الفَقيرُ والحَيَّةُ العَمْياءُ

القصة الثالثة والعشرون من سلسلة قصصية للكاتب شاكر صبري، رسوم دينا مصطفى، تنشر حصريا على موقع معين المعرفة. (جميع الحقوق محفوظة ويمنع نسخ القصص ونشرها على مواقع أخرى أو طباعتها).

قَديماً عاش رَجُلٌ  فَقيرٌ  جِدَّاً ،  لا يَمْلِكُ  منْ حُطامِ الدُنْيا شَيْئاً، كانَ يُحاوِلُ أنْ يَبْحَثَ عنْ وَسيلَةٍ للْحُصولِ علَي مالٍ فَيَجِدَ كُلَّ الأَبْوابِ مُغْلَقَةً في وَجْهِهِ ، حتَّي زَوْجَتهُ كانَتْ مَريضَةً وتَحْتَاجُ إلَي عِلاجٍ ولا مالَ مَعَهُ لِيَشْتَري لَها دواء.

كانَ هَذا الرَّجُلُ يُجِبُّ أنْ يَلْعَبَ بالْمِزْمارِ دائِماً كلما شعر بالمَلَلِ، فَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِسَمَاعِ صَوْتِهِ خاصَّةً أنَّه كانَ يُغَنِّي معَ نغَماتِ المِزْمارِ، وأَحْياناً كانَ يَمْدَحُ النِبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ معَ نغَماتِ المِزْمارِ.

كانَتْ هُناكَ شَجَرَةٌ كَبيرَةٌ  في الطَّريقِ  بَيْنَ الحُقولِ , فَقامَ البَعْضُ بِوَضْعِ صَخْرَةٍ كَبيرَةٍ  أَسْفَلَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ حَتَّي يَسْتَريحَ عَلَيْها السائرِونَ أَثْناءَ مُرورِهمْ علَي  هذَا الطَّريقِ .

   خَرَجَ  الرَّجُلُ منْ مَنْزِلِهِ  ذاتَ يَوْمٍ  ومَعَهُ  مِزْمارُهُ , وأَثْناءَ سَيْرِهِ  وَجَدَ الصَّخْرَةَ  في الطَّريقِ فَجَلَسَ عَلَيْها , وبَدَأَ يتَغَنَّى بِمَدْحِ النَّبِي صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وسَلَمَّ مَعَ  نَغَماتِ مِزْمارِهِ .

وَجَدَ  الرَّجُلُ  أَمامَهُ حَيَّةً  كَبيرَةً  تَتَمايَلُ مَعَ نَغَماتِ  مِزْمارِهِ ،  لَمْ  يَكُنْ يَشْعُرُ بِها لأَنَّها كانَتْ بعَيدَةً  عَنْهُ بِعِدَّةِ أَمْتارٍ، وحينَ  رَآها  فَزِعَ  وَتَرَكَ العَزْفَ بِمِزْمارِهِ، فَعَادَتْ  الحَيَّةُ  ثانِيَةً  إلَي  جُحْرِها  في هُدوءٍ  .

 نَظَرَ  الرَّجُلُ  مَكانَ الحَيَّةِ فَوَجَدَ شَيْئاً يَلْمَعُ ..

 ذَهَبَ ونَظَرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَ جَوْهَرَةً ثَمينةً  قَدْ  تَرَكَتْها الحَيَّةُ  لَهُ وانْصَرَفَتْ ,   تَعَجَّبَ الرَّجُلُ ولَمْ يُصَدِّقْ أنَّ الحَيَّةَ  قَدْ تَرَكَتْ لَهُ جَوْهَرَةً ثَمينَةً .

ذَهَبَ الرَّجُلُ إلَي أَحَدِ تُجَّارِ  الْمُجَوْهَراتِ ,  فَعَلِمَ أَنَّها جَوْهَرَةٌ ثَمينَةٌ , فاشْتَراها  التَّاجِرُ مِنْهُ بِثَمَنٍ كَبيرٍ .

 وحَصَلَ  الرَّجُلُ علَي مَالٍ وَفيرٍ  .

فَقَامَ بِسَدادِ ما عَلَيْهِ منْ دُيونٍ ,  واشْتَرَي كُلَّ ما يتَمَنَّاهُ منْ طَعامٍ ومَلابِسٍ  ,  وقامَ بِشِراءِ الدَّواءِ لِزَوْجَتِهِ المَريضَةِ .

عادَ الرَّجُلُ  إلَي نَفْسِ المَكانِ , وهُوَ يَتَذَكَّرُ ما حَدَثَ لَهُ  المَرَّةَ  الأولَي  ومَعَهُ مِزْمارُهُ  ,  وقامَ بالغِناءِ وبِمَدْحِ النَبِّي صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ  , فَوَجَدَ الحَيَّةَ قدْ  خَرَجَتْ منْ جُحْرِها ثُمَّ ظَلَّتْ تتَمَايَلُ مَعَ نَغَماتِ مِزْمارِه   , فَلَمْ يَخَفْ مِنْها هَذِهِ المَرَّةِ  ,   ثَمَّ انْصَرَفَتْ و تَرَكَتْ لَهُ جَوْهَرَةً  ثَمينَةً .

   أَخَذَ  الرَّجُلُ الجَوْهَرَةَ  وباعَها بثَمَنٍ  كَبيرٍ  , فَزَادَ مالُهُ أَكْثَر .

 عَرِفَ الرَّجُلُ الطَّريقَةَ التِّي يَحْصُلُ بِها علَي الجَوْهَرَةِ الثَّمينَةِ .

ظَلَّ كُلَّ فَتْرَةٍ وأُخْرَي يَأْتي إلَي نَفْسِ المَكانِ ويَقومُ بالغِناءِ  بِمِزْمارِهِ والحَيَّةُ تَتْرُكُ لهُ الجَوْهَرَةَ .. و أَصْبَحَ الرَّجُلُ الفَقيرُ منْ الأَثْرياءِ  

كانَ هُناكَ جارٌ حاقِدٌ  أَرادَ  أنْ يَعْرفَ سِرَّ هذَا الرَّجل …وكَيْفَ تَحَوَّلَ من فَقيرٍ بائِسٍ إلَي غَنِّيٍ، ظَلَّ هَذَا الرَّجُلُ يتَتَبَّعَ خُطُواتِهِ حَتَّي عَلِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ .

فَقَالَ  : سَوْفَ أَقْتُلُ هَذِهِ الحَيَّةَ حَتَّي لا تَأْتيهِ كُلَّ مَرَّةٍ بِجَوْهَرَةٍ ثَمينَةٍ .

فراقَبَهُ  وُهوَ خارِجٌ  ومَعَهُ مِزْمارُهُ ,   وسارَ وَراءَهُ  مُتَخَفِّياً .

 و جَلَسَ الرَّجُلُ علَي الصَّخْرَةِ  ,  وظَلَّ يَتَغَنَّي بِمِزْمارِه   ..

فَخَرَجَتْ الحَيَّةُ  وظَلَّتْ تتَمَايَلُ  ,  ثُمَّ أَلْقَتْ  الجَوْهَرَةَ كَعادَتِها  , أَسْرَعَ الرَّجُلُ الحاقِدُ إِلَيْها ومَعَهُ حَديدَةٌ كَبيرَةٌ  كانَ يُخْفيها تَحْتَ ملابِسِهِ , يُريدُ القَضاءَ  عَلَي الحَيَّةِ , واتَّجَهَ إلَي الحَيَّةِ لِقَتْلِها , ثُمَّ أَخَذَ الجَوْهَرَةَ  بِسُرْعَةٍ ,  وحينَما اقْتَرَبَ مِنْها هَرَبَتْ إلَي جُحْرِها  , ولَكِنَّهُ أَسْرَعَ نَحْوَها , فَعَادَتْ إِلَيْهِ بِسُرْعَةٍ ولَدَغَتْهُ  ثُمَّ دَخَلَتْ   جُحْرَها .

 صَرَخَ الرَّجُلُ الحاقِدُ ,  فَرَآَهُ الرَّجُلُ الذِّي مَعَهُ المِزْمارُ فَهَبَّ مُسْرِعاً

 لِيَقومَ بِإِنْقاذِهِ , ولَكِنَّ الرَّجُلَ الحاقِدَ لمْ يَهْتَمَّ بإِنْقاذِ نَفْسِه وأَرادَ أنْ يَتَتَبَّعَ أَثَرَ الحَيَّةِ ويَرْدِمَ جُحْرَها حَتَّي لا يَسْتَفيدَ صاحِبُ المِزْمارِ مِنْها بِشَيْءٍ  , ولَكِنْ لمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ  فَقَدْ سَرَي مَفْعولُ السُّمِّ في جِسْمِهِ وماتَ .

 حَزِنَ صاحِبُ المِزْمارِ  علَي مَوْتِ جارِهِ

عَلِمَ النَّاسُ بِما حَدَثَ فَقاموا بِمُطارَدَةِ الحَيَّةِ … فَهَرَبَتْ بَعيداً .

ولَمْ يَعُدْ صاحِبُ المِزْمارِ  يَذْهَبُ إلَي هَذَا المَكانِ بَعْدَ ذلِكَ .

.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!