الفِيلُ وَالنَّعَّامَةُ

القصة العاشرة من سلسلة قصصية للكاتب شاكر صبري، رسوم د.صفا لطفي، تنشر حصريا على موقع معين المعرفة. (جميع الحقوق محفوظة ويمنع نسخ القصص ونشرها على مواقع أخرى أو طباعتها).

كانَتْ النَعامَةُ كَعادَتِها تَنْتَقِلُ منْ مَكانٍ إلَى آَخَرَ ، بَحْثاً عنْ الغِذاءِ معَ قَبيلَتِها الصَغيرَةِ  .

سارَتْ النَعامَةُ ذاتَ مَرَّةٍ وَحْدَها , وأَصابَها العَطَشُ , فَوجَدَتْ فيلاً , سَأَلَتْهُ عنْ مَكانِ عينٍ مائِيَةٍ , أوْ أَيِّ مَكانٍ فيهِ ماءٌ , قالَ لَها الفيلُ : وأَنا مِثْلُكِ أَبْحَثُ عنْ عَيْنٍ مائِيَةٍ  , فقَدْ أَصابَنِيَ العَطَشُ الشَديدُ ، وقدْ أَخْبَرَني أَحَدُ الأَصْدِقاءِ أَنَّ هُناكَ عيْناً مائِيَةً قَريبَةٌ منْ هُنا  .

 اصْطَحَبَ الفيلُ النِعامَةَ وسارا حَتَّى مَرَّا بِعَيْنٍ مائِيَةٍ صافِيَةٍ جَميلَةٍ ، لمْ تَسْتَطِعْ النَعامَةُ أنْ تَشْرَبَ مِنْها ، فَنَـزَلَ الفيلُ ومَلأ خُرْطومَهُ بِالمِياهِ وسَقاها , رَأَى الثَعْلَبُ ما حَدَثَ  فاغْتاظَ وقالَ: كَيْفَ تَسيرُ النَعامَةُ معَ  الفيلِ ؟   وكَيْفَ  يَقومُ الفيلُ  ويَسْقيها من العيْنِ بِنَفْسِهِ ؟  لا بدَّ أنْ أَقومَ بإِفْسادِ هَذهِ العِلاقَةِ  الحَميمَةِ بَيْنَهُما  .

بَعْدَ أنْ سَقَي الفيلُ النَعامَةَ ,أُصيبَتْ النَعامَةُ بالدُوارِ , حَمَلَها الفيلُ علَي ظَهْرِه وعادَ بِها إلَي قِبيلَتِها .

ذَهَبَ الثَعْلَبُ إلَى الفيلِ وقالَ لهُ: إنَّ النَعامَةَ تَقولُ: بأنَّ خُرْطومَكَ شَكْلُهُ قَبيحٌ ، وأنَّكَ  أَنانِيٌّ ، وأَنَّكَ  حَمَلْتَها علي ظَهْرِكَ دونَ رَغْبَةٍ مِنْها , لِتُظْهِرَ لِمَنْ في الغابَةِ أنَّكَ شَهْمٌ ، وهِيَ لا تُحِبُّ السَيْرَ مَعَكَ ، وَلَكِنَّكَ أَجْبَرْتَها علَى ذَلكَ .

 غَضِبَ الفيلُ منْ هذَا الكَلامِ الذي قيلَ علَى لِسانِ الثَعْلَبِ ،  ولمْ يكُنْ يعَلَمُ أنَّهُ منْ  افْتِراءِ وكَذِبِ الثَعْلَبِ  .

 قالَ الفيلُ   لا بُدَّ أنْ  أُلَقِّنَ النَعامَةَ دَرْساً  لا تَنْساهُ لِلْأَبَدْ ؛ لأَنَّها أَساءَتْ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْها ، ولَمْ  يَتَأَكَّدْ الفيلُ منْ صِدْقِ  الكلامِ الذي قالَهُ الثَعْلَبُ لَهُ  .

