اللغة العربية

الفهم وانصهار الأفق التاريخي تكسير لاغتراب نص الغابر الظاهر

bouzafour
  1. تقديم
  2. فهم مقاصد وأهدا المؤلف: (12)
  3. استخلاصات:

تقديم

عندما تؤدي المسافة الجغرافية و التراكمات التاريخية و الغيرية الثقافية إلى تعميق غربة النص أو تراجع درجة الفته بالنسبة للقارئ، خاصة في غياب تكافؤ المعنى في ترجمة دلالة سياق ثقافي معين إلى سياق ثقافي آخر، تتضاءل فرص الفهم والتي لا يمكن تعديلها إلا في إطار تأويل متعدد الأبعاد. حينذاك تصبح ضرورة وجود فن مخصوص لهذه الغاية أمرا لازما. وهذا الفن هو الهيرمينوطيقا أو فن التأويل الذي تبرز حيويته عندما يتم تشكل المعنى في تراث معين. وحيثما وجد الابتكار الدلالي الذي يقوم على تأويل النصوص في سياق مخالف لسياق مؤلفها وجمهورها الأول من اجل اكتشاف أبعاد جديدة للواقع عبر الفهم الحاضر باستحضار الماضي ليس كشكل مستنسخ، وإنما عبر انصهار الأفق التاريخي للنصين( الحضر و الغائب).من هنا يعتبر مبحث الهيرمينوطيقا من المباحث التي تقوم على مبدأ شرح النصوص الغامضة و المنغلقة أمام الفهم.
نحت مصطلح الهيرمينوطيقا hermeneutike من اشتقاقات لغوية إغريقية قديمة “ينتمي معنى فعل (هيرمينويان hermineuein ( في اللغة الإغريقية القديمة، إلى أسماء موصوفة أو نعوت من نفس العائلة اللغوية )هيرمينياherminia (، و(هيرمينوس hermeneut)، و(هيرمينوطيس hermeneuts)، وهيرمينوطيكوس hermineutik)، ومن هذه الاشتقاقات اللغوية جاء لفظ (هيرمينوطيقا hermineutique) (1).
ومن معاني هذا المصطلح “التعريف و الشرح و الترجمة والتأويل و التعبير”(2)؛ وقد عرف المصطلح مع ظهور إشكاليات تفسير وتأويل الكتاب المقدس عند المسيحيين و اليهود، وأصبح تقديم تفسير للخطاب الديني أكثر عمقا، وإخراجه من المضمر إلى الجلي والواضح أمرا ملحا، سواء لغاية إفهامية أو حجاجية، أم للدفاع عنه بحسب ما تقتضيه التيارات المذهبية العقائدية.
وعليه فالتأويل فن يهتم بتفسير وترجمة النصوص، وهي عملية تفكيك وإعادة البناء « طريقة للاشتغال على النصوص بتبيان بنياتها الداخلية والوصفية و وظيفتها المعرفية والمعيارية؛ والبحث عن حقائق مضمرة في النصوص وربما مطموسة للاعتبارات تاريخية وإيديولوجية، مما يجعل فن التأويل يتلمس البدايات الأولى و المصادر الأصلية لكل تأسيس معرفي و برهاني وجدلي”(3).
هكذا، تركز اهتمام الشراح على التفسير التاريخي والأخلاقي والإنساني من خلال مستويات أربعة:
1- الحرفي أو التاريخي.
2-الأخلاقي أو المجازي.
3- الكنائي أو الرمزي.
4- الباطني أو الصوفي.
من هنا، نلاحظ مدى انفتاحهم على الهيرمينوطيقا التوراتية الجديدة التي تقوم على المزج بين العلوم الفيلولوجية الكلاسية و التفسير القديم (**). بعد ذلك ستظهر الهيرمينوطيقا الحديثة مع الرومانسية الألمانية، حيث سيأخذ البحث الهيرمينوطيقي اتجاهين أساسين:
-1الهيرمينوطيقا العلمانية.
-2 الهيرمينوطيقا الدينية (4).
فالأولى هيرمينوطيقا علمنة الأسطوري، والثانية هيرمينوطيقا استرجاع المعنى (5)، وسيحدد “ف.شليرماخر F.Shleirmacher” بالنسبة للهيرمينوطيقا العلمانية مظهرين متكاملين من التأويل :
1-المظهر التنجيمي Divination ويتميز بنوع من الحدس الباطني، وهو المتصل بذات المؤول وبتجاربه الخاصة.
2- المظهر المقارن
Comparatiste وهو مشيد على الدراسة اللغوية و التاريخية (***) (6)

وسترتبط أيضا الهيرمينوطيقا بالفينومينولوجيا مع “مارتن هايدجر M.Heidegger”، متخذة طابعا وجوديا يكشف عن الوجود نفسه للذات المؤولة باتصال الوعي ببنية الظواهر المحددة اتصالا مباشرا(****) ؛ لتبلغ بعد ذلك الهيرمينوطيقا أوجها مع “هانز جورج غادامير Hans-Georg-Gadamir” الذي يعد بحسب الدارسين من الرواد المتميزين بعد ملهمه “مارتن هايدجر M. Heidegger “.

ومادمنا سنركز في مقاربتنا لقصة ” الغابر الظاهر” للقاص المغربي “أحمد بوزفور” على هيرمينوطيقا “غادامير Gadamir” وبخاصة مفهوم الفهم و الأفق التاريخي عنده، باعتباره آلية تأويلية تروم تكسير الاغتراب الّذي قد يشعر به القارئ إزاء القصة حتى يجعلها مألوفة، ومن ثم يحقق فهما يقوم على رصد افقها التاريخي وصيغة اندماجها مع الأفق الفردي للمتلقي.
إن مفهوم الفهم عند “غادامير Gadamir ” لا يقوم لوحده، بل تحضر إلى جانبه مفاهيم الحوار والتفسير كمرتكزات نظرية تعززها العلاقة التي تقوم بينها أثناء المقاربة التأويلية (الهيرمينوطيقية)، وتلك العلاقة ليست بتراتبية وإنما هي جدلية ” التفسير يتطلب دائما الفهم وينطوي عليه بالضرورة، والفهم بدوره لا يمكن أن يكون فهما حقيقيا، إلا من خلال الحوار: فالفهم لن يتحقق من خلال نزعة منهجية تحاول فيها الذات الاستحواذ على الموضوع وإخضاعه لقواعد منهجية، بل عبر حوار تنفتح فيه الذات على الموضوع أو الأنا على الآخر بهدف الوصول إلى اتفاق مشترك نشعر معه بالألفة” (7)

ونجد ارتباط الفهم بالحوار أصلا مع “و.ديلتاي W.Dilthey” الذي لا يعتبر الفهم مجرد عملية معطاة مسبقا وخارجة عن ذات المؤلف إذ إن ” بين المتلقي والنص الأدبي شيئا مشتركا هو تجربة الحياة (…) ، و عملية الفهم تقوم على نوع من الحوار بين تجربة المتلقي الذاتية و التجربة الموضوعية المتجلية في الأدب”(8).فما يقوم به المفسر مع النص هو ذلك الحوار الذي يكشف المضمر و يجلي المحجب. ” إن مهمة الفهم و التفسير هي كشف المتحجب، أي اكتشاف ما لم يقله النص من خلال ما يقوله بالفعل، وهذا يتم من خلال الحوار الذي يقيمه المفسر مع النص” (9) ولكن يبقى هذا التفسير و صفيا (ظاهريا).

إذن، فالتفسير هو وصف للفهم، ويبدأ من فهمنا لطبيعة ما يعطانا بوصفه متحجبا و ليس جاهزا، فهو وصف لعملية الفهم”(10).بذلك، فالفهم لوحده عند “غادامير Gadamir” لا يكفي، بل يأتي الحوار ليكمله ويثريه “كل حوار حقيقي يستلزم أن نميل بالإنصات إلى الآخر ونمنح رأيه اهتماما خاصا ونلج إلى فكره لنفهم ما يقوله و يعبر عنه”(11).

و يميز بين نوعين من الفهم:
1 – الفهم الجوهري : و هو فهم محتوى الحقيقة) التي تنكشف بقراءة النصوص).
2 – الفهم المقصدي

إقرأ أيضا:ظهور الاهتمام باللغة و اكتسابها



فهم مقاصد وأهداف المؤلف: (12).



ولمزيد من الإبانة يوضح مفهوم الفهم بشكل جلي من خلال الفن كتجربة و خبرة في إطار الشروط الاجتماعية للفرد/المتلقي، الذي لا يجعله “غادامير” منفعلا و متأثرا بالأثر الفني، بل أيضا فاعلا فيه. إذ هو الذي يضفي على هذا الأثر صفة الوجود الفعلي للأثر الفني كشرط ضروري لتحققه ” تنشأ إذا، حلقة شرطية ((Cercle Conditionnel تمنح للأفراد سلطة تقييم و إضافة المعنى على الأثر الفني، وتمنح لهذا الأخير سلطة إشراك الأفراد ضمن حقيقة يحيها هؤلاء “(13).

