الفراشة الحائرة

القصة الثالثة عشر من سلسلة قصصية للكاتب شاكر صبري، د.صفا لطفي العراقية، تنشر حصريا على موقع معين المعرفة. (جميع الحقوق محفوظة ويمنع نسخ القصص ونشرها على مواقع أخرى أو طباعتها).

 بعدَ أنْ تعلَّمَتْ الطَيرانَ بِسهولَةٍ , خَرَجَتْ الفَراشَةُ الصَغيرَةُ مِنْ مَسْكَنِها  بين أغصانِ النباتاتِ  , هيَ  ومَجْموعَةٌ منْ أَخَواتِها  الفَراشاتِ الصَغيراتِ،  وذلِكَ بَعْدَ أنْ  شَعَروا جَميعاً بالقُدْرَةِ علَى  الحَرَكَةِ والطَيَرانِ .

  كانتْ الفَراشَةُ أَجْمَلَهُمْ شَكْلاً وأَكثَرُهمْ نَشاطاً وحَركَةً ، ظَلَّتْ  تَطيرُ وتَطيرُ حتَّى لمْ  يَعودوا قادِرينَ علَى اللِحاقِ بِها , حتَّى وَجَدتْ نَفْسَها وَحْدَها دونَ أنْ تَشْعُرَ .

  لمْ  تَشْغَلْ الفراشةُ بالَها  بالبَحْثِ عنْ أَخَواتِها وقالَتْ: سَوْفَ أَبْحَثُ عنْ أَصْدِقاءَ يَليقونَ بي في النَشاطِ والجَمالِ .

 وجَدَتْ الفَراشةُ مَجْموعَةً منْ الفَراشاتِ منْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ عَنْها  أَكْثَرُ نَشاطاً وحَرَكَةً منْ قَبيلَتِها ، ولَكِنَّهُمْ أَقَلَّ جَمالاً مِنْها  .

   انْضَمَّتْ الفَراشَةُ إِلَيْهِمْ , وعاشَتْ معهمْ  , وهمْ مُرَحِّبِينَ بِها. 

بَقِيَتْ الفَراشَةُ  فَتْرةً بينَ قَبيلةِ الفَراشاتِ  هذهِ وهيَ راضِيَةٌ بِحَياتِها وَمُحِبَّةً لَها،  ومرَّتْ الأيَّامُ فَوَجَدتْ نَفْسَها  قدْ  ازْدادَ نَشاطُها،  ووَجَدَتْ نَفْسَها قدْ ظَهَرَتْ عَلَيْها أَلْوَانٌ جَميلَةٌ  أَكْثَرَ , فَشَعَرتْ بالمَلَلِ مِنْ هذهِ  القَبيلَةِ  وقالَتْ: سَوْفَ أَبْحَثُ عنْ قَبيلَةٍ أُخْرَى  تُناسِبُ قُوَّتِي وجَمَالي، فَطارَتْ  بَعيداً  دونَ أنْ تَعْرِفَ إلَى أيِّ مَكانٍ تَتَّجِهُ .

 وجَدَتْ فَرَاشَةً  جَميلَةً مِثْلَها ، وعَلِمَتْ منها أنَّها تَسْكُنُ في مَكانٍ مَلِيءٍ  بالزُهورِ والرَياحينِ والمَناظِرِ المُبْهِجَةِ ،فَطَلَبتْ مِنْها أَنْ تَذْهَبَ مَعَها , ولَكِنَّ الصَديقَةَ قالَتْ لَها:  لا يُمْكِنُ لي أنْ أَفْعَلَ ذَلكَ لأَنَّ المَكانَ الذي نَعيشُ فيهِ مُكْتَظٌّ بالفَراشاتِ ، وسَأكُونُ مَسْئولَةً عنْ رِعايَتِكِ في هَذا المَكانِ ، وهَذا ما يُكَلِّفَني جُهْداً  فوْقَ طاقَتي , وانْصَرَفَتْ عَنْها .

الفراشة الحائرة 2

طارَتْ الفَراشَةُ  وهيَ حَزينَةٌ لأَنَّها لم تَعِشْ في مَكانٍ مثْلَ الذي تَعيشُ فيهِ  صَديقَتِها  الفراشَةُ الجَميلَةُ  ؛ ولِهَذا قّرَّرَتْ تَرْكَ جَماعَةِ الفَراشاتِ تَماماً التي تَنْتَمي إِلَيْها وقالتْ :  لا عَيْشَ لي هُنا، لَقَدْ كَرِهْتُ جَمَاعَةَ الفَراشاتِ  .