الفِيلُ وَالنَّعَّامَةُ 2
الفِيلُ وَالنَّعَّامَةُ 5

ذَهَبَ الفيلُ إلَى النَعامَةِ ، وطَلَبَ مِنْها السَيْرَ مَعَهُ  لِكَيْ يَتَحَدَّثا في أَمْرٍ هامٍ , تَعَجَّبَتْ النَعامَةُ منْ هَذهِ الزِيارَةِ المُفاجِئَةِ , وَلَكِنَّها لَبَّتْ نِداءَ صَديقِها الفيلَ  .

 وسارَتْ النَعامَةُ معَ الفيلِ , وهِيَ تَنْتَظِرُ مِنْهُ أنْ يُعْلِمَها بالأَمْرِ الذي طَلَبها منْ أجْلِهِ ،  ولَكِنَّهُ ظَلَّ صامِتاً , فَسَأَلَتْهُ ماذا تُريدُ أَيُّها الصَديقُ العَزيزُ ؟ .

قالَ أُريدُ أنْ تَذْهَبي مَعي إلَي صَديقٍ عَزيزٍ ,  فَصَمَتَتْ النَعامَةُ ولمْ تَتَكَلَّمْ .

ظلَّ يَسيرُ وهيَ تَسيرُ مَعَهُ  , وكانَ الجَوُّ شَديدَ الحَرارَةِ ,  حتَّي ظَمِئَتْ النَعامَةُ .

وطَلَبَتْ منْ الفيلِ أنْ يَذْهَبا إَلي أَقْرَبِ عَيْنٍ مائِيَةٍ  لكَيْ تَشْرَبَ.

فَأَخَذَها الفيلُ إلَي نَفْسِ العَيْنِ التي شَرِبا منْها المَرَّةَ السابِقَةَ , فَشَرِبَ هُوَ وحْدَهُ , ثمَّ قامَ بتَعْكيرِ المِياهِ , ولمْ يَمْلَأَ خُرْطومَهُ ويَسْقِيَها كَما فَعَلَ المَرَّةَ السابقة , وهُوَ يَعْلَمُ أنَّها لنْ تَسْتَطيعَ أنْ تَشْرَبَ بِنَفْسِها منْ هَذِه العَيْنِ فَهِي عَميقَةٌ جدَّاً ,  ثمَّ تركها الفيلُ وعادَ وَحْدَهُ  . 

تعجَّبَتْ النَعامَةُ منْ ما حَدَثَ منْ الفيلِ , وبَكَتْ حُزْناً منْ تَصَرُّفِهِ العِجيبِ .

عادَتْ النَعامَةُ إلَى قَبيلَتِها وهِيَ في غايَةِ التَعَبِ ، فَقَدْ سارَتْ وهيَ ظَمَآنةٌ ،  حتَّى وَصَلَتْ إلَى قَبيلَتِها ، فَشَرِبَتْ ثُمَّ ارْتاحَتْ ، وقالَتْ لمِاذَا فَعَلَ  الفيل مَعي هَذا ؟ .

 ثمَّ اشْتَكَتْ منْ ما حَدَثَ منْ الفيلِ  إلَى صَديقَتِها البَقَرَةُ .

قالَتْ لَها  البَقَرَةُ : لا تَقْلَقي يا عَزيزَتي النَعامَةُ , لا بُدَّ أنَّ هُناكَ سَبباً لِذَلِكَ ، فالأَمْرُ غَيْرُ طَبيعِيٍّ .

 وظَلَّتْ البَقَرَةُ  تَبحَثُ عنْ الأَسْبابِ ؟   وسَأَلَتْ الأَصْدِقاءَ ، حتَّي عَلِمَتْ منْ  أَحَدِ أَقَارِبِ الفيلِ أنَّ الثَعْلَبَ قدْ زارَ الفيلَ قَبْلَها بِيَوْمٍ واحِدٍ ، وقَدْ سَمِعَهُ  أَحَدُ الفِيَلَةِ الصِغارُ ، وحينَ سَأَلَتْهُ البَقَرَةُ  , أَكَّدَ لَها أنَّ الثَعْلَبَ قدْ قالَ كَلاماً علَى لِسَانِ النَعامَةِ لمْ تَقُلْهُ لكَيْ  يُفْسِدَ العِلاقَةَ بَيْنَها وبينَ الفيلِ   .        

