مقالات تربوية

القراءة في المدرسة المغربية من التركيبية إلى المقطعية

   توطئة: 

       تعد القراءة مكونا أساسيا  في مادة اللغة العربية،  فيها تنصهر كل الوحدات الأخرى،  و منها تنبعث كذلك. فهي الوسيلة لبناء كفايات متعددة و هي الغاية من تحقيق كفايات أخرى.  القراءة معيار لإتقان الدرس اللغوي و الأساليب و التعبير الكتابي و الشفهي، و إذا تمكن التلميذ منها هانت عليه البقية، و لهذا تعتبر من التعلمات الأساس التي لا يصلح التعلم إلا بصلاحها و لا يستقيم الاستيعاب إلا بضبطها و إتقانها فسيولوجيا  و ذهنيا.

     و نظرا للعاهات التي شوهت البعد القرائي في المنظومة التعليمية،  تعثرت عجلة التطور الفكري، و توقفت المسيرة العلمية لمعظم التلاميذ، أو استمرت زاحفة في وهن، كما طمس نبراس الإبداع  و الابتكار مع ضمور القدرات و المواهب. و هذه إشكالية أنقضت ظهر المتعلم و المعلم و النظام التربوي برمته، فظل يتخبط و يترامى بين أمواج  التجريب تارة و الترقيع تارة أخرى.  و تبقى طريقة التدريس هي المفصل الفاصل بين هذا الركود و الانبعاث،  فهي أساليب منهجية يتتبعها الأستاذ لمساعدة المتعلم على اكتساب العلم الذي ينير دربه في ظلمات الجهل، و يتجسره للنفاذ بين تلاطم الانفجارات المعرفية. لهذا وجب الاستثمار في تحيينها و تجويدها و تطويرها بسخاء للمراهنة عليها. و لقد برزت طرائق  كثيرة  لتدريس القراءة  في المدرسة المغربية ، أكشفها من الأقدم إلى الأحدث في هذا البحث.

إقرأ أيضا:الحكاية التعليمية :المفهوم و المرتكزات النظرية[1]

مسار كتب القراءة في المدرسة المغربية :

      في فترة الاستعمار ، كان المغرب ينوء بوطأة التعليم الكولونيالي، حيث كانت السياسة التعليمية من تخطيط النظام الفرنسي، فاتسمت القراءة بنصوص مختارة من أدبيات كبار منظري هذا النظام و خصوصا الذين خططوا لبسط الهيمنة و شرعنة  الحماية، أمثال  : جورج هاردي ،  بول مارتي. ….و كان الهدف الأسمى لهذه القراءة هو تطويع القلوب و إخضاع النفوس قبل الرؤوس،  و بالتالي صارت استراتيجية لضمان الزحف السلس و الاستمرارية في هذه المنطقة.

    لقد كان لهذه السياسة الدقيقة أثرا  ممتدا إلى يومنا هذا. و حظ العربية في هذا السيل الجارف هزيل و باهت ينذر بأفول  وشيك و طمس قريب. و من بين الكتب القرائية العربية نذكر :

 ▪ القراءة المصورة، و هو كتاب من خمسة أجزاء،  صدر عن وزارة المعارف في لبنان و سورية و العراق،  سنة 1932.

▪ كتاب البداية في التجهي و المطالعة، في أجزاء،  صدر عن دار المعارف بمصر، سنة 1953.

▪ المختار في المحفوظات، في أجزاء،  صدرت طبعته الثانية سنة 1954، من تأليف (محمد بن محمد الربيع )، و هو مدير مجموعة مدارس مولاي إسماعيل ، بتطوان.

إقرأ أيضا:التعاقد وآلياته الواقعية لضمان تجاوز صعوبات فردية

    اللافت للنظر أن هذه الكتب، باستثناء آخرها،  مستوردة و غريبة عن الكيان المغربي و بيئته، ثقافة و فكرا و توجها، و هذا يجر إلى التنصل و الانسلاخ عن الهوية الوطنية.