 إنَّني جَميلَةٌ وجَذَّابَةٌ ،  والكُلُّ يَتَمَنَّى وُجودي وعَيْشي بِجِوارِهِ .

وَجَدتْ الفَراشَةُ عُصْفوراً جَميلاً كانَ يُغنِّي علَى غُصْنٍ جَميلٍ , يَسْتَمْتِعُ  بِنَسيمِ الجَوِّ وعَبيرِ الأَزْهارِ , وحَكَتْ لهُ قِصَّتَها  , رحَّبَ العُصْفورُ بِها وقالَ: يا مَرْحباً بِكَ أَيَّتُها الفَراشَةُ الجُميلةُ  ،  سَأَكونُ سَعيداً بِوُجودِكِ مِعي , تُؤْنِسيني في وِحْدَتي ، وَسَوْفَ أَحْمِلُكِ فَوْقَ ظَهْري وأَنا أَطيرُ ، وفي الشَتاءِ  أَحْفَظُكِ تَحْتَ جَناحي لِأَحْميكِ منْ البَرْدِ ، وعاشَتْ الفَراشَةُ معَ العُصفورِ أَيَّاماً جَميلَةً  يَتَنَـَّزهانِ  بينَ الحُقولِ ويَتَسامَرانِ ،  ويَقْتُلانِ المَلَلَ بالَلعِبِ والصُحْبَةِ الرائِعَةِ  .

وفَجْأَةً وَجَدتْ الفَراشَةُ صَديقَها العُصْفورَ هُوَ وبَعضَ العَصافيرِ الأُخْرَى وَسَطَ الشِباكِ ،  التي طَرَحَها الصَيَّادُ , لمْ تَسْتَطِعْ الفَراشَةُ مُساعَدةَ صَديقِها العُصفورِ , واسْتَطاعَتْ أنْ تَنْجو منْ الشَبَكَةِ بِمُعْجِزَةٍ .

 بَكَتْ الفَراشَةُ علَى حالِ صديقِها العُصْفورِ ولَكِنَّهُ قالَ لَها: اذْهَبي أَيَّتُها الفَراشَةُ بَعيداً , وإلاَّ وَقَعْتِ داخِلَ الشَبَكَةِ  .

 نَظَرَتْ الفَراشَةُ إلَى العُصْفورِ نظْرَةَ وَدَاعٍ  وانْصَرَفَتْ وهيَ تَقولُ :  لنْ أعودَ لِمُصاحَبَةِ عُصفورٍ أَبداً .

الفراشة الحائرة 3

مرَّتْ الفَراشَةُ علَي حِمارٍ فَسَألَها :  إلَى أيِّ مَكانٍ تَتْجَهينَ  أَيَّتُها الفَراشَةُ الجَميلَةُ  ؟   .  

حَكَتْ لهُ قِصَّتَها , فقالَ لَها:  أَلاَ تُحِبِّينَ أنْ أَكونَ لَكِ صَديقاً  ؟  .

قالَتْ الفَراشَةُ : نَعَمْ أُوافِقُ أَيُّها الحِمارُ العَزيزُ , وكَيْفَ أَرْفُضُ ذَلكَ ، وهَلْ  يُمْكِنُ أَنْ أَرْفُضَ مُرافَقَةَ صَديقٍ طَيِّبِ القَلْبِ مِثْلَكَ .

عاشَتْ الفَراشَةُ معَ الحِمارِ  حَياةً طَيِّبَةً ،  يَمْلَؤها الحُبُّ والوِئامُ , ولَكِنَّها كانَتْ  تَبِيتُ مَعَهُ في حَظيرَتِهِ ، فَكانَتْ تَتَحَمَّلَ الرَوائِحَ الكَريهَةَ المَوْجودَةَ داخِلَ الحَظيرةِ ، وكانَتْ تَجِدُ الحِمارَ لا يَشْعُرُ بالْضيقِ منْ هَذهِ الرَوائِحِ  .

وجاءَ يَوْمُ العَمَلِ ,  سارَ الحِمارُ  طُوالَ اليَوْمِ في الحَرِّ الشَديدِ , وعَرِقَ عَرَقاً شَديداً حتَّي تَغَيَّرَتْ رائِحَةُ جَسَدِهِ ,  تَضايَقَتْ الفَراشَةُ منْ رائِحَةِ الحِمارِ ومنَ  الحرِّ الشَديدِ ,  وقالَتْ  لهُ : أَلاَ  تَذْهَبْ للْاِسْتِحْمامِ  أيُّها الحِمارُ ؟   .

