قصص و حكايات

الـحافـة

الـحافـة

كتابة سردية مرتجلة جديدة خلال شهر رمضان المبارك عبر حلقات يومية تنشر على موقع معين المعرفة تتخذ من أحد مقاهي الأحياء الشعبية تيمة وفضاء لها، بفيض قلم الكاتب الأستاذ نور الدين الشكردة.


يقفل “رفيق” راجعا على حين غرة، وبمعيته رفيقين من نواحي مدينة فاس، “لن نتأخر، فبمجرد إدخالك للكرسي الآخير ستجدنا قد غادرنا المكان، غدا الأربعاء غرة شهر رمضان وما زال ينتظرنا الكثير من النوم”، يبادر نادل المقهى مقهقها وهو يلتمس من العصار تسخين قهوته وإضافة قطرات جديدة على رحيقها المتكلس.
يتحلق حوله صديقيه وينهمك في كشف أسرار وهوية زبائن المقهى، يستميت لغوا ونسجا للكلام محاولا إلهاءهما عن إثارة موضوع الدين الذي في ذمته لهما. يجرهم للخوض في نقاش وجدل حول وظائف المقهى وخصوصياتها…
ـ يبدو أن المقهى لم تعد مظهرا من مظاهر التمدن، التفتا يمينا وسيطالعكما بائعو الديكة الرومية وفصوص الثوم بتجارتهم وهي تفوح بداوة.
ـ لا يمكنك أن تنكر الأدوار التنويرية التي صارت تضطلع بها المقاهي في وقتنا الراهن. يعقب أحد رفيقيه.
ـ أي تنوير يا رفيق؟ لقد سلمت المقاهي مفاتيح الأدب والثقافة للتفاهة والمتسولين، وللسماسرة والتجار الجائلين، المقهى وكر للغيبة والنميمة؛ واحتساء المشروبات؛ وقضاء أوقات الفراغ؛ والنصب والاحتيال على السذج.
ـ أبدا، المقهى مقر اجتماعي وسياسي وثقافي لبلورة وصناعة ثقافة شعبية أصيلة، بل مدرسة ثانية لتشكيل شخصية مغربية متفردة، وقد اضطلعت المقاهي في أوقات حساسة من تاريخ المغرب بأدوار تحررية طلائعية، مما جعلها تتحول إلى منارة للحراك الثوري والثقافي، ومحجا شعبيا لتوجيه العامة وتعبئة الوجدان والشعور الوطنيين…
ـ أبشااااخ، أبيييك… أرباااط السلوكية… تقصد محجا للديربي والكلاسيكو وسجنا لعبيد الإدمان والقمار ومباريات كؤوس القارات ودوري أبطال أوربا…
ـ بالمناسبة رغم انهزام فريق باريس سان جيرمان بهدف لصفر مقابل بايرن ميونخ في إياب دور ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، غير أنه تمكن من التأهل للدور النصف النهائي بالنظر لنتيجة الذهاب، نفس الصدفة والنتيجة وقعت مع فريق شيلسي الذي انهزم بهدف لصفر ضد بورتو وتمكن بدوره من الصعود لدوري النصف، الكرة غير عادلة وقوانين أهداف الذهاب والإياب غير منصفة، ولا أعرف أين سأتابع باقي المباريات بعد دخول قرار الإغلاق والحظر حيز التنفيذ بدء من يوم غد الأربعاء فاتح شهر رمضان…، ينهي أحد الرفيقين جدل النهضة والتنوير.
يقف على رأسهم عشاب متنقل، ويسترسل في عرض مزايا أعشابه المقوية “هاد العشبة دقة بطلة، الضربة أمارش، قوة سيدنا علي و”سيف بن دي يزن“، “الدون خوان تيرسو دي مولينا،” وزير النساء الأشهر “جياكومو جيرولامو كازانوفا” استعملا هذه العشبة، بقيت صرتان فقط وأنتم ثلاثة، من باب الرجولة والمروءة سأمنح للثالث صرتي الخاصة، الصحة، الجمال، النضارة، القوة، الشباب، شكون كال، يلزمني الانصراف، لست بعراف ولا طبيب ولا عالم، أنا واحد من أهل الله لمست فيكم السحر وضعف الباءة و”التقاف” و”التوكال”..” وهو يهم بالانصراف، يستدركه أحد الرفاق ليسأله عن الثمن، وفي رمشة عين كان النصاب قد باع حزمة من النباتات العطرية المخلوطة ببعض التوابل القوية بمبلغ زاد من عبء ديون “رفيق” على رفيقه.
يشغل تسجيلا صوتيا على هاتفه، يشرك رفيقيه في الاستماع لخواطر الحب القادمة من “مسنجر” حبيبته القاصر، يقطع التسجيل وحالة رومانسية تكتنف مشاعره المتيبسة:
ـ “خيرة” من مواليد برج الميزان، تبدو أكبر من سنها، وهي لا تحتمل الصبر على عدم رؤيتي ليوم واحد، ميزة بنات هذا البرج أنهن لا يستطعن البقاء لوحدهن مدة طويلة، كما يفضلن قضاء وقتهن في الخارج، بطبعهن يعشقن المال والعطر والاستحمام، ويتميزن بالإبداع في كل مهامهن، كما أنهن يملن لإرضاء شركائهن، ويسعين على الدوام للتجمع والحميمية والالتصاق…