Description: Description: C:\Users\Dell\Desktop\الفيل والنعامة\59301106_411001263071957_3735341797589647360_N.jpg

عَلِمَتْ النَعامَةُ أنَّ الفيلَ  لا ذَنْبَ لَهُ ،  ولَكِنَّ الثَعْلَبَ كانَ هُوَ السَبَبُ  .

وتاهَ  ابْنُ الفيلِ ذاتَ يوْمٍ  ، ظلَّ الفيلُ يَبْحَثُ عَنْهُ هُوَ وقَبيلَتِهِ ولَكِنْ لمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مَكَانَهُ ,  ظَلَّ الفيلُ حَزيناً  عَلَيْهِ   .

عَلِمَتْ النَعامَةُ بما حَدَثَ لابنِ الفيلِ  فأَسْرَعَتْ بِالبَحْثِ عَنْهُ دونَ عِلْمِ الفيلِ ، لأنَّ النَعامَةَ أَخَفُّ وَزْناً وأكْثَرُ سُرْعَةً منْ الفيلِ كَما أَنَّها طَلَبَتْ منْ أَصْدِقائِها منْ الطُيورِ مُشارَكَتِها في البَحْثِ عنْ ابِن الفيلِ  .

ولمْ يَمُرَّ وَقْتٌ طَويلُ حتَّي جاءَتْ به  إلي الفيلِ، وحينَما عادَتْ بهِ فَرِحَ الفيلِ بعودتِهِ كثَيراً , ولَكِنَّهُ تَعَجَّبَ منْ مَوْقِفِها مَعَهُ خاصَّةً وأنَّهُ أَساءَ إِلَيْها قَبْلَ ذَلكَ .

  قالَتْ النَعامَةُ للْفيلِ بِأَنَّها قَدْ عَلِمَتْ سِرَّ غَضَبِهِ مِنْها , وأَنَّ السَبَبَ هُو الثَعْلَبُ ، الذي قالَ عَنْها كَلاماً لمْ تَقُلْهُ , وأَنَّ الثَعْلَبَ كانَ يُريدُ الوَقيعَةَ بَيْنَهُما  .

حزنَ  الفيلُ ممَّا حَدثَ منْ الثَعْلَبِ ، وقالَ :  لا بُدَّ أنْ نُعَلِّمَهُ دَرْساً لا ينَسْاهُ  أَبداً  .

واتَّفَقَ معَ النَعامَةِ علَى حيلَةٍ  لِتَأتي بِهِ  .

وذَهَبَتْ النَعامَةُ إلَى الثَعْلَبِ ، وقالَتْ لَهُ : أَيُّها الثَعْلَبُ ، إنَّ الفيلَ مَرِضَ مَرَضاً شَديداً لا  يَسْتَطيعُ التَحَرُّكَ ،  وقالَ : لا بُدَّ منْ إِحْضارِ الثعْلَبِ فَهُوَ الصَديقُ المُخْلِصُ الوَحيدُ  الذي أَثِقُ فيهِ , ويُريدُ أَنْ يهِبَكَ هَدِيَّةً قَيِّمَةً  ,  قالَ الثَعَلَبُ :  وهَلْ لا يوجَدُ أَحَدٌ منْ إِخوَتِهِ  يَسْتَحِقُّ الهَدِيَّة بَدَلاً مِنِّي  ؟ 

قالَتْ النَعامَةُ :  إنَّهُ الحُبُّ والثِقَةُ ، فَحُبُّهُ  لكَ  جَعَلَهُ يَخْتَارُكَ دونَ غَيْرِكَ بِهَذِه الهَدّيَةِ الثَمينَةِ  .