فقالَ  لها :  يا صَديقَتي العَزيزَةُ هَذِه حَياتي وأَنا سَعيدٌ  بِها ,  لنْ  أَذْهَبَ للاِسْتِحمامِ   إلاَّ بعدَ  إتْمامِ  كلِّ المَهامِّ  المَطْلوبةِ مِنِّي  , ولا  يُمْكنُ ليَ الهُروبَ  منْ العَمَلِ ،  وإنْ كُنْتِ لا تَتَحَمَّلي هَذهِ المعَيشَةِ  فَدَعيها  .

الفراشة الحائرة 4

 حينَئِذٍ شَعَرتْ  الفَراشَةُ بِوجودِ فارِقٍ كَبيرٍ بَيْنَ حَياتِها وبَيْنَ حَياة الحِمارِ،  وقالَتْ:  وَداعاً يا صَديقي الحِمارُ ,  وَدَّعَها الحِمارُ وهُوَ حَزينٌ علَى فِراقِها فَقَدْ كانَتْ خيرَ مُؤْنِسٍ لَهُ .

طارَتْ الفَراشَةُ بَعيدًا  وبَعيدًا ، وهِيَ لا تَعْرِفُ إلَى أيِّ مَكانٍ تَتَّجِهٌ , وإلَى أيِّ  صَديقٍ تذْهَبُ  .

وَجَدتْ الكَلْبَ يَعيشُ فَفَرِحَتْ فرحاً شَديداً بهِ  , وقالَتْ: إنَّ الكَلْبَ أَوْفَى الحَيواناتِ , وسَأَكونُ سَعيدَةً بِمُصاحَبَتِهِ ، وطَلَبَتْ الفَراشَةُ مِنْ الكَلْبِ أنْ تكَونَ صَديقَتَهُ ،  لمْ يُفَكِّرَ الكَلْبُ لَحْظَةً أنْ يَرْفُضَها ،  وقالَ لَها : يا مَرْحبًا بِكِ  أَيَّتُها الفَراشةُ ،  هَلْ يُمْكِنُ  لي أَنْ أَرْفُضَ صداقةَ  فَراشَةٍ جَميلَةٍ مِثْلَكِ . 

عاشَتْ  الفَراشَةُ معَ الكَلبِ حَياةً جَميلةً هادِئَةً مَليئَةً  بالحُبِّ والصَداقَةِ والتَفاهُمِ  .

وذاتَ يَوْمٍ رَأى الكَلْبُ  ومَعَهُ جَماعَةٌ منْ الأَصْدِقاءِ ذِئْباً يُحاوِلُ أنْ يَفْتَرِسَ  أَغْنامَ صاحِبِ المَزْرَعَةِ التي يَحْرُسُها الكَلْبُ  .   وأَسْرَعَتْ الكِلابُ  خَلْفَ الذِئْبِ   وحاوَلَتْ  الفَرَاشَةُ اللِحاقَ بِهِمْ , ولَكَنَّها لمْ تَسْتَطِعْ ,  و اصْطَدَمَتْ بِبَعْضِ أَعِوادِ الذُرَةِ الموْجودَة في الحَقْلِ ، فَوَقَعَتْ علَى الأَرْضِ وهِيَ  تَتَأَلَّمُ ، وبَعْدَ أنْ اسْتعادَتْ قُوَّتَها قالَتْ:  كَيْفَ لي أنْ أَعيشَ بِهذه الطَريقِةِ ، إِنَّني سَأُدَمِّرُ نَفْسِي  .

الفراشة الحائرة 5

ولهَذا قَرَّرَتِ  الفَراشَةُ تَرْكَ  الكَلْبِ , وقالَتْ مُخاطِبَةً نَفْسَها :  كانَ يُمْكِنُ  لي أنْ أَنْتَظِرَهُ حتَّى يَعودَ ,  ولَكِنَّني أَكَرَهُ هذِه الصِراعاتِ و أكرَهُ لَوْنَ الدِماءِ ، ولَنْ أَسْتَطيعَ التَعايُشَ معَ  الكَلْبِ  أَبَداً ؛  إِنَّهُ مُعَرَّضٌ  لهذه الصراعات في كُلِّ وَقْتٍ  .

