علم الاجتماع

القبيلة والسلطة تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب

تطور-البنيات-الاجتماعية-في-شمال-المغرب-

كتاب المختار ( الهراس)، ” القبيلة والسلطة تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب”.

يعد كتاب القبيلة والسلطة من الكتب الجادة في ودراسة تطورات الهياكل القبلية في أقصى شمال غرب المغرب خاصة قبائل أنجرة موضوع دراستنا، متخذا من هذه الأخيرة النموذج الأساسي لبلورة أهم الديناميات والتفاعلات التي كانت لها علاقة بالقبائل المجاورة لمدن طنجة، سبتة وتطوان.  كما حاول الكاتب دراسة هذه التطورات على إثر تساؤلات تتمحور حول ” الديناميات المرتبطة بالكيان القبلي والعوامل المحددة لاستمراره وتحوله، والآليات التي يتم بواسطتها الانتقال من طور إلى آخر”.ولمعالجة هذا التمحور عمد المختار الهراس إلى تبويب هذا العمل إلى أربعة فصول رئيسة،

أهتم الفصل الأول لعرض أهم الطروحات النظرية لمفهوم القبيلة، مركزا على المجتمعات المغربية، بدءا بابن خلدون الذي يعبر القبيلة بأنها لا تكتمل في النسب بمعناها الضيق، لا يصمد أمام وقائع الاختلاط وعلاقات والتعايش المكاني، أما النسب في معناه الرمزي والواسع، النسب والانتساب البعيد، أو ما يماثله من أشكال التحالف والولاء والانتماء، فإنه يشكل الإطار الحقيقي للقبيلة. ثم بعد ذلك عمل إلى تحديد مفهوم القبيلة في مرحلة الحماية متطرقا إلى مشيوبلير وروبير مونطاني الذي حاول رصد الوقائع ووصف العناصر والمظاهر المختلفة للحياة القلبية.

لينتقل الكاتب إلى القبيلة والنظام الاجتماعي والذي عرض فيه أهم الخصائص التي يتميز بها التحليل الانقسامي للقبيلة في مجتمعات المغرب العربي، محاولا بذلك أبراز مدى انطباق النموذج الانقسامي على القبائل المغربية.

إقرأ أيضا:البيئة اللغوية للطفل المغربي : دراسة سوسيو لسانية.

أما الفصل الثاني فقد عمد فيه الكاتب إلى الحديث عن البنيات القبلية في منطقة موضوع الدراسة مركزا أساسا على تحليل ديناميتها الداخلية أو المحلية خاصة العلاقات السوسيواقتصادية، في البداية إبراز أهم المؤهلات الطبيعية من تضاريس التي يغلب عليها الجبال، والمناخ الرطب المعتدل طيلة نهاية الفترة المتراوحة بين نهاية فصل الصيف وبداية الربيع، وحار وجاف حلال نصف المتبقي من السنة، ونظرا لكون المرتفعات الجبلية والغابة فقد اسند النشاط القروي على المواشي أكثر من الزراعة. كما تطرق أيضا إلى نظام الملكية في قبائل جبالة الذي يتسم بالتعدد والتعقد، والذي نتج عن الاختلافات الواضحة والعميقة بين القبائل القريبة من المدن والبعيدة عنها، والخصبة والضعيفة الإنتاج، وكذا عن الروابط التي جمعت القبيلة بسكان المدن، وانصهارها ضمن حدود الحكم المركزي، وفي العموم نجد الملكيات العائلية إلى جانب الأحباس والملكية الجماعية التي تتحكم فيها عادات وتقاليد القبيلة. ليختم فصله في العلاقات الانقسامية التي طرأت على المجتمعات المغربية، خاصة في مجتمع الأطلس، ومنطقة الريف، وكذا جبالة، وأقصى شمال غرب المغرب.

أما الفصل الثالث، فقد عمد فيه إلى دراسة الدينامية الشمولية، انطلاقا من التطرق إلى النظام المخزني السائد الذي يتكون من العامل، الباشا، القاضي، الأمناء، وقائد الرحي، وتخصصات كل واحد منهم، كما تطرق أيضا إلى العلاقة العامة التي تربط المخزن وقبائل أنجرة، حيث كانت منطقة جبالة مستقلة عن المخزن، مما جعل منها منطقة سيبة واستوجب التدخل فيها، أما الكاتب فقد نقد ذلك ليقول بأن السيبة ليست بما تشير له من فوضى وخروج عن النظام هي التي استوجبت التدخل الأجنبي، بقدر ما أن الضغط الأجنبي ذاته هو ضخم السيبة وجعل منها ظاهرة طاغية من النصف الثاني من القرن 19. وبالتالي حد النظام المخزني مما تعوده سكان أنجرة من حرية، مما بدأ العصيان بين قبائل أنجرة والمخزن المحلي.أما الفصل الرابع فقد تطرف فيه الكاتب إلى التحولات التي لحقت الهياكل القبلية على إثر الاستعمار الإسباني التي لازلت إلى الآن فاعلة ومؤثرة في الحياة القبلية، فقد ظهر الاستعمار الإسباني في شمال المغرب منذ أواخر القرن17، حيث بدأت مرحلة الاستيلاء على بعض المدن والمراكز الساحلية، مما دفع القبائل الشمال إلى المقاومة العنيدة للإسبانية، وبالتالي اضطرار هذه الأخيرة إلى تكثيف معسكراتها بالمناطق المستعمرة، كل هذا جعل الهياكل القبلية تعرف تحولات كبرى، لم تتمكن بعدها من الرجوع إلى أوضاعها السابقة، اضطر بذلك سكان المداشر إلى مغادرة سكانهم باتجاه الغابات والجبال، وتخلو عن الحرث وإهمال المزروعات، وظهرت بهم قوة الالتحام والتضامن. كما أن عمل أيضا الاستعمار إلى تغيير سياسة الجهاز المخزني، وإخضاعه للإدارة الاستعمارية، كما لم يبقى لمصير اجماعة إلا الوئد، وظهور مجلس الوصاية الذي فقد لاجماعة استقلالها القبلي وحرية تجمعا وتصرفاتها التلقائية، حيث أصبحت اجماعة اليوم بموافقة المراقب المحلي، وتنفيذ مداولاتهم وفق مصادقة مجلس الوصاية.أما الفصل الأخير فاهتم بالتحولات الراهنة للهياكل القبلية، من خلال إبراز التغييرات الديموغرافية التي عرفها مجال أنجرة الذي عرف تزايد في عدد السكان ما بين 1971 و 1982، حيث أنتقل من 80838 إلى 102634 على التوالي، وهذا راجع بالأساس إلى لتزايد الطبيعي في عدد السكان. ومع الأحداث المتوالية التي شهدتها المنطقة الشمالية الغربية للمغرب فقد شهد النظام الاجتماعي تفكك كبير حيث تحول من نظام النسب إلى الأسرة النووية، ومع الانفجار الديموغرافي ظهر انقسام الأرض إلى قطع صغيرة، وبالتالي أصبح الاكتفاء الذاتي مستحيلا بهذه المنطقة مما دفعهم إلى الجمع بين الفلاحة والصيد والبحري، وتربية الماشية، والتجارة المحلية، والتهريب، لكن رغم ذلك فإن النظام الاجتماعي الذي كان سائد لم يتغير برمته فهناك من كان في السابق ولا زال معمول به بالتضامن الجماعي ونظام السقي وغيره.وفي الأخير فقد حاول المختار الهراس إبراز أهم التحولات التي عرفتها أنجرة من تحولات في النظام المخزني والاقتصادي والمجالي والمجتمعي أيضا، ليبقى على عاتقنا محاولة متابعة هذه التحولات السوسيومجالية والاقتصادية والاجتماعية بهذا المجال الحيوي، خصوصا وأن الأنظار المحلية والغربية تترقبه بكل دقة، من أجل استثماره للأغراض اقتصادية كبرى، وهذا ما يشهده حاليا حيث أصبح يحتضن مشاريع تنموية كبرى سرعت من تغير مظاهره البسيطة التي كان يرتكز عليها لسير حياته اليومية.   

إقرأ أيضا:ثقافة “الفيترينة”
السابق
“سامي” والقطّة
التالي
صناعة زيت الزيتون