ـ قل عاهرة وكفى..، وينفجر النديمين بالضحك.
تختال “الباتول” وهي تجتاز الزقاق المفضي لمقهى الميزان، تقف خلف الزجاج المعتم وتتصنع بعينين نصف مغمضتين اقتفاء أثر زوجها، يتدارى “عبد الجبار” وراء سارية من رخام، يتغامز عليه مجلس من دهاة سماسرة المقهى، فتزداد جلسة الدقائق الآخيرة حلاوة وهم يقصفونة همزا ولمزا:
أعمرك لاتكبر شان لبوجعران… أحتى زين ماخطاتو لولة… اذكر الكلب ووجد العصى… أيلا ارخاص الشعير اغلات الحمير… أفيق وعيق البريق… أحاول على حمارك تحج عليه… اللي ما عندو هم كتولدو لو حمارتو… الهضرة عليك الحادر عينيك…
يستمر المجلس في “التطواب” الجارح ويتصاعد لغطهم مع اقتراب موعد إغلاق المقهى لأبوابها.
تتسارع دقات قلب “عبد الجبار”، يطيل النظر في نهاية الزقاق وهو يترقب وصول التاجر الجزائري المفترض، يهمس لنفسه وهو على حافة القلق والاضطهاد والإفلاس:
ـ سأتدبر بثروة الميزان حلولا تستر كل عيوب الدرب.
صوت خفي وكأنه صوت “الراوي”يهمس في أذنه:
ـ أستر غير كرك أصاحبي، وقل للباتول تستر كرها هاداك هو الكنز الحقيقي.
يطفق مالك مقهى الميزان واقفا من على كرسيه، يبدو وكأنه على شفا الحمق أو الهذيان، يلصق هاتفه من أذنه وهو يستمع لمالك مقهى “الحافة” الواقع على المنحدر المشرف على خليج طنجة وهو يستنكر بدوره قرار الإغلاق الليلي، وتأخير تفعيل قرار الدعم، يتلعثم وهو يحشر هاتفه في جيب جلبابه: “مول الحافة وتقهر، شنو نقولو حنا اللي المسؤولين ولكليان ديالنا كاملين حافة، وغير يلا لقاو علايش وعلامن يحوفو..”.
يكسر “الراوي” قلق كل مكاييل “الميزان”، يقبل مهرولا صوب المقهى وهو يحرك جرسه النحاسي، ويتلو على أسماع المارة والجالسين: “وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ”، “َوأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ”، “وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ”، “وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ” …
يرتل الآيات تباعا وتكرارا، يبالغ في هز جرسه النحاسي الرنان، يستعطفه “عبد الكبير” كي يتوقف وهو يدس في يده درهما وسيجارة تبغ أسود…
والمقهى تشارف على الإغلاق، يشغل العصار أغنية “كان عندنا طاحونة” الخالدة للسيدة فيروز، ويستسهل مدندنا متمايلا تعب ما قبل الانصراف هو وقلة قليلة من زبائن الميزان:
شو كانت حلوة الليالي
والهوى يبقى ناطرنا
وتيجي تلاقيني
وياخذنا بعيد
هدير المي والليل
كان عنا طاحون ع نبع المي
قدامه ساحات مزروعة فيّ
وجدي كان يطحن للحي
قمح وسهريات
ويبقوا الناس بهالساحات
شي معهن كياس شي عربيات
رايحين جايين ع طول الطريق
تهدر غنيات
آه يا سهر الليالي
آه يا حلو على بالي
غني آه
غني على الطرقات
وراحت الأيام وشوي شوي
سكت الطاحون ع كتف المي
وجدي صار طاحون ذكريات
يطحن شمس وفيّ…
بحي “مرشان” بعروس الشمال، ومن النقطة المطلة على المحيط؛ والبحر؛ وهضبة المضيق؛ وسواحل الأندلس بمقهى الحافة المهددة بالانهيار، تظهر في الأعلى أسراب لقالق متفرقة تحوم في توازن عجيب بأجنحة مقبوضة ممتدة بلا حراك. اعتادت اللقالق المهاجرة على استخدام تيارات الهواء الساخن لدعمها على الطيران مسافات طويلة، وطالما أن هذه التيارات لا تتشكل إلا فوق اليابسة، اختارت هذه الطيور عبور البحر الأبيض المتوسط من أضيق نقاطه؛ فصار من السهل على مالك مقهى الحافة أن يعاين؛ و”الكاماريرو”؛ وبعض زبنائه الحالمين كل سنة؛ أسرابها السائرة في الانقراض وهي تعبر مضيق جبل طارق من بلاد الغرب صوب بلد شرقي يدعى المغرب…

إقرأ أيضا:محاولة صحفية
السابق
أسوان
التالي
الناعورة