غادَرَتْ الفَراشَةُ المَكانَ، وظَلَّتْ تَطيرُ دونَ أنْ تَعْلَمَ إلَى أيِّ مَكانٍ  تَتْجَهِ ،  و أَثْناءَ طَيَرانِها اصْطَدَمَتْ  بنَحْلَةٍ  فَوَقَعا عَلى الأَرْضِ سَوِيَّاً ولمَّا  اسْتراحا , حَكَتْ  الفَراشَةُ  للْنَحْلَةِ قِصَّتًها ,  فقَالَتْ لَها النَحْلَةُ : أَتَمَنَّي أنْ تَكوني صَديقَةً لي , تُصاحِبيني في التَنَقُّل بَيْنَ الزُهورِ , فَطَريقُنا وَحَياتُنا واحِدَةٌ  , وَمرْحَباً بِكِ ضَيْفاً عَزيزاً عَلَيْنا , سَتَعيشينَ مَعَنا سَعيدَةً هَنيئَةً , واتَّجَهَتْ الفَراشَةُ معَ  النَحْلَةِ لِتَسْكُنَ في الخَلِيَّةِ .

ووَجَدَتْ  الفَراشَةُ  اهْتْماماً  كَبيرًا مِنْ الشَغَّالاتِ . 

والْتَفَّ عَدَدُ كَبيرٌ مِنْهُمْ حَوْلَها ، ولَمَّا سَأَلَتْ  النَحْلَةَ عنْ ذَلكَ ؟

 قالَتْ لَها : إِنَّكِ ضَيْفٌ جَديدٌ علَى الخَلِيَّةِ  , فَلاَ بُدَّ أنْ يَفْحَصوكِ ، هَلْ أنْتِ  صَديقَةٌ أمْ عَدُوَّةٌ ، وبِالتَأْكيدِ سَيَتأَكَدونَ أَنَّكِ صَديقَةٌ ، وسَوْفَ يَهْتَمُّونَ بِكِ ويُكْرِمونَكِ  ,  لا تَقْلَقي . وسُرْعانَ ما انْصَرَفوا عَنْها وانْشَغَلوا بأَعْمَالِهِمْ .

الفراشة الحائرة 6

عاشَتْ الفَراشَةُ معَ خَلِيَّةِ النَحْلِ  وهِيَ لا تؤدِّي دَوْراً  في الخَلِيَّةِ ، ولَكِنَّها  ضَيْفُ شَرَفٍ لا تَضُّرُ ولا تَنْفَعُ ،  ولِهَذا عاشَتْ مَعَهُمْ في أَمانٍ وسَلامٍ .

وجاءَ دَوْرُ تَلْقيحِ المَلِكَةِ ,  حيثُ تَخْرُجُ  الملكة ويَخْرُجُ خَلْفَها كُلُّ الذُكورِ لِتَلْقيحِها, فَتَظَلُّ المَلِكَةُ تَطيرُ حَتَّي يَموتَ الضَعيفُ منْ الذُكوِر منْ كثرَةِ الطَيَرانِ ,ثُمَّ يبَقْي الأَقْوِياءُ مِنْهُمْ , فَيَقومُ بِتَلْقيحِها أَكْثرَهُمْ قُوَّةً وقُدْرَةً علَى اللِحاقِ بِها , وتَعودُ المَلِكَةُ وَحْدَها ,وتَقِفُ الشَغَّالاتُ علَى مَدْخَلِ الخَلِيَّةِ , ثُمَّ تَقومُ بِقَتْلِ كُلِّ الذُكورِ العائِدَةِ لأَنَّها لمْ  تَعُدْ لَها فائِدَةٌ سِوَى أَكْلِ العَسَلِ فَقَطِ  , عَلِمَتْ الفَراشَةُ منْ صَديقَتِها الشَغَّالَةُ بِأَنِّ الشَغَّالاتِ سَوْفَ تَقوُم بِالقَضاءِ عَلَيْها هِيَ الأُخْرى لِأَنَّها لا فائِدَةَ لها داخِلَ الخَلِيَّةِ سِوَى أَكْلِ العَسَلِ مِثْلَ الذُكورِ ،  وَطَلَبَتْ مِنْها أنْ تَهْرَبَ بِسُرْعَةٍ قَبْلَ أنْ يَقْضوا عَلَيْها  .

ونَجَتْ الفَراشَةُ منْ المَوْتِ بِأُعْجوبَةٍ قَبْلَ أنْ تَلْحِقْ بها الشَغَّالاتُ  .

