الفرق بين إِمَّا – أَمَا -أمَّا
الفرق بين إِمَّا - أَمَا -أمَّا

أبو أنس أشرف بن يوسف حسن





من حروف العطف التي ذكرها ابن آجروم رحمه الله: (إِمَّا)، وهي بكسر الهمزة[1]، وتشديد الميم[2]، و(إما) من الحروف التي يجب تكرارها في الجملة الواحدة[3]، فتقول: امنح السائلَ إمَّا درهمًا، وإما درهمين.

فأما (إِمَّا) الأولى فلا خلاف بين أحد من النحاة في أنها غير عاطفة[4]؛ وذلك لأنها قد تقع بين العامل ومعموله[5]؛ ولهذا يُعرب ما بعدها على حسب حاجة العوامل التي قبلها، فقد يكون:

1 – فاعلًا، في مثل: قام إما زيدٌ، وإما عمرو.

2 – وقد يكون مفعولًا، في مثل: تزوَّج إما هندًا، وإما أختها.

3 – وقد يكون حالًا، في مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3].

4 – وقد يكون بدلًا، كما في قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ ﴾ [مريم: 75][6].

واختلفوا في (إما) الثانية:

فمذهب أكثر النحاة: أنها حرف عطف بمعنى (أو)، فيكون معنى: (وإما درهمين) في المثال المذكور: (أو درهمين)، وأما الواو التي قبلها فيقولون: إنها زائدة، لا عمل لها[7]؛ لئلا يلزم دخول العاطف على العاطف.

وذهب أبو علي الفارسي، وابن كَيسان، وابن برهان، وابن مالك[8]، والرماني، وابن درستويه، وابن عصفور، وابن السراج، والجرجاني[9]، وابن هشام[10] إلى أن العاطف هو الواو السابقة لـ(إما)، والملازِمة لها، وأن (إما) الثانية ليست حرف عطف؛ لأنها تقع دائمًا بعد الواو العاطفة بغير فاصل بينهما، ومن المقرَّر أن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف مباشرةً؛ إذ لا يصحُّ أن يتوالى حرفان للعطف من غير فاصل، وإلا لكان أحدهما لغوًا[11].

والرأي الأرجح الذي يجدر الأخذ به هو: أن (إما) الثانية كالأولى في المعنى والحرفية، وفي أنها ليست حرف عطف؛ لأن العاطف هو الواو، وعليه فتكون حروف العطف تسعة، لا عشرة.


و(إما) الثانية[12] – سواء كان القول الراجح أنها عاطفة، أم غير عاطفة – فإن لها عدةَ معانٍ، هي نفس المعاني التي تأتي لها (أو) العاطفة[13]، وهي:

1 – أنها إذا جاءت بعد الطلب[14]، كان لها أحد معنيين:

أ – التخيير؛ نحو قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ [الكهف: 86][15]، ونحو: تزوَّج إما هندًا، وإما أختَها.

ب – والإباحة؛ نحو قولك: كُلْ إما عنبًا، وإما تفاحًا، ونحو: جالس إما زيدًا، وإما عمرًا.


2 – فإذا جاءت بعد الخبر، فإنها كـ(أو)، إما أن يكون معناها:

أ- الشك؛ نحو: احتجبت الشمس وراء الغمام إما ساعتين، وإما ثلاثًا، ونحو: قابلت اليوم إما صالحًا وإما سعيدًا، إذا كنتَ شاكًّا أيَّهما قابلت[16].

ب- أو الإبهام على السامع[17]؛ نحو قوله تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 106][18]، ونحو قولك: إني إما على حق، وإما على باطل، وأنت تعرف أنك على حق، أو على باطل، لكنك تريد أن تُبهم على السامع.

ج- أو التفصيل والتقسيم[19]؛ نحو قوله تعالى في الإنسان: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3][20]، ونحو: الكلمة: إما اسم، وإما فعل، وإما حرف[21].

ولا تكون (إما) الثانية للإضراب؛ أي: لا تكون بمعنى (بل)، ولا معنى واو العطف، فبهذين المعنيين تختص (أو)[22].


____

[1] احترازًا من (أَمَّا) بفتح الهمزة، وانظر: تفصيل الكلام عليها في (مغني اللبيب) 1/ 351 – 376.

[2] احترازًا من (أَمَا) بتخفيف الميم، وانظر: تفصيل الكلام عليها في (مغني اللبيب) 1/ 343 – 351.

[3] كما سيأتي إن شاء الله تعالى عند التمثيل عليها، إلا أنه قد يُستغنى عن (إما) الثانية بذكر ما يُغني عنها، وذلك بكلام يقع موقعها مع المعطوف الذي تدخل عليه، ويغلب أن يكون أحد شيئين: (وإلا، أو)، فمثال الأول: إما أن تتكلم بخير وإلا فاسكت؛ أي: وإما أن تسكت.

ومن ذلك أيضًا: قول المثقَّب العبدي:

فإما أن تكون أخي بحقٍّ
فأعرف منك غثِّي من سميني
وإلا فاطَّرحني واتخذني
عدوًّا أتَّقيك وتتقيني
والأصل: وإما أن تطَّرحني.

ومثال الثاني: قول ابن مالك رحمه الله في ألفيته: باب العطف، البيت رقم (534):

العطف إما ذو بيان أو نسق

ومن ذلك أيضًا: قول خالد بن صفوان – وهو ممن يُحتجُّ بكلامهم -: إما أن تقيم في مُلكك، فتعمل بطاعة ربك… أو تضع تاجك، وتلبس أمساحك، وتعبد ربَّك في هذا الجبل.

[4] وإنما هي مجرد حرف يؤدي أحد المعاني الخمسة الآتي ذكرها، وقد نقل هذا الاتفاق ابن هشام رحمه الله في (مغني اللبيب) 1/ 385.

[5] كما أننا إذا قلنا: إن (إما) الأولى عاطفة فأين المعطوف عليه؟! قال ابن الشجري في (أماليه) 2/ 344: ولا يجوز أن تكون (إما) الأولى عاطفة؛ لأنها تقع بين العامل والمعمول؛ كقولك: خرج إما زيدٌ وإما بكرٌ، ولقيت إما زيدًا، وإما بكرًا، فهل عطفت الفاعل على رافعه، أو المفعول على ناصبه؟! ا هـ.

[6] فـ(العذاب) هنا بدل من (ما) في (ما يوعدون).

[7] وهي لازمة لـ(إما)، لا تنفك عنها.

[8] فقد عد رحمه الله في (شرح التسهيل) 3/ 343 حروف العطف، ثم قال: وليس منها – أي: من حروف العطف – (لكن)؛ وفاقًا ليونس، ولا (إما)؛ وفاقًا له، ولابن كيسان، وأبي علي؛ ا هـ.

[9] قال رحمه الله: عدُّها – أي: إما – في حروف العطف سهوٌ ظاهر؛ ا هـ.

[10] قال رحمه الله في (القطر) صـ 315: وقد تضمَّن سكوتي عن (إما) أنها غير عاطفة، وهو الحق؛ ا هـ.

[11] وقال ابن الشجري في (أماليه) 3/ 344: لا يجوز أن تكون (إما) الثانية عاطفة؛ لأن الواو معها، وهي الأصل في العطف، فإن جعلت (إما) عاطفة فقد جمعت بين عاطفين؛ ا هـ، وأضاف المرادي: ولأن وقوعها بعد الواو، مسبوقة بمثلها، شبيه بوقوع (لا) بعد الواو مسبوقة بمثلها في مثل: لا زيد، ولا عمرو فيها، و(لا) هذه غير عاطفة بإجماع، فلتكن (إما) كذلك؛ إلحاقًا للنظير بالنظير؛ ا هـ.

[12] فالمعاني التي سنذكرها الآن إن شاء الله إنما هي لـ(إما) الثانية، كما هو صريح الألفية، ولكن لا مانع من نسبتها للأولى أيضًا؛ لتلازمهما، وانظر: الدماميني صـ 130.

[13] فأصل وضع (إما) لأحد الشيئين أو الأشياء نظير ما يأتي في (أو)؛ ولذلك يقول ابن مالك رحمه الله في ألفيته، باب عطف النسق، البيت رقم (553):

ومثل (أو) في القصد (إمَّا) الثانية

أي: في المعنى المقصود، لا العطف.

[14] ولكن لا تستعمل (إما) بعد النهي من أنواع الطلب.

قال ابن الشجري: واعلم أن (إما) لا تقع في النهي، لا تقول: لا تضرب إما زيدًا، وإما عمرًا؛ لأنها تخيير، فكيف تخيِّره وأنت قد نهيته عن الفعل؟ فالكلام إذًا مستحيل؛ اهـ.

[15]قال الدماميني 1/ 131: فخُيِّر بين تعذيبهم بالقتل إن أصروا على الكفر، وبين اتخاذ الحسنى فيهم بإكرامهم وتعليم الشرائع إن آمنوا؛ ا هـ، وانظر: (أمالي ابن الشجري) 2/ 343.

فإن قلت: (إما) التي للتخيير لا بد أن تكون واقعةً بعد الطلب، ولا طلب في الآية؟

قلنا: التقدير – والله أعلم -: قلنا يا ذا القرنين افعل: إما أن تعذب، وإما أن تتخذ؛ فـ(أن) وصِلَتها بعد (إما) الأولى في محل نصب على المفعولية.

ومن كون (إما) للتخيير كذلك: قولُه تعالى: ﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ [محمد: 4]، وقوله عز وجل: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف: 15]، وانظر: أمالي ابن الشجري 2/ 334، والدماميني 1/ 131، والبحر 7/ 258، والكشاف 2/ 439، والمقتضب 1/ 11.

[16] الفرق بين (أو)، و(إما) في إفادة هذا المعنى؛ أنك إذا قلت: جاءني زيد أو عمرو، وقع الخبر في (زيد) يقينًا حتى ذكرت (أو)، فصار فيه وفي عمرو شك، و(إما) تبتدئ بها شاكًّا، وذلك قولك: جاءني إما زيد، وإما عمرو؛ أي: أحدهما، وانظر: المقتضب 1/ 11، وأمالي ابن الشجري 2/ 344.

[17] وهو الذي يعبرون عنه بالتشكيك.

[18] فقد جاءت هذه الآية على صورة لا يستطيع القارئ معها الجزم بأحد الشيئين: العذاب أو التوبة.

قال الدماميني 1/ 131: فالله تعالى أعلم بحقيقة حالهم، وما يؤول إليه أمرهم، لكن أبرز الكلام في قالب لا يجزم السامع معه بأحد الأمرين معينًا؛ ا هـ.

وقال القرطبي رحمه الله في تفسيره 4/ 3091: (إما) في العربية لأحد الأمرين، والله عز وجل عالم بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون؛ أي: ليكن أمرهم عندكم على الرجاء؛ اهـ. وانظر، الهمع 2/ 135.

[19] و(إما) في هذه المعاني الخمسة كـ(أو) إلا أن (إما) – كما تقدم – يجب تكرارها، و(أو) لا تتكرر.

[20] وفي (التبيان) للعكبري 2/ 1257: (إما) هاهنا لتفصيل الأحوال؛ ا هـ.

[21] وبِناءً على الذي رجَّحناه من كون (إما) الثانية ليست حرف عطف، وأن الواو قبلها هي العاطفة، فإن إعرابها يكون كالتالي: حرف تخيير، أو حرف إباحة، أو حرف يدل على الشك، أو يدل على الإبهام، أو حرف تفصيل… حسب معناها، مبني على السكون، لا محل له من الإعراب، وكذا يقال في إعراب (إما) الأولى، فعلى سبيل المثال تُعرب (إما) الأولى والثانية في قوله تعالى: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ [محمد: 4]: حرف تخيير، بينما تُعرب الواوُ قبل (إما) الثانية حرفَ عطف.

[22] وعلى كون (إما) لا تأتي بهذين المعنيين من معاني (أو) – اتفق النحاة.

الفرق بين إِمَّا - أَمَا -أمَّا 1
الفرق بين إِمَّا - أَمَا -أمَّا 4

error: المحتوى محمي !!