هكذا، فعملية الفهم تتم من خلال العمل الأدبي، ومعايشة التجربة المعبر عنها في النص عن طريق متخيل يحيل على تجارب ومواقف في تجربتنا الذاتية. من ثم فهي عملية تحاول تجاوز محدودية تجربتنا الذاتية بالانفتاح على عالم النص من أجل إثراء خبراتنا الشخصية. إن تجربة الفن إمكانية أساسية للإمساك بالحياة إمساكا يتعالى عن الزمن و التاريخ ” لا نستطيع الإمساك بالحياة إلا من خلال وحدات المعنى التي ترتفع فوق السيلان الدائري للتاريخ”(14).

إذن، يشكل مصطلح الفهم معبرا أساسيا لولوج عالم “غادامير Gadamir” الهيرمينوطيقي، ومفتاحا رئيسيا لرؤيته التأويلية، وهذا الفهم مرتبط (بالأفق التاريخي) للمؤلف المتلقي والنص معا، لذلك فهناك انصهار لأفق التوقع وافق التجربة، اللذين يتواجهان باستمرار، بذلك يعد “انصهار الأفاق” مفتاحا جوهريا في فعل فهم النص، وعليه “يعتبر مصطلح الفهم ضمن الاستعارات الذائعة ل”غادامير Gadamir” واندماجا للأفق الفردي مع الأفق التاريخي”(15). وهذا الأفق يعد مجالا حيويا يؤطر رؤيتنا للأشياء و يحدد علاقتنا مع العالم ” إن مفهوم (الأفق) يحيل على موقعنا في العالم )…( و هو مفهوم نتحرك في محيطه(…) وكذا بعلاقته بالرأي المسبق الملازم لنا، و يعد )الأفق) الذي لا نستطيع الرؤية بدونه”(16). وبالتالي، فالفهم يتم انطلاقا من (الأفق) وهو بمثابة افتراضات مسبقة لا إرادية، تتداعى من خلال (الخبرة المعايشة) التي اكتسبها المؤلف و المتلقي، و هذا لا يتناقض مع رفضه لمقولة (الإسقاط الجمالي) المسبق(****)، إذ لا يرفض بشكل مطلق وجود الخلفيات المسبقة، ” فما يعد أساسيا هو إعادة إحياء مصطلح (الرأي المسبق) و الإقرار بحقيقة و جود منطقي لرأي سابق”(17).

إن ارتباط الفهم بالأفق التاريخي عند “غادامير Gadamir” لايعني ذلك الارتباط بالنصوص التراثية فقط، بل يعتبر التاريخ دائم الحضور وخلفية لا مناص منها، وحضوره ضروري عنده سواء أكان النص جزءا من ماض أو حاضر المتلقي “إن أي جهد تأويلي صحيح، ضروري له أن يراعي تاريخيته الملازمة له، و إننا نحصل على تأويل صحيح عندما نتناول دور التاريخ في عملية الفهم نفسها، وهي التأويلات التي وصفها غادامير ب”دور التاريخ النافذ”(18).
إذن، بربط “غادامير Gadamir” الفهم بالخلفية أو الرأي المسبق يكون قد أقر باستقلاليته و ارتباطه بالنص في الآن نفسه، مخالفا بذلك انعزالية الفهم كما أثير مع الشكلانين والبنيويين، والبنيويين التكوينيين الذين يرون بان عملية الفهم، عملية بنيوية متصلة ببناء النص. ” عمل الخيال لا يأتي من فراغ، فهو مرتبط بطريقة أو بأخرى بالنماذج التي يوفرها التراث”(19).

من هنا نستنج بأن الفهم عند “غادامير Gadamir” لا يقوم من فراغ و إنما من خلال علاقات منصهرة بين الفهم والأفق والتاريخ، يمكن أن نمفصل العلاقة بين هذه العناصر التي محورها النص على الشكل التالي:
1- ارتباط النص بالوجود الجمعي و التاريخي و ليس بالعدم.
2- العلاقة بالنص تحيل على الالتقاء بالتراث /التاريخ.
3- ما قبل (التأويل-الفهم-القراءة) الراهن هي (أفاق منصهرة).
4- ما قبل (النص) في (أفق-سياق} متبدل ومتغير.