ظَلَّتْ تَطيرُ وتَطيرُ وهِيَ حَيْرانَةً وحَزينَةً  مِمَّا حَدَثَ  لَها حَتَّى تَعِبَتْ واسْتَراحَتْ  علَى غُصْنٍ جَميلٍ .

  وَبْعدَ أنْ  الْتَقَطَتْ أَنْفاسَها , قالَتْ : لمْ يَعُدْ لي مَكانٌ إلاَّ معَ أَبْناءِ قَبيلَتي التي نَشَأْتُ بَيْنَهُمْ  , وهِيَ قَبيلَةُ الفَراشاتِ ، وبَيْنَما هِيَ تُفَكِّرُ في ذَلكَ , إذْ وَجَدَتْ فَراشَةَ وَرَقَةِ القُطْنِ , فَنَسِيَتْ ما فَكَّرَتْ فيهِ وأَعْجَبَتْها الحَياةُ الجَديدَةُ معَ فَراشَةِ وَرَقَةِ القُطْنِ , فَحَكَتْ لِلْفَراشَةِ قِصَّتَها ، رَحَّبَتْ بها فَراشةُ القُطْنِ ،  وقالَتْ : سَأكونُ سَعيدَةً جِدّاً بِكِ  ,أَنْتِ  لَطيفَةٌ وصَديقَةُ مُؤْنِسَةٌ لي .

 وعاشَتْ مَعَها الفَراشَةُ وهِيَ سَعيدَةٌ بِها ، فَهُناكَ تَشابُهٌ بيْنَهُما في أَشْياءَ كَثيرَةٍ ، ولَكِنَّ الفَراشَةَ وَجَدَتْ أنَّ فَراشَةَ القُطْنِ تَضَعُ بَيْضَها أَسْفَلَ وَرَقَةِ القُطْنِ الذي يَفْقِسُ عنْ  المِئاتِ منْ البَيْضِ الذي يُخْرِجُ  دُودَةَ القُطْنِ التي تُؤْذي مَحْصولَ القُطْنِ وَيَضُرُّ الإِنْسانَ .

سَألَتْها الفَراشَةُ لِماذا تَفْعَلي ذَلكَ ؟   أَلا تَضَعي بَيْضَكِ في مَكانٍ آَخَرَ فَتَخْرُجُ اليَرَقاتُ التي تَتَغَذَّى علَى  ورَقِ نَباتٍ آخَرَ , بَدَلاً منْ أنْ تٌفْسِدي مَحْصولاً مُهِمّاً مِثْلَ مَحْصولِ القُطْنِ الذي يَحْصُلُ مِنْهُ الإِنْسانُ علَى القُطْنِ الجَميلِ الذي يَصْنَعُ مِنْهُ المَلابِسَ  الراقِيَةَ التي تَحْميِه منْ حرِّ الصَيْفِ وبَرْدِ الشِتاءِ  ؟

قالَتْ الفَراشَةُ  :  وما لَكَ أَنْتَ ومالَنا ؟  إنَّ هَذهِ حَياتُنا , ونَحْنُ سُعَداءُ بِها  أَرْجوكِ  لا تُكَدِّري عَلَيْنا حَياتَنا , إمَّا أنْ تَعيشي مَعَنا راضِيَةً بِحَياتِنا أوْ تُفارِقينا .  

شَعَرَتْ  الفَراشَةُ بالخِزْي مِنْ  هَذا العَمَلِ المُضِرِّ ، وقالَتْ:  أَنا لَسْتُ كَذَلِكَ ، أَنا لا أُحِبُّ أَنْ أَكونَ مَصْدَرِ فَسَادٍ أَبداً ، ولا أُحِبُّ أنْ أُشارِكَ منْ يَضُرُّونَ الآَخَرينَ  ,  ثمَّ تَرَكَتْ الفَرَاشَةُ  الجَميلةُ فَراشَةَ القُطْنِ , وهِيَ تَقولُ لَها: وَداعاً  يا صَديقَتي ، لن  نتفق أَبَداً .

  حَزِنَتْ فَراشَةُ القُطْنِ عَلى وَداعِها , ولَكِنَّها قالَتْ لَها: أَنْتَ وشَأْنَكِ    .