ذَهَبَتْ النَعَامَةُ بالثَعْلَبِ إلَى الفيلِ ، ولمَّا وَجَدَهُ الفيلُ قالَ لَهُ:  يا صَديقي الثَعْلَبُ إِنَّني  مَرِضْتُ مَرَضاً شديداً , وقَدْ أَوْصَيْتُ بِأَنْ تَعيشَ بيْنَ  قَبيلَتي مُعَزَّزاً مُكَرَّماً تَحْميكَ الفِيَلُة ، فلَنْ يَتَجَرَّأً أَحَدٌ عَلى إيذائِكَ , و اذْهَبْ يا صِديقي الثَعْلَبُ  إلَي أعْلَى الهَضَبَةِ ،  وَسَوْفَ  تَجِدُ هناكَ صَيْداً ثَميناً قدْ تَرَكْتُهُ لكَ، وسوْفَ تفرَحُ بهِ كَثيراً ,  لأنَّهُ سَيَكْفيكَ أَنْتَ وأُسْرَتُكَ , قالَ الثَعْلَبُ مُتَعَجِّباً : ولَكِنْ لِماذا تركْتَهُ بَعيداً  عنِّي  ؟!

 قالَ الفيلُ : إنَّهُ صَيْدٌ ثمينٌ لَكَ , تعْلَمُ أننَّا  نَحْنُ الفِيَلةُ منْ آكِلاتِ الأَعْشابِ , أمَّا اللُحومُ فَلا نَأْكُلُها , ولَوْ جِئْتُ بِها هُنا لرَآها  الأَسَدْ  ،  وهُوَ جارٌ لَنا , ولَوْ طَلَبَ هَذا الصَيْدَ فَلَنْ نَمْنَعُه عَنْهُ , فاذْهَبْ إِلَيْهِ وسَوْفَ تَجِدُ ابنْي الفيلَ الصَغيرَ هُناكَ سوْفَ يُساعِدُكَ في حَمْلِهِ إلَي  مَسْكَنِكَ لِتَأْكُلَ أَنْتَ وَأَوْلادُكَ .

فَرِحَ الثَعْلَبُ  بِكَلامِ الفيلِ  , وذَهَبَ إلَى أعْلَى الهَضَبَةِ ،  فَوَجدَ الصَيْدَ الثَمينَ .   وَوَجَدَ الفيلَ ومَعَهُ صَديقٌ لَهُ .

 قامَ الفيلُ الصَغيرُ وصَديقَهُ بِضَرْبِ الثَعْلَبِ ضَرْباً مُبْرِحاً . وقالا لَهُ : هَذا جَزاءُ سَعْيِكَ بالنَميمَةِ بينَ الفيلِ والنَعامَةِ .

  عادَ الثَعْلَبُ إلَي مَسْكَنِه يَزْحَفُ علَى الأَرْضِ منْ شِدَّةِ التَعَبِ ، وظَلَّ أَيَّاماً في قَبيلَتِهِ دونَ حَرَكَة حتَّي الْتَأَمَ جَرْحُهُ   .

 وَمَرَّتْ الأيَّامُ ، وشُفِيَ الثَعْلَبُ , ولَكِنَّهُ  قدْ تَعَلَّمَ دَرْساً قاسِياً ،  فَكانَ كُلَّما  رَأى  الفيلَ  والنَعامَةَ يَسيرانِ سوِيَّاً ينظر إليهما ،  ويَتَذَكَّرُ ما حَدَثَ  لَهُ .

أمَّا الصَدَاقَةُ بينَ الفيلَ والنَعامَة ِ، فَقَدْ  أَصْبَحَتْ عَميقَةً وقَوِيَّةً ، ولَمْ يُؤَثِّرْ فيها شَيْء بَعْدَ ذَلكَ. وتَعَلَّم الفيلُ أنْ لا يُصَدِّقَ كُلَّ كَلامٍ يُقالُ لَهُ إِلَّا بَعْدَ أنْ يِتَأَكَّدَ مِنْهُ بِنَفْسِهِ .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!