات التثبيت ويذكرون بوعد الله .. وكان البراء بن مالك جميل الصوت عالِيه ؛ وناداه القائد خالد : “تكلم يا براء” . فصاح البراء بكلمات تناهت في الجزالة والدلالة والقوة ، تلك هي : “يا أهل المدينة ، لا مدينة لكم اليوم إنما هو الله ، والجنة” . كلمات تدل على روح قائلها وتنبئ بخصاله . ثم تقدم المسلمون مجدداً يسبقهم نصر مؤزر ، والمشركون يتساقطون في حضيض هزيمة منكرة ؛ واندفع المشركون إلى الورتء هاربين ، واحتموا بحديقة كبيرة دخلوها ولاذوا بها ؛ وهنا علا البراء ربوة عالية وصاح : “يامعشر المسلمين احملوني وألقوني عليهم في الحديقة” .

ولم ينتظر البراء أن يحمله قومه ويقذفوا به ، فاعتلى هو الجدار ، وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح الباب واقتحمته جيوش الاسلام ؛ ولكن حلم البراء لم يتحقق ، فلا سيوف المشركين اغتالته ، ولا هو لقي المصرع الذي كان يمنّي نفسه به . وصدق أبو بكر -رضي الله عنه- حين قال : “احرص على الموت ، تُوهب لك الحياة” . وصحيح ان جسد البراء تلقى يومئذٍ بضع وثمانين ضربة ، حتى لقد ظل بعد المعركة شهراً كاملاً يشرف خالد بن الوليد بنفسه على تمريضه ، ولكن كل الذي أصابه كان دون غايته وما يتمنى ، بيد أن ذلك لا يحمل البراء على اليأس فغداً تجيء معركة ومعركة ، ومعركة .

إقرأ أيضا:غزوة بدر الكبرى أول معركة فاصلة في الإسلام

وفي إحدى حروب العراق لجأ الفرس الى كل وحشية دنيئة يستطيعونها ؛ فاستعملوا كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محماة بالنار ، يلقونها من حصونهم فتخطف من تناله من المسلمين الذين لا يستطيعون منها فكاكاً .. وكان البراء وأخوه العظيم “أنس بن مالك” قد وُكل اليهما مع جماعة من المسلمين أمر واحد من تلك الحصون. أحد تلك الكلاليب سقط فجأة فتعلق بأنس ولم يستطع أنس أن يمسّ السلسلة ليخلص نفسه ، إذ كانت تتوهّج لهباً وناراً ؛ وأبصر البراء المشهد فأسرع نحو أخيه الذي كانت السلسلة المحماة تصعد به على سطح جدار الحصن ، وقبض على السلسلة بيديه ، وراح يعالجها في بأس شديد حتى قصمها وقطعها ، ونجا أنس وألقى البراء ومن معه نظرة على كفيه فلم يجدوهما مكانهما !! لقد ذهب كل مافيهما من لحم وبقي هيكلهما العظمي مسمّرا محترقاً ، وقضى البطل فترة علاج اخرى حتى برئ .

وثم جاءت موقعة تُستُر ، واحتشد أهل الأهواز والفرس في جيش كثيف ليناجزوا المسلمين ، وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى سعد بن وقاص بالكوفة ليرسل إلى الأهواز جيشاً ؛ وكتب الى أبي موسى الأشعري بالبصرة ليرسل الى الأهواز جيشاً قائلاً له : “اجعل أمير الجند سهيل بن عديّ ، وليكن معه البراء بن مالك” ، والتقى الجيشان ليواجهوا جيش الفرس في معركة ضارية وبدأت الحرب بالمبارزة ، فصرع البراء وحده مائة مبارز من الفرس ؛ ثم التحمت الجيوش وراح القتلى يتساقطون من الفريقين كليهما ، واقترب بعض الصحابة من البراء والقتال دائر ، ونادوه قائلين : “أتذكر يابراء قول الرسول عنك : رُبّ أشعث أغبر ذي طِمرَين لا يُؤبَهُ له ، لو أقسم على الله لأبرّه ، منهم البراء بن مالك ؟ ؛ يا براء أقسِم على ربك ، ليهزمهم وينصرنا” . ورفع البراء ذراعيه إلى السماء ضارعاً داعياً : “اللهم امنحنا أكتافهم ، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم ، وألحِقني اليوم بنبيّك” . وألقى على أخيه أنس الذي كان يقاتل قريباً منه نظرة طويلة ، كأنه يودِّعه . وانقذف المسلمون في استبسال لم تألفه الدنيا من سواهم ، ونُصِروا نصراً مبيناً . ووسط شهداء المعركة ، كان هناك البراء تعلو وجهه ابتسامة هانئة كضوء الفجر ، وسيفه مُمدّد إلى جواره ؛ وقد بلغ المسافر داره . رضي الله عنه وأرضاه .

إقرأ أيضا:قصة حاطب بن أبي بلتعة

المصدر / رجال حول الرسول لخالد محمد خالد . من حساب خالد تويتر

السابق
من أسماء الله الحسنى “الرحيم”
التالي
تعليم الوضوء والصلاة للأطفال

اترك تعليقاً