طارَتْ الفرَاشَةُ بَعيداً  وهيَ  في حيرَةٍ منْ أَمْرِها وهِيَ تُفَكِّرُ كَثيراً , وقالَتْ:  لَقدْ أَخْطَأْتُ كَثيراً  فيما قُمْتُ بهِ منْ مُغامَراتٍ ، ولَكِنِّي الآنَ تَأَكَّدْتُ أَنَّنِي لا بُدَّ أنْ  أَعيشَ بينَ جَماعَتِي الأَصْلِيَّةِ  وبَيْنَ  إِخْوَتي منْ الفَراشاتِ التي تُحِبُّني وأُحِبُّها , وتَشْتَرِكْ مَعي في كُلِّ شَيْءٍ .

  وظَلَّتْ الفَراشَةُ تَطيرُ وهِيَ  حَزينَةٌ عَلى مُغادَرَتِها لِمَجْموعَتِها , وقَالَتْ: إِنَّها تَجْرُبَةٍ  اسْتَفَدْتُ مِنْها كَثيراً ، ويَجِبُ أنْ أَتَعَّلمَ أَكْثَرَ ، وأنْ أَتَمَسَّكَ بِجَماعَتي أَكْثَرَ ويكونَ لي دَوْرٌ  فيها ،  فَلَنْ أَسْتَطيعَ الحَياةَ بِدونِها .

ظَلَّتْ الفَراشَةُ تَبْحَثُ عن قبيلتها الأَصْلِيَّةِ حَتَّى تَعِبَتْ،  ولَكِنَّها لمْ تَيْأَسْ منْ البَحْثِ ،  وقالَتْ: كَما كُنْتَ أَتْعَبُ قبْلَ ذَلكَ للْبَحْثِ عنْ مَكانٍ جَديدٍ , يَجِبْ أنْ أَتْعَبَ أَيْضاً في البَحْثِ عنْ قَبيلَتي الأَصْلِيَّةِ ، 

ومعَ ذَلكَ  لمْ تَجِدْها ,  ولمْ تَجِدْ لَها أَيَّ أَثَرٍ .

وذاتَ يَوْمٍ وَجَدَتْ الفَراشةُ مَكَاناً جَميلاً بهِ أَغْصانٌ جَميلَةٌ وفَراشاتٌ جٌميلَةٌ، أَغْراها المَنْظَرُ الجَذَّابُ ، ولَكِنَّها  قالَتْ : أَلَمْ أَتَعَّلمُ ممَّا حَدَثَ  .

  لَقَدْ جَرَّبْتُ العَيْشَ مَعَ الجَميعِ ولَكِنَّني لمْ أَسْتَطِعْ .

ثمَّ قالَتْ: إنَّ هَذهِ القَبيلَةِ منْ نَفْسِ عائِلَةِ قَبيلَتي ، فَهِي أَقْرَبُ لي وأَنا أَقْرَبُ لَها , ثمَّ قالَتْ : لنْ أَخْسَرَ شَيئاً ، سَأُجَرِّبُ حَظِّي هَذهِ المَرَّةِ. 

 وأَثْناءَ دُخولِها إلَي هَذا المَكانِ الجَذَّابِ  ، الْتَقَتْ بِبَعْضِ الفَراشاتِ الجَذَّابَةِ   ووَجَدَتْ أنَّ الفَراشاتِ قَدْ فَرِحَتْ بِوُجودِها ,  وقامَتْ بالتَرْحيبِ بِها  , وكأنهم يعرفونها .

 فَقالَتْ: مَنْ أَنْتُنَّ أَيَّتُها الفَراشاتُ الجَميلاتُ ؟   .

 فَقُلْنَ  : نَحْنُ  أَخَواتُكِ , أيْنَ ذَهَبْتِ ؟  لَقَدْ بَحَثْنا عَنْكِ طَويلاً ولَمْ نَجِدْكِ .

تَعَجَّبَتْ كَثيراً  وقَالَتْ : لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ  وأَنْتُمْ عَلى غَيْرِ هَذا الشَكْلِ الجَميلِ ،   قالوا : إِنَّنَا كَبُرْنا  يا عَزيزَتي ،  وهَذِه صِفاتٌ وِراثِيَّةٌ في قَبيلَتِنا ،  وقَدْ ازْدَدْنا قُوَّةً ونَشَاطاً. 

تَعَجَّبَتْ الفَراشَةُ  مِمَّا حَدَثَ  ، ولامَتْ نَفْسَها لأَنَّها تَرَكَتْ قَبيلَتَها وأَخَواتِها، وقالَتْ : إنَّهُ دَرْسٌ يَجِبُ ألاَّ أَنْساهُ أَبَداً .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!