العلاقات المغربية الإسبانية دراسة تاريخية وسوسيو ثقافية
العلاقات المغربية الإسبانية دراسة تاريخية وسوسيو ثقافية.

إن البحث في المجتمعات المتوسطية وحركيتها التاريخية والحضارية والسوسيو ثقافية، بشكل عام، يعتبر من الأهمية بمكان نظرا لموقعها الاستراتيجي تاريخيا وحضاريا منذ العصور القديمة إلى الان، سواء من حيث العلاقات التاريخية والثقافية بين شعوب هذا الحوض من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله. وهو حوض غني من حيث حمولته الحضارية المركبة التي تجمع بين الحضارة العربية الاسلامية، والتركية والرومانية والجرمانية والفرونكفونية  والأنجلوساكسونية، سواء في مرجعيتها التاريخية القديمة أو في مجالاتها الجيوسياسية المعاصرة.

        وبشكل عام منظومة السببية المتعلقة بذلك الحوار، أو الإشكالات التي تحكم الحركية التاريخية عموما والحركية التاريخية الخاصة للعالم المتوسطي.

        وانطلاقا من هذه الورقة البحثية نأمل أن نساهم في تطوير هذه الحصائل المعرفية الأولية، وتعميق النظر في مظاهر التعالق والتكامل، مقابل التمايزات والخصوصيات، في المجتمعات المتوسطية، بين شرقها وغربها من جهة، وجنوبها وشمالها من جهة أخرى، وذلك بالتركيز على نماذج محددة، من هذه العلاقات  للتحكم في مدخلاتها ومخرجاتها، وديناميتها المُرَكبة .وذلك لأسباب متعددة منها خصوبة العلاقات التاريخية والحضارية منذ الوسطى إلى الان، ومنها الجوار الجيوستراتيجي وما خلفه من بصمات متعددة ثقافيا وحضاريا سواء العربية الإسلامية منها في شبه الجزيرة الإيبيرية، أو بصمات ثقافة وحضارة هذه الأخيرة في المغرب جنوبا وشمالا.

        ومما لاشك فيه أن لهذه العلاقات المغربية الإسبانية جذور وامتدادات. وذلك بحكم القرب الجغرافي بين الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه ، وهو قرب ساهم في تشكل هاته العلاقات بين المغرب واسبانيا وتطورها عبر الزمن.

        وتاريخيا يمكن الحديث عن الوجود العربي الإسلامي بالأندلس، منذ 711م إلى  1492م، ومقابل ذلك الوجود الاسباني في المغرب، عبر عملية الاحتلال  التي امتدت من احتلال إسبانيا لمدينتين في شمال المغرب(سبتة – مليلية).إلى مرحلة نهاية تواجدها في شمال المغرب أو في جنوبه (باستثناء الثغرين المذكورين وجزر أخرى في المحيط الأطلسي.

        وعموما يلاحظ أن هاته العلاقات عرفت تغييرات كبيرة، أثرت في جوانب متعددة، من الناحية  الإنسانية والسوسيو ثقافية بين البلدين.

        وقد شكلت التأثيرات الناجمة عن ذلك مصدر اهتمام مكثف من طرف العديد من الباحثين سواء  في المجال التاريخي ، أوفي مجال العلوم  الإنسانية بمختلف لويناتها، وهذا ما يفتح الشهية المعرفية لدراسة اثار ومخلفات هذه العلاقة. سواء في بعدها التاريخي أو في بعدها الحضاري والثقافي.

        ومن هذا المنطلق العلمي جاء اهتمامنا  بهذا الحقل العلمي للعلاقات المغربية الإسبانية التاريخية والسوسيو ثقافية. بغية المزيد من الحفر في مختلف جوانب المشكلة لدلالات وأبعاد هذه العلاقة ومقاربة ما نجم عنها من تأثيرات سياسية وسوسيو ثقافية.

        إن الأهمية التي تحظى بها هذه الورقة  البحثية ، تأتي انطلاقا من كونها ستتناول الجوانب التاريخية والتأثيرات السوسيو ثقافية بين حضارتين وثقافتين مختلفتين: فكريا، دينيا، لغويا، رغم أن هذا الاختلاف لا يلغي العديد من مظاهر التقاطع والتكامل من وجهة نظر بنيوية. وذلك بالتركيز على نماذج محددة للتحكم في مدخلاتها ومخرجاتها ومرجعياتها النظرية والسوسيو اقتصادية والثقافية.

         إن بحث كهذا من المؤكد أن تتقاطع فيه مناهج متعددة تجمع من جهة بين التأطير والتنظير من جهة أولى أو النزول  من جهة ثانية إلى الميدان، سواء من أجل الوقوف عند اثار الوجود الاسباني في المغرب عبر الموريسكين المتواجدين في مختلف مناطق المغرب وأهمها سلا والرباط ومكناس وفاس ومدن الشمال، أو العبور إلى شبه الجزيرة الإيبيرية للوقوف عند المخلفات الثقافية والعمرانية للحضارة المغربية هناك في مناطق مختلفة مثل اشبيلية وطليطلة وغرناطة وبلد الوليد وغيرها.

        وبهذا سنقترح على الباحثين المهتمين بهذا الموضوع مادة مصدرية متنوعة المضان تتداخل فيها تخصصات معرفية تاريخية وأثرية، وبالإنفتاح على الرواية المكتوبة التاريخية، وذلك تطبيقا للعديد من الأطروحات التاريخية سيما الخلدونية منها التي تلح على ضرورة إلتقاط التاريخ في إطاره السوسيو تاريخي.

         وهو ما سماه الدكتورمحمد عابد الجابري” بنظرية العمران”، وكذا المنظور التاريخي المركب الذي نادت به مدرسة الحوليات وبعض تطبيقاتها في الخطاب التاريخي العربي والمغربي المعاصرين، الذي يشمل العناية في المقاربة التاريخية بالجغرافية البشرية والاقتصاد وعلم النفس والانتروبولوجيا، والحياة الفكرية واليومية للإنسان.

        إذا كان كل بحث أو اهتمام معرفي سواء في مجال التاريخ أو غيره تحركه أسئلة في بعض الأحيان تثير القلق والحيرة، فإن موضوعنا  هذا بدوره حركته العديد من الأسئلة، والتي  تفتح بابها لمن أراد التضلع والتوسع فيها، ويمكن إجمال أهمها بشكل عام كما يلي:

–       إذا كانت اسبانيا تعتبر دولة أوروبية محكومة تاريخيا واثنيا ودينيا بالعديد من المرجعيات الخاصة ، وإذا كان المغرب من جهة أخرى ينتمي إلى حضارة مختلفة سواء من حيث جذورها الحضارية والتاريخية أو من حيث مقوماتها العربية والاسلامية، وأن العلاقة بين هاتين الدولتين بدأت صدامية بالمعنى التاريخي للكلمة عبر فتح المغرب لاسبانيا في البداية واستعمال هذه الأخيرة للمغرب في مرحلة لاحقة ، مع تغير ميزان القوى السياسية والتاريخية.

–       فإلى أي حد يمكن الحديث، مع هذا المظهر الصدامي، على علاقات وتقاطعات حضارية وثقافية سواء بالنسبة للمغرب أو بالنسبة لاسبانيا؟

–       كيف يمكن تفسير هذه العلاقات المغربية الاسبانية وما ترتب عنها من مخلفات  عمرانية وسوسيو اقتصادية والثقافية ؟[/ref][ref]

–       ماهي انعكاسات هذا وذاك على  حاضر ومستقبل العلاقة بين هادين البلدين الجارين، رغم ما بينهما من مد وجزر تاريخي؟

        وفي هذا الاطار يمكن جرد لائحة أولية لعدة مرجعية التي تعرفت عليها خلال مسيرتي التكوينية و التي عنت لي في الأفق عبر الاحتكاك بأساتذتي من المتخصصين في هذا المجال بشكل أو باخر:

  • عبد الجليل التميمي. الدولة العثمانية وقضية الموريسكين الاندلسيين، مركز الدراسات والبحوث العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات، زغوان،1989م.
  • محمد العربي المساري، دماء الموريسكي، مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات 2011، جريدة القدس العربي، السنة السابعة والعشرون، العدد 8280 8/نونبر 2015.
  • محمد حجي ، الزاوية الدلائية دورها الديني والعلمي والسياسي، ط 2 مطبعة الجديدة 1409هـ/1988م.
  • محمد حجي ، الموريسكيون والجهاد البحري في المغرب الكبير، الموريسكيون في المغرب؛ ضمن سلسلة الندوات رقم (2)، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية. شفشاون 22-24 . شتنبر 2000م. مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2001.
  • هنري تشارسلي، العرب والمسلمون في الأندلس بعد سقوط غرناطة، ترجمة حسن سعيد الكرملي، ط 1. دار لبنان للطباعة والنشر . لبنان 1409/ 1988.
  • محمد المنوني واخرون، التاريخ الأندلسي من خلال النصوص، ط1، شركة النشر والتوزيع المدارس. الدارالبيضاء هـ1412/ 1991م.
  • عبد الإله الفاسي، مدينة الرباط وأعيانها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين 1830- 1912م. منشورات جمعية رباط الفتح.
  • محمد عبده حتامله، محنة مسلمي الأندلس عشية سقوط غرناطة وبعدها، ط 1. مطبعة دار الشعب، عمان الأردن، 1397هـ/1977م.
  • هورتزأنطونيو دوميفير وبرنارد بينثنت، تاريخ مسلمي الأندلس الموريسكيون- حياة ومأساة أقلية- ترجمة عبد العال صالح طه ، تقديم محمد محي الدين الأصغر، ط1، دار الاشراق، قطر 1408هـ/1988م.
  • رضوى عاشور. تلاثية غرناطة.(رواية) .المؤسسة  العربية للدراسات والنشر.ط 1، سنة 1998.
  • حسن أوريد.  الموريسكي،(رواية). دار أبي رقراق للنشر بالرباط، سنة 2011.
  • صبحي موسى. الموريسكي الأخير، الدار المصرية اللبنانية .د.ن. تاريخ.
  • نعيم ناصر،مأساة «الموريسكيين» وتأثيرها في الموسيقى والأغاني الاسبانية وفي القصص والأساطير الشعبية.2010م.
  • عبد الحق السرغيني .ثلاثية الفتح (مسرحية شعرية تاريخي).مطبعة سندي  مكناس، سنة 2003.
  • عبد الحق السرغيني. نزع المغيب(رواية). إصدار شركة النشر والتوزيع المدارس 2018م.

الكاتبة هدى يحيى – المغرب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!