الطير البئيس

كعادته كل عيد فطر يذهب إلى زيارة والديه المعوزين المنعزلين في الغابة البعيدة، بعدما ألف الهجرة منذ سنواته الأولى، بحثا عن التعلم والتفقه في فن العيش ومسايرة ظروف الحياة متفائلا بغد مشرق إشراقة ابتسامة أمه الحنون، ولكنه سرعان ما أدرك أن بين التمني والواقع فارق كبير، فقد رأى نيران الحروب المشتعلة تستعر لتحول بين حلمه دون ذلك، فلقد كسر وجبر وكسر من جديد، وتوالت الضربات والغصات والأجنحة مكسورة لا تنفك تشفى لتُكْلَم مجددا، بمنطق الزاد القليل والمسير الطويل كان ظن الطير البئيس بربه عظيم.

قضى الطير أسبوعا في منزل والديه، ووافق أن تلألت أنوار العيد ذاك الأسبوع فكان الفرح عظيما وبهيجا، واستشعر لبضعة أيام قبلة أبيه الدافئة ولمسة أمه الحانية، ولكنه سيعود الآن لخوض غمار الحياة ويدرك أن ما يليق به لم يكون سوى تسمية الطير الحزين؛ جعلت من بسمته وجوما.

انقضت الأيام الحلوة سريعا والكلام الطيب انتهى، حان الوقت للعودة لبلاد المهجر، وفي طريقه عرج على صديقه الحميم، وبقي معه أياما معدودة ثم عاد لدرب الرحيل، ليصطدم عند دخوله قبل  إلقائه السلام، بشجار وصراع وجراحات صعبة المداراة ونقاشات لا تجد سبيلا للغفران، فر وكر وما فلح، لأنه طير مسكين مكسور الجناح الأيمن،  فأخذ يسأل باقي حيوانات الحديقة الكبيرة ويستجدي عطفهم لكن دون أدنى نتيجة، فتنهد وقال: ما أوحشك يا عالم، وما أحنك وأرحمك يارب، سأمضي في أرض الله الواسعة لعلي أجد مكانا أرحب!

وفي صباح اليوم الموالي، استيقظ ووجد أصحابه يضمدون جراحه ويرممون خدوش قلبه، ومن مواساتهم تعلم أن التأسي بالصحبة نعمة تستحق الشكر، وقرر البقاء مع أقرانه، فحلق عاليا مع باقي الطيور إلى مكان لم الشمل، حيث عاش في سلام وطمأنينة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!