من ثم، فالتراث /التاريخ هو مفصل العملية التأويلية، وهو وجه العملة الآخر ( لما قبل النص) تحت قاعدة أن كل ما يدخل دون طائلة قبل النص هو تاريخ بالقوة وله حضور بين ثنايا النص عبر سياق ضمني يصله المتلقي في فهمه و تفسيره.

من خلال ما أتينا على ذكره يكون الفهم مرتبطا بشكل وثيق بمفهوم الأفق ومفهوم التاريخ، فالأول متصل بالقارئ وبالمؤلف، و الثاني مرتبط بالخلفية التاريخية التي تساعد على تلقي النص ضمن إطاره الضمني أو المعلن.

هكذا، فبنية الفهم التي يصفها “غادامير Gadamir” لا يمكن أن تنفصل عن (ما قبل الفهم)، إذ أن قبل أي تأويل لرصد المعني هناك تشكلات لهندسات قبلية، تضع النص في سياق خاص، وضمن منظور معين يعبر عن تدفق المعاني التي تتجه من الوعي نحو الموضوع.

إذن، كيف ثم صهر ماضي قصة “الغابر الظاهر” في حاضر القراءة؟

هل من خلال ما يستبطنه النص من ذاكرات و منطلقات تراثيات؟ أم من خلال البحث عن ذلك التقاطع الفني المفترض قيامه بين توتر المسافة الزمنية والمسافة الجمالية في النص؟

إن الجواب على هذه الأسئلة ندرجها ضمن عملية تلقينا للقصة، وفهمنا لها على ضوء استراتيجية مؤشراتها، و على ضوء مدونتنا الثقافية. ففهم نص ” الغابر الظاهر” انطلاقا من كونه ينبني من خلال خلفية خرافية تنبني بدورها على مرجعية تراثية دينية عند القاص، و هذه المرجعية ذات طابع إنساني جمعي مشترك، يجعلها بذلك، كما يرى محمد مفتاح “خرافة ذات بنية أسطورية”.20.

فهذا المشترك يسترفده النص القصصي ل”بوزفور” من الحكاية المعروفة في التراث العالمي بالإخوة التائهين في الغابة، وذهاب أختهم للبحث عنهم، فإذا بها تسقط في براثين إحدى الشريرات..، وأيضا حكاية ساندريلا المشهورة في التراث العالمي، ويثبته المقطع التالي في القصة” قالت الطفلة المقهورة: أنا اجلب الماء و اشطب الدار، وزوجة أبي تضربني”21 .

هذا اشتغال يؤكد أن تواصلنا مع الماضي لا يتم مباشرة في نسخته الأصلية الكاملة، بل يتم عبر الانزياحات والتحويلات التي تطرأ عليه في أفق امتلاك هذا الصوت القادم من الماضي. و من مظاهر امتلاكه و منحه خصوصية محلية في ” الغابر الظاهر” :

ابتداء القصة بالنموذج الاستهلالي في الحكايات الشعبية في التراث العربي الشفوي يقول الراوي: “كان حتى كان في قديم الزمان، كانت العرجا تنقز الحيطان، والعورا تتخيط الكتان الطرشا تسمع الخبر في ما كان..”22 تبيئ حكاية “ساند ريلا” العالمية و ذلك باستبدال اسم البطلة “ساند ريلا” باسم عربي هو” كوثر”.

تحوير لغة التخاطب خاصة في مشهد المرأة الساحرة وهي تحاول إقناع كوثر بالذهاب معها حيث ثم توظيف الدارج المغربي ” اتركي خلفك تمارة والشقا و تعالي معي”23.

تحيين التراث الديني في القصة لتتم إعادة امتلاكه بين ثنايا اللغة الإبداعية و منحه مدلولا دنيويا(قصة قابيل وقصة هابيل و الإخوة الأعداء الواردتان في القران الكريم).