  و غداة الاستقلال، كانت البلاد في رحى التعليم النخبوي و المستورد، فصار لزاما على المدرسة الوطنية السعي لنفض الموروث الاستعماري،  و تحقيق الاكتفاء الذاتي في نظامها التربوي، و لهذا تأسست اللجنة الملكية لإصلاح التعليم سنة 1957، تحت أربعة مبادئ و هي : التعميم،  التوحيد، التعريب و المغربة.  و بعد مخاض عسير تنفست القراءة الصعداء ببروز سلسلة ” إقرأ “، لأحمد بوكماخ ، التي كانت رائدة، تقوى على النسيان و تستعصي على النسخ. و علاوة على ذلك صدرت ” التلاوة العربية ” سنة  1957، و ” التلاوة المفسرة  ” سنة 1968، و سلسلة ” قراءتي ” سنة 1989. لتليها مراحل عديدة توجت بمحطة الكتب المتعددة .

  محطات طرائق تدريس القراءة في المدرسة المغربية :

    لقد ساهمت الروافد النظرية و العلمية في تحديد الطريقة التدريسية المناسبة لجميع ،أو  بعض ، المكونات التعليمية.  فلا تعتمد طريقة عبثا و  لا ترفا،  و إنما لمدى نجاعة و وجاهة و صلابة ركائزها النظرية. و قد تلونت الدراسات السيكولوجية و السيكو لسانية  و اللسانية  و تسارعت لتوفير أرضية متينة تحقيقا لتعليم فعال و تربية سوية. و القراءة كمكون تعليمي نهل من هذا الحوض المعرفي لبناء مقاربة ديداكتيكية عملية مناسبة. و على العموم، إلى عهد قريب،  اعتمدت ثلاث طرائق للقراءة في المدرسةالمغربية و هي:

إقرأ أيضا:البيئة اللغوية للطفل المغربي : دراسة سوسيو لسانية.

● الطريقة التركيبية :

   تبدأ بتعليم الجزئيات، أي الحروف الأبجدية بأسمائها  أو بأصواتها، ثم الانتقال إلى المقاطع و الكلمات، وفق منهجين:

    ▪ المنهج الأبجدي :  يركز على أسماء الحروف، لأنه يمكن نطقها بالتعريف و التنوين، مثل (الالف، الباء، التاء…… )، ثم تضاف إليه الحركات و المدود و التنوين بالفتحة و الكسرة و الضمة، و الواو لمد الضمة و الألف لمد الفتحة و الياء لمد الكسرة. و هكذا يتعلم التلميذ ، صورا مختلفة من رسم الحروف و نطقها ثم ينتقل إلى المقاطع ، فالكلمات  و الجمل…..

   ▪ المنهج الصوتي:  لا يختلف كثيرا عن سابقه، يعتمد على أصوات الحروف ، فنقول (أ، ب، ت…. )، والطفل يتعلم الحرف مقرونا بصوته، و هي تبدأ من الجزء إلى الكل، ترى بأن أصوات الحروف  أكثر دلالة و أيسر استيعابا و ضبطا.  و يمكن تقديم كلمات منفصلة الحروف  : وردة، زورق، درب…ثم كلمات متصلة جزئيا : ورقة، روضة….

   و من النقائص التي رميت بها هذه الطريقة:

 ☆ تعتمد على مرجعية نظرية متجاوزة، مفادها أن العين تبدأ برؤية الأجزاء و منها تنطلق إلى رؤية الكل، في حين أن العين ترى كل مجالها البصري في شموليته.

☆ تخالف سيرورة النمو المعرفي و اللغوي عند الطفل.

    و هذا ما سنعقب  عليه في هذا البحث، للوقوف على مدى مصداقية هذه المؤاخذات.

● الطريقة التحليلية:

    أسسها (نيكولا أدام  )، و مرجعيتها الطرح السيكولوجي الجشطلتي، و التي ترى أن العقل البشري يسير في إدراكه للأشياء من الكل إلى الاجزاء، و لا تخلو كتب و دلائل من مدحها و التأكيد على نجاعتها ، رغم النتائج المعاكسة. و تتفرع هذه الطريقة إلى منهجين أساسيين هما:

 ▪ منهج الكلمة:  تنطلق  لتعليم القراءة من الكلمة دفعة واحدة مقرونة بصورة معبرة، تردد الكلمة لترسيخ  الدال و المدلول  في ذاكرة التلميذ، و بعد ذلك تجرد من الحروف غير المعنية بالدراسة حتى لا يبقى إلا الحرف المقصود في الحصة، ثم يتم شكل هذا الحرف بالحركات القصيرة و التنوين و المدود.

 ▪ منهج الجملة:  يجعل الجملة منطلقا، يراعي المدرس فيها قدرة المتعلم العقلية و الإدراكية،  و يتم تقسيمها إلى كلمات و عزل التي تتضمن الحرف المراد تعليمه، و بعد ذلك يعالج نطقا و شكلا و كتابة.

    و حقيقة، هذه الطريقة ترتكز على لسانيتين هما: ” لسانيات الكلمة ” و ” لسانيات الجملة “.  الأولى  ظهرت مع (دوسوسير) و (بيرس ) و (موريس )، و تسمى السيميائيات أي العلامة التي تجمع  ثنائية الدال(الصورة الصوتية ) و المدلول (الصورة الذهنية ). و ما يعاب عليها أنها  استقت أسسها من المنهج السلوكي لبافلوف و    واطسون،  المعروف  بثنائية المثير و الاستجابة. و أما  لسانيات الجملة  فظهرت مع العقلانيين أمثال (تشومسكي )، بنظرة أكثر اتساعا للفهم ، اعتبرت الجملة علامة لسانية أكبر ،و  اعتمدت على مبدأين هما ” الكفاية اللغوية ” و ” الأداء ” ، و قسمت الجملة إلى عميقة أساسية و سطحية محولة.

  و ما يمكننا مآخذته على هذه الطريقة، أنها متجاوزة أيضا ، مع ظهور لسانيات النص، و خلطت بين مفاهيم متباينة و نظريات مختلفة، و سربت مغالطات عن التعلم القرائي حيث أشكلت بين عمليتين ذهنيتين هما : التعلم القرائي و الفهم القرائي.

● الطريقة المزجية/التوليفية:

   هي طريقة تجمع بين الطريقتين السابقتين بانتقاء محاسن كل واحدة منهما، تنطلق من الجملة إلى الحروف تحليلا، ثم تعود في المنحى المعاكس تركيبا.

 و اعتمدت في المدرسة المغربية  حتى ظهور القراءة المقطعية، التي سنتوسع في مدارستها ضمن المحور التالي.

 القراءة المقطعية  في المدرسة المغربية :

   ● مفهوم القراءة المقطعية :

   ▪ القراءة :  لغة، من الفعل (قرأ ) بمعنى جمع و ضم ” إن  علينا جمعه و قرآنه ” سورة القيامة. ، الآية 17. و قيل معناه :بين و أوضح، كما يأتي بمعنى :لفظ و ألقى. و بالتالي فالقراءة هي ضم و جمع لرموز و إشارات لغوية مخطوطة غامضة لكشفها و استجلاء خفاياها،  و ذلك تلفظا بصوت مفهوم و معبر ، و بمعاني سهلة و واضحة.

  و اصطلاحا تعد القراءة مفهوما نقديا  معاصرا، حتى صارت نظرية حديثة ، و هي تتضمن التأويل  وفق علاقة تبادلية  بين المتلقي و النص، تتفاعل فيها قدراته الفكرية و قناعاته الثقافية مع النسيج التركيبي المخطوط. و تتمحور حول توسيع دائرة الدلالة بعيدا عن المركز الذي يشكله الدال و المدلول، مما يجعل القراءة قراءات متعددة عبر الزمان و حتى في أمكنة متباينة.

  و نرى بأن للقراءة بعدين أساسيين هما :

 الأول : تحويل الحرف المكتوب إلى صوت واع بناء على صورة ذهنية عهدها القارئ، فإذا تطابق الصوت مع الحرف فهذا إدراك للعلاقة بين الدال و المدلول و قدرة على فك الشفرة،  و إذا  تباين الصوت مع الحرف فهذه صعوبة في الربط بين الدال و المدلول و بالتالي عجز عن فك المخطوط.و  قد يطلق عليها  ” القراءة الميكانيكية ” .

الثاني:  هو فهم المنطوق الصوتي الواعي ،و يتم بالقدرة على الانتقال إلى البعد الثالث و هو الدلالة، و التي تعد تأويلا عن تسنين ثقافي و حصيلة معجمية متراكمة، و هذا يحقق التفاعل بين الذات و المقروء مما يفضي إلى بناء معرفي و تطور فكري.و قد يطلق عليها  ” القراءة الذهنية “.

 ▪ المقطع: لغة، من الفعل (قطع ) ، أي صرم، بتر، استأصل، قسم، فرق. و قد يعني :  بين ، أوضح،  عزل، فصل، جزأ….

    و المقطع، اسم زمان و مكان، يعني :  مكان و موضع الوقوف أو  زمانه.

  و حسب التحليل المعجمي، يمكننا القول أن المقطع هو الموضع أو  الوقت الذي يجب التوقف عنده أثناء النطق، لفصل و عزل أقسام المنطوق بيانا و توضيحا.

   و اصطلاحا، هو نوع بسيط من الأصوات التركيبية  في السلسلة الكلامية، أو  هو وحدة صوتية أكبر من الفونيم. و  المقطع دفعة هوائية صدرية ، و هذه العملية يقوم بها ” الصائت “، الذي يعد النواة أو الجزء المركزي من المقطع الصوتي.  أما ” الصامت ” ، فيرتبط ببداية المقطع الصوتي  أو نهايته، فلو نطقنا ،مثلا، (با )، فالفتحة و الألف  هما السبب لمرور الهواء في حجيرة النطق، و أما (ب ) الصامت، ارتبط ببداية النطق فقط. و لهذا نفصل بين معنى (الصائت ) المحدث  للدفعة الهوائية الصوتية، و (الصامت ) المرتبط ببداية الدفعة الهوائية أو  نهايتها.

  و نلاحظ أن (الصامت ) صغير جدا من الناحية الصوتية، أما (الصائت ) فيستغرق معظم المقطع الصوتي  و يزداد مع المد.

 ▪ القراءة المقطعية:  إن  قران القراءة بالمقطع،  وصفا، هو صفة لطريقة تدريسية تعتمد على الدفعات الهوائية المكونة من ثنائية متداخلة،  صوائت و صوامت، لتفكيك المرموز الخطي، الذي يعتبر تركيبا من مقاطع صوتية.  إنها  أداة لحل التراكم اللفظي بعزل أجزائه إلى أصوات لها بداية و نهاية مكانية (الكتابة )، و زمانية (النطق ).

  ● المرتكزات النظرية :

   إن  القراءة المقطعية جاءت لتحقيق الوعي الصوتي و ترسيخه،  أي  التفكيك الصحيح و السريع للمكتوب،  و هذا إعداد  للقراءة الميكانيكية السليمة. و الحكاية كمكون مكمل في مادة اللغة العربية  يسهم  بالوعي المورفولوجي. و ذلك لتعزيز القدرات الميتا-معرفية للإدراك و الإنجاز  اللغويين لدى التلميذ. إن هذه الممارسة البيداغوجية  تعلم التسنين الفونولوجي و الحكاية تستحضر مستويات لسانية أخرى كالدلالة  و التداول بقصد تحقيق براعة نطق المكتوب و إتقان كتابة المنطوق.

   و من المرتكزات النظرية  التي تأسست عليها القراءة المقطعية نجد:

☆  علم اللغة العصبي :   إن  المخ يقوم بعملية ” الترميز “، و كلما كان الموضوع أكبر و أوسع تطلب جهدا و وقتا لترميزه، لأن صناعة الرمز اللغوي في الدماغ تقوم  على تحويلات أساسية للفظ من خلال تحليله و تجزيئه إلى حروف و أصوات، على مستوى الشبكات العصبية. و لهذا فالمقاطع الصوتية توفر  جهدا ذهنيا و وقتا على المتعلم، و هذا ما كان يتكبده في القراءة التحليلية  و المزجية.

  و يشير (ديكون)   إلى هذه النقطة بقوله : ” إن  فك الرمز و تحليله إلى مكوناته الأولى التي تكون منها، تتم بحل شفرته اللغوية التي يرجع إليها ” عطية سليمان أحمد،  اللسانيات العصبية، ص:132.

  إن  وظيفة المخ ” هي تعلم الأصوات التي يسمعها، من هذا يتبين أن عملية اكتساب اللغة  تتم من خلال القدرة الفطرية ، بدءا بتعلم أصوات  اللغة، ثم تخزينها في التشابكات العصبية……” عطية سليمان  أحمد،  اللسانيات العصبية،  ص:229. و هكذا يتبين لنا أن تدريس التلميذ الأصوات اللغوية في بداية التعلم القرائي، من خلال المقاطع الصوتية ، سيرورة تتماشى و تتناغم مع وظيفة المخ الطبيعية و الفطرية.

