تعليم و ثقافة و فكر

الصحافة رسالة تحرر للصالح العام

السلطة الرابعة أو مهنة المتاعب كما يطلق عليها، والحقيقة أنها مهنة قد تسبب الكثير في المجتمع، ويمكنها أن تتقلد مركزا آخر للسلطة بتغيير القرارات وتوجيه الرأي العام فضلا عن كونها قادرة على الإطاحة بالأنظمة إما خدمة للأوطان ومحاسبة للمفسدين، أو أن تعمل سلبا ضد الشعوب فتعمل على الإطاحة بحكومات شرعية وترفع طغاة إلى أعلى هرم السلطة، ليبتدا التطبيل والتهليل وتمجيد فرعون وعسكره على القنوات والصحف، والتغاضي عن كل النقائص والكوارث.

كان الإجماع في الماضي على أن جور الحكام سببه جبن العلماء وفساد القضاء، أما اليوم فصار لزاما إضافة تخاذل الصحافة وجعلها أداة لطمس الحقائق أو تلميع صور معينة، لإشغال الرأي العام أو توجيهه نحو القضايا المغلوطة وإبعاده عن أزماته الحقيقية ومنعه من تغيير واقعه المعيش لأن ذلك سيتعارض مع مصالح جهات عليا شغلت المناصب واستحوذت على المكاسب وضيعت الأمانة.

بعدما صار الطابور عادة من عادات المواطن العربي لم يعد أبدا يشكل أزمة، طوابير في المستشفيات حتى في قسم الاستعجالات، طوابير لاستخراج الوثائق، طوابير لشراء الحليب الذي صارت أزمته لا تنتهي ثم ساعات في الاختناق المروري، تدني المستوى التعليمي، تهميش الكفاءات وغيرها من المشاكل اليومية التي بالكاد تذكرها وسائل الإعلام في ثوان أو تخصص لها بضعة أسطر، لكنها لا تدخر جهدا للحديث وبإسهاب عن تصفيات كرة القدم أو انتقال اللاعب س إلى الفريق ع أو إحياء حفل للفنان الشهير وحبيب الجماهير أو فوز الفنانة العالمية بالأوسكار.

إقرأ أيضا:المعلم في الوطن العربي

الصحافة اليوم فتحت أبوابها على مصراعيه لكل دخيل وأعطت بسخاء لكل متزلف، وصارت تضم دردشات المقاهي وأحاديث لمات النسوة، بل الكل بات صحفيا ينقل كل شيء وأي شيء المهم عدم المساس بمقدسات الأبراج العاجية وبعدها كل مادة مسموح بنشرها أو عرضها، فمرات عديدة عند متابعة القنوات تظهر جليا المفارقات، عروض هي الانحطاط عينه، برامج لا معنى لها وضيوف بلا أدنى مستوى المهم تعبئة مخطط لصرف الأمة عن أهدافها الأسمى، وإن ارتقى المشهد للاحترافية فسيكون بتغييب الضمير كذاك البرنامج الذي استضاف دكتورا في علوم الإعلام والذي كان يبرر إجرام بشار على أنه يمثل حكومة شرعية لها الحق في التصدي للخارج عنها وكأنه حقا توجد حكومات شرعية تبايعها الشعوب على الولاء.


بينما يشتغل عدد كبير من القنوات العربية بكل ما هو تافه وبلا قيمة أو يروج للانحلال على أنه تفوق وحرية ومسايرة للعصرنة والموضة، تعمل القنوات المتذاكية على قدم وساق لضرب العقيدة الصحيحة وتشويه صورة كل من يخالفها، ولا تفوت مناسبة لضرب الإسلام كما تفعل قناة فرانس 24 التي تعمل على مناقشة مواضيع لا نقاش فيها، بل وتتمادى في القدح في الشريعة بإصدار الفتاوى لتخلص دائما أن دين الإسلام تعصب ومشقة، مثلما فعلت حينما تناولت موضوع الصيام بالتحليل هل إفطار رمضان حرية شخصية ؟وهذا الأمر لا جدال فيه فالصوم فريضة والإفطار بغير عذر كبيرة آثم فاعلها، فهم لم يدركوا بعد أن اختيار الإسلام هو التزام بتعاليمه التي لا تتنافى مع حرية الفرد بل تدعمها وتسمو بها لدرجة الكمال، وتمنح كل ذي حق حقه لا بالباطل الذي تسوقه القنوات الداعمة للغزو العسكري والتي تجعل الوسائل الإعلامية ترسانة حربية من غير وجه حق وحرب مالي أصدق مثال على ذلك.

إقرأ أيضا:سلسلة ” حكايات كما يجب أن تروى “


لو كانت الصحافة قائمة فعليا بواجبها من حمل انشغالات الأمة والسعي للنهوض بها وعلى كل المستويات مراعية قيم المجتمع ونظمه فإن ذلك دليل على صحة المجتمع فكريا وماديا، فالعمل الصحفي ضمير حي ومجموعة من القيم الأخلاقية والنوازع البشرية وليس مجرد تمرير رسائل للجهة التي تمنح إعلانات أكثر وتدفع بسخاء، ليصير القلم الحر مجرد أداة في يد رجال الأعمال وأصحاب المصالح الضيقة.


الصحافة رسالة تحرر للصالح العام ولدعم أسس المجتمع وبنائه لكنها وللأسف غدت مجرد أبواق لجهات معينة ويا ليتها كانت جبهات إصلاح لكان إعلامها عبادة، فما هي إلا واجهات لتمرير مشاريع فساد والتغطية على المجرمين واللصوص، فما تقدمه مليء بالمغالطات والترهات، تمنح ألقاب وأوسمة لمن لا شأن له إن اقتضت المصلحة الخاصة وتهمش وتضيق على كل لسان صادق وتسجن أي فكر إصلاحي حر، فمتى ستناقش رسالة اعتلال الصحافة سيـُمرض المجتمع بأكمله.

السابق
المرأة الحقيقية
التالي
وصفات لصنع الخبز المنزلي

اترك تعليقاً