فالمرجعية الأصلية لهذا التراث الديني القدسي الذي انطلقت منه القصة هو” و إذا لقوا اللذين آمنوا قالوا آمنا، و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إن معكم، إنما نحن مستهزئون”.24

أما فيما يخص عملية الامتلاك الدنيوي له فقد جاءت على الشكل التالي: “وكانوا إذا لقوا بعضهم قالوا نحن إخوة، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، إنما نحن مستهزئون”. . 25

و تنصيصها في الغابر الظاهر فجاءت كالتالي: ” وقال الأقوى: أنا عريسها، قال الأجمل: أنا حبيبها، قال الأذكى: دعوها تختار، قالت كوثر: إن أختكم يا ويلكم، قالوا، قالوا لها: دعي عنك القيل و القال، ولا تتعلقي بالمحال فلابد للنساء من الرجال، ثم إن الأقوى لم يسمع كلام أخويه، ولطم الأجمل ففقأ عينيه، وضرب الأذكى بالعصا فكسر ساقيه، فهرب منه إلى خارج البيت، ودخل هو بأخته”26

إذن، فهذا التنصيص الجزئي هو ما اسماه “غادامير” بالتاريخ الفعال أو المؤثر، وهو التاريخ الفعال ساهم الذي في انزياح الحكايات عن سياقها الماضي الأصلي، وامتلاكها لراهينيتها ضمن النص الذي حقق لها تناغما في نسيج حبكة الحكاية.

إقرأ أيضا:ظاهرة الشعر الحديث جميع الفصول



استخلاصات:



هذه القراءة المفككة لخلفيات النص الأدبي تقدم ثلاث خواص أساسية:
1- التعدد في المعاني و في المرجعيات التاريخية لنص الحكاية ” الغابر الظاهر” و هو تعدد نفترض حضوره في أفاق تلقي قارئها المفترض. والذي يوجه افتراضات مسبقة ( فهم مسبق)، يستحضرها قبل و أثناء عملية القراءة، و هذا الفهم المسبق يضمن للقارئ نوعا من الإقبال المطمئن إلى التعامل مع النص. لكن باستثمار “بوزفور” لذاكراته الثقافية بشكل تركيبي إبداعي خلط على القارئ مما يجعل طمأنينته التي أتى بها إلى النص تتراجع، ليعيد عند كل عملية إعادة القراءة تركيب فهمه و تأويله في أفق صياغة تأويل متسق بحسب ما تمليه استراتيجية الكتابة في ” الغابر الظاهر”، وهي استراتيجية نجحت في صهر الآفاق التاريخية في وعاء واحد.
2- محورية التراث الثقافي و مركزيته في تشكيل رؤية النص، تجعلنا نخلص إلى أن هناك نوعين من التراث في القصة:
* تراث كوني عالمي.
* تراث عربي إسلامي.
3- نسجل في هذا المستوى أن القراءة التأويلية لنص “الغابر الظاهر” لم تركز على شكل الإرسالية، وإنما على مضمونها و تحولاته على مستوى تمفصلات الحكاية، وهذا الإهمال للشكل يعود بالأساس لتأويلية “كادامير” التي ترى بان تناولات الوعي للفن تكون انطلاقا من الوعي إلى الموضوع، بمعنى إن الشكل عنده هو فقط هيئة للعالم المعطى في القصة. الأمر الذي دفع “س. سونتاغ S.Santague” إلى اعتبار التأويلية عامة و”الجاداميرية” خاصة تأويلية موضوعاتية.
إذن، فنص قصة ” الغابر الظاهر” متعدد في خواصه الدلالية وإحالاته التراثية، مما يخول لمؤوله تفاعلا بين آفاق المؤلف التاريخي المشتركة و المتنوعة، وتحقيق مستوى من الفهم انطلاقا من تلك الآفاق و صيغة إعادة توظيفها. من ثم فميزة النصوص المفتوحة على التاريخ الثقافي و الديني بإمكانها تحقيق الاتصال المستمر لتاريخ الفن، الذي ينطلق منه المؤول كأفق تاريخي افتراضي تؤكده العمليات التأويلية، و هذا الاتصال هو ما يعبر عنه “غادامير Gadamir” بمفهوم المسافة الزمنية كشرط لتأويل و إصغاء لما يقوله النص بما يصله من مسافات جمالية بالتاريخ، تتمظهر في الإبداع باعتباره مجموعة دلالية تحول المعنى من التاريخي إلى الجمالي أو الروحي ” بالنسبة للمحلل، يحبل النص بالمعاني المتعددة Sens Multiples، وهذا المحلل الذي لا تعترضه المعاني المتعددة إلا حينما ينظر نظرة كلية عندما تظهر الأحداث و الشخصيات و المؤسسات و الحقائق الطبيعية و التاريخية كتشكيل جامع، وكمجموعة دلالية تسمح بتحويل Transfert المعنى التاريخي إلى المعنى الروحي”27
بذلك تبرز المسافة الزمنية كيف أن تاريخ الفن هو حلقات متصلة و ممتدة في زمن الكتابة مما يكسر من اغتراب النص الممتد في المدونة التراثية الثقافية و التاريخية و الدينية، ولا يتركه غريبا على القارئ.

إقرأ أيضا:جمال التورية في اللغة العربية


هوامش و إحالات:
* احمد بوزفور: ديوان السندباد – قصة الغابر الظاهر-، الطبعة الثانية، منشورات الرابطة 1995-المغرب-
.
Jean Pépin, l’herméneutique ancien : les mots et les idées ; Poétique N° 13 p2911-
2- فرناد هالين و ف. شوبرويخن: من الهرمينوطيقا إلى التفكيكية، ترجمة عبد الرحمان بو علي، مجلة “نوافد” المملكة العربية السعودية، ع 4 يونيو 1998 ص 73.
3- عماد شوقي الزين : الفينومينولوجيا و فن التأويل، مجلة ” فكر ونقد ” ع 16.س 1999 ص 75.
**) كتاب سبينوزا B.Spinza:”رسالة في اللاهوت والسياسة Tracalus Theological- Politicus” إذ يندرج هذا الكتاب في التأويل العبري، والتأويل الأخلاقي للنص التوراتي الذي أحدث ثورة في التأويل العبراني.
4- بول ريكور: إشكالية ثنائية المعنى، ترجمة فريال جبوري غزول، ضمن سلسلة “:لن”مجلة البلاغة المقارنة، دار قرطبة للطباعة، النشر الدارالبيضاء، -المغرب-1993ص 137
5- المرجع نفسه، ص 152
.
6- فرناد هالين و ف. شوبرويخن: من الهرمينوطيقا إلى التفكيكية، ترجمة عبد الرحمان بوعلي، مجلة «نوافد” مرجع سابق، ص65.
***) يرى فريدريك شليرماخر في إطار حدثيه عن الدائرة الهيرمينوطيقية بأن النص هو عبارة عن وسيط بين المؤلف و القارئ، ويقوم على اللغة و في علاقة جدلية مع الهيرمنيوطيقية.
7- هانز جورج جادامير: تجلي الجميل و مقالات أخرى-تحرير: روبرت برناسكوني، ت. ودراسة وشروح: د.سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة بمصر 1997 ص 11.
8- نصر حامد أبو زيد: إشكالية القراءة و آليات المركز الثقافي للعربي، ط 2، 1992 المغرب- ص 27.
9- هانز جورج جادامير: تجلي الجميل ومقالات أخرى- مرجع سابق ص 124.
10- عماد شوقي الزين : الفينومينولوجيا و فن التأويل مجلة ” فكر ونقد ” ع 16. مرجع سابق ص 79.
11 – المرجع نفسه: ص 79.
12- المرجع نفسه: 79.
13- المرجع نفسه: ص 80
14- حسن بن حسن: النظرية التأويلية عند ريكور. تنسيفت ط 1، -المغرب-1992 ص 34.
15- سعيد توفيق
: الخبرة الجمالية: (دراسة في فلسفة الجمال الظاهراتية المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر و التوزيع. ط 1. 1992 ص 132.
16-
هانز جورج جادامير: تجلي الجميل و مقالات أخرى ، مرجع سابق، ص33
****) إن رفض
“غادامير Gadamir ” لمقولة للإسقاط الجمالي المسبق لا تأتي من رفضه لإسقاط المقولات الجمالية المسبقة على النص فقط، بل من تغييب حقيقة هذا النص و ذاته.
17-
هانز جورج جادامير: تجلي الجميل و مقالات أخرى: مرجع سابق ص33.
18 Robert c. holub : Reception Theory… Ibid
p41
19-
ديفيد وورد: فلسفة بول ريكور الوجود والزمن والسرد، ترجمة وتقديم.سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى ص 45
20- محمد مفتاح
: دينامية النص(تنظير و إنجاز)، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1987، المغرب، ص158
21-
احمد بوزفور: ديوان السندباد، مرجع سابق، ص 165-166
22- المرجع نفسه، ص
161
23-
المرجع نفسه، ص 168
24- سورة البقرة الآية
13
25-
احمد بوزفور: ديوان السندباد، مرجع سابق، ص 163
26- المرجع نفسه، ص164
27- P.ricœur : Le Conflit des interprétations(essaie d’herméneutique) ; ed Seuil

المصدر

نشر في تازا سيتي يوم 15 – 07 – 2011

السابق
ما العلاقة بين المقاربة التشاركية و الحياة المدرسية
التالي
مدينة ووهان الصينية مركز فيروس كورونا المستجد