   لقد أكدت الدراسات العصبية أن  اكتساب رنين أصوات اللفظ لدى الطفل يمهد لإدراك المعنى . فحين يستقبل الطفل الصوت بحاسة السمع يقوم بطبع نسخة له في خلاياه العصبية، و بعد ذلك يدخل مرحلة  التوافق بين المظهر الحركي المتمثل في حركة أعضاء نطق الصوت، و المظهر الحسي  الكلامي،  أي التكلم.  و هذا يتحسن مع مرور الوقت و تقدم النمو الفسيولوجي.  و تلي تلك المرحلة فترة الفهم و الاستيعاب و القدرة على استنباط  المعاني،  ” فيجمع ، أي  المتعلم،  بين الاسم و المسمى أمامه،  مع تكرار اللفظ و الإشارة إلى الشيء، و يربط بين الرمز الصوتي و ما يرمز إليه، فتنطبع في مخه صورة الشيء ملتصقة بلفظه و تصير عملية تلازمية  ” المرجع السابق، ص:234.

علم النفس العصبي:  لقد تم بأحد مؤسسات الأبحاث  بمنطقة (سكلاي  ) الفرنسية، في مركز الطاقات البديلة تحديدا، إخضاع  مجموعة من الأطفال لفحص دماغي باستعمال التصوير بالرنين المغناطيسي، حيث تعرض أمام أعينهم شاشة تتضمن كلمات يدعون لقراءتها تحت الأشعة الكاشفة، يتم ذلك لفهم العمليات التي يقوم بها الشق الأيسر  من الدماغ أثناء القراءة، و كذا لاستنتاج الطريقة المثلى  و المتناسقة مع الوظيفة البيولوجية،  و بعد ذلك تبين أن  المسار الذي تقطعه عملية القراءة هو تقطيع و تجزيء الكلمة في البداية الى حروف ثم تحويلها الى أصوات.  و هذا يتناسب تماما مع مبدأ القراءة التركيبية المطمورة في طي النسيان، و هو ذاته ما ترسو عليه القراءة المقطعية.

   كما أكد الباحثون في علم الأعصاب و علم النفس-عصبي، أن  أي طريقة غير تلك ، تبعد الطفل عن إتقان فعل القراءة، و أن الطفل الذي لم يلقن اصوات الألفاظ لا يجد مخزونا لها داخل خلاياه العصبية،  مما يؤدي به إلى ثلاثة أنواع من المشاكل في باثولوجيا الفازيا (مرض الحبسة الكلامية )، و هي:

  《 ▪ صعوبة تحديد نوع الأصوات ، لأنه كي تصدر صوتا لابد من وجود نسخة له في المخ، بعد ترميزه  و تخزينه.

    ▪  صعوبة في الكلام و القراءة ، فالفرد يستطيع أن يتكلم و لكن تختلط عليه الخصائص الصوتية.

   ▪ صعوبات في الكتابة، فالفرد الذي يعجز عن تحديد الخصائص الصوتية تغيب عنه خصائص الحروف و بالتالي لا يستطيع الكتابة.》 ألفت حسين كحلة،  علم النفس العصبي،  ص 137.. 

          و هذا يفسر لنا جليا صعوبة القراءة لدى جل التلاميذ،  و خلطهم بين الحروف و عجزهم عن التعبير بطلاقة.

  ☆ علم النفس اللغوي:  يرى علماء النفس اللغويون  أن الطفل ،منذ بداية الكلام، ينجز عمليتين ذهنيتين  و هما: التقطيع و التجميع، فعندما يسمع كلاما ينسال على أذنه كموجة صوتية متصلة نسبيا، ثم يقوم بتقطيعه إلى أجزاء صغيرة تتناسب و قدراته العقلية، و لهذا عندما يطلب منه إعادة ما سمعه ينطقه متقطعا و ناقصا من حروفه أو متداخلة. كما استنتجوا  أن”  المقاطع العروضية يمكنها معالجة بعض امراض الكلام،  فلقد أظهر تغاير استخدامها في مختلف اللغات تنظيمها المقدرات الإدراكية عند الرضع لبناء مسألة التقطيع ” و .” لا يمكن أن تكون مهمة تقطيع وحدات الكلام المتصل إلا إدراكية عند الرضيع ” بينيديكت دوبوسيون،كيف يتعلم الطفل الكلام ؟،ترجمة محمد الدنيا، ص 145/150.

   و إذا  حسمنا  أن  لغة الأم للتلميذ المغربي هي الدارجة، فالعربية الفصيحة أجنبية و غريبة على إدراكه،  و لهذا وجب التعامل معها بمنهج الرضيع.  إن الطريقة المقطعية تجري في مجرى الفطرة البشرية، حسب هذه العلوم ، و نستحضر كلاما ل (جاكبسون  ):” إن  الطفل يحب ترديد المقاطع مثل :با، ما ، تا،….ثم ينطق بعد ذلك المفردات التي لها علاقة بمحيطه الأسري : بابا، ماما، …” سيرجيو سبيني، الترببة اللغوية للطفل، ص 42.

 خاتمة:

        لقد بينت هذه العلوم الحديثة،  و التي لاتزال في طور التحديث، أن اللغة و خصوصا الألفبائية الصوامتية،  كالعربية،  يجب تعليمها بالمقاطع الصوتية قبل الكتابة المورفولوجية.  و هكذا تنتصر المقطعية للتركيبية،  و معها لمدرسة (أحمد بوكماخ )،  كما تتضح لنا علة  المآخذات التي رميت بها التركيبية،  بكونها تخالف سيرورة النمو المعرفي و اللغوي للطفل، و كذلك اعتمادها نظرية متجاوزة.  و بفضل هذه الدراسات ميزنا بين الفهم القرائي الذي يتم من الكل إلى الجزء، و التعلم القرائي الذي يتم في المنحى المعاكس.  و التجربة الفرنسية المذكورة تناغمت و تناسقت مع الطريقتين التركيبية  و المقطعية المتجانستين المتكاملتين.

    نخلص في الختام إلى أن  القراءة المقطعية انبعاث بعد انتكاسة دامت سنوات تعادل رعيلا من شباب هذا الوطن،  و باندماجها مع الحكاية يتكامل الاكتفاء اللغوي لدى المتعلم.  و نأمل تعميم هذه الطريقة في باقي المستويات الدراسية ، للقفز بالمؤشر القرائي إلى درجات عليا،  كما نوصي بكتابة مورفولوجية للحروف على شكل حيوانات أو  فواكه  أو  آليات….لمساعدة المخ على عملية الترميز،  التي تحسب آلية تحويلية ضرورية لتخزين المعلومات، مثل كتابة (ر/ز ) على صورة موزة، و (ص،ض،ط،ظ) على شكل حيوان أو  سيارة…..الخ..


المراجع:

 ¤ ابن منظور،  لسان العرب، مطبعة دار صادر،  بيروت ، لبنان. ط 1. 1990

¤ د. إبراهيم سعدي الشبلي و عبد المحسن خلوصي الناصري، تقويم الطريقة التوليفية في تعليم القراءة و الكتابة للمبتدئين، دار الحرية للطباعة، بغداد، العراق، مجلة آداب المستنصرية،  العدد 4، 1979

 ¤ بينيديكت دوبوسيون  و باردي،  كيف يتعلم الطفل الكلام؟ ، ترجمة محمد الدنيا،  منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة،  دمشق، سوريا ، طبعة 2011

 ¤ مصطفى بوعناني و عبد العزيز ربيع، الإنجاز اللغوي العربي المكتوب بين الوعي المورفولوجي  و الوعي الإملائي،  منشورات مختبر العلوم المعرفية، كلية الآداب و العلوم الإنسانية،  فاس، العدد 6، 2015

 ¤ د. وليد العناتي،  اللسانيات التطبيقية و تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، الجوهرة للنشر و التوزيع، عمان ، الأردن،  ط 1، 2003

 ¤ سيرجيو سبيني،  التربية اللغوية للطفل، ترجمة فوزي عيسى  و عبد الفتاح حسن،  دار الفكر العربي للطبع و النشر، القاهرة، مصر، طبعة2001.

¤ د. نوال محمد عطية، علم النفس اللغوي،  المكتبة الأكاديمية،  القاهرة، مصر، ط 3، 1995.

¤  د. عطية سليمان  أحمد،  اللسانيات العصبية،  اللغة في الدماغ،  الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي،  القاهرة، مصر، 2018.

¤ مجلة علوم التربية،  العددين : 61، 63.

السابق
“هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم” معلقة عنترة بن شداد
التالي
“أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّــــــــمِ”معلقة زهير بن أبي سلمى

اترك تعليقاً