حكم و أقوال فى الحياة

الكلمة الطّيّبة تغيّر النّفوس

تغيّر النّفوس

هذه قصّةٌ صغيرةٌ تعلّمنا أنّ الكلمة الطّيّبة لها وقْعُها الإيجابي في معاملاتنا مع الآخرين .

وبينما كانت دائرة الزّمن  تدور بي ،أوقفتي للحظةٍ في ذلك المكان…ذلك المكان الّذي خبّأ في طيّاته معاني علّمتني كيف يكون الإنسان إنسانا ،وكيف يحمل في داخله أروع الصّفات الأخلاقيّة الّتي تفتح أمامه أبواب التّفاوض والحوار والمحبّة مع الآخرين .

فما زلت أذكر ذلك الحادث الّذي خُلّد في ذاكرتي ،كما يُخلّد التّاريخ في الكتب.

الجوّ عاصفٌ،الغيوم السّوداء تكسو صفحة السّماء ،فتحتضنها ولا تفارقها ، الرّعد يرسل أصواتاً كأنّها طرقاتٌ على طبول الحرب وكان الضّباب يخيّم على المكان…

لقد كانت حالة الطّقس لا تسمح بخروج أحدٍ من منزله،ولكنّ نفاذ الخبز من بيتنا جعلني أغادره دون أدنى علمٍ بما تخبّئه لي مسافة الطّريق إلى الدّكّان .

وفي الطّريق أوقفني مشهدٌ لا أنساه أبداً:سيّارتان مرتطمتان ببعضهما البعض ،ما أدّى إلى كسر زجاج كلتيهما ،وبلطفٍ ربّاني نجا السّائقان من الموت بأعجوبة ،فشكر الأوّل ربّه ،أمّا الثّاني فما كان منه إلاّ أن شتم ووبّخ و…

فدار بينهما الحوار التّالي:

“الأوّل:هل تعرّضت للأذى يا ياصاحبي؟

إقرأ أيضا:من نحن..ومن نكون؟

الثّاني :وما دخلك أنت بحالي؟

الأوّل:كنت فقط أريد الإطمئنان عليك.

الثّاني :لقد عرّضتني للخطر ،وحوّلت سيّارتي إلى خردة وتسألني عمّا أنا فيه،بئس السّائق أنت !!

الأوّل:ولكن هذا ليس ذنبي ،فهذه مشيئة الله .

الثّاني:وهل مشيئة الله تقتضي بأن تُدَمّر حياتي …ويشرّد عيالي!!

الأوّل:لربّما يضرّك هذا الحادث الآن ،ولكن في الوقت عينه قد يكون لك مصلحةٌ من حصوله .

الثّاني:أنت فعلاً مجنون!

الأوّل:إذا كنت ترى بأنّ الّذي أقوله جنون،فعليّ أن أبقَ مجنوناً بدلاً من أن أكون عاقلاً.

الثّاني):وبسخرية) ومن علّمك هذه الحكم!

الأوّل :إسمع يا صديقي …أعلم أنّك منفعلٌ قليلاً ممّا حصل ولكن أريد أن أقول لك أنّ القدر شاء أن أكون هنا ،وأن تكون أنت معي ، فلماذا لا تسلّم أمرك لله !

الثّاني: وإذا سلّمتُ أمري للّه فهل يعيد إليّ ما تحطّم !

الأوّل :وإذا عارضت وناديت و…هل سيرجع الحطام سيّارة ؟

الثّاني: إسمع أيّها الغريب ،إنّك تشعرني  عندما تتحدّث أنّني لا أساوِ شيئاً.

إقرأ أيضا:المال لا يشتري كل شيء

الأوّل:بل إنّك عندما تصغي تراجع نفسك وتتعلّم من أخطائك.

الثّاني:لماذا أحسّ أنّ كلامك غامض،وفي الوقت نفسه يشعرني بالنّدم!

الأوّل:جميلٌ أن يندم الإنسان يا صاحبي ،فما الحياة إلاّ تجاربٌ وعبر ،فلا نتعلّم إلاّ إذا أخطأنا .

الثّاني :فعلاً أيّها الطّيّب لقد علّمتني أنّ الإنسان لا تكتمل شخصيّته إذا امتلك سيّارةً ،بل إذا امتلك صفاتاً حسنةً تعلّمه آداب القيادة ،ليكون سائقاً ناجحاً.

الأوّل:الحمد لله لأنّك فهمتني ولم تجعلني أندم لأنّني حدّثتك .

الثّاني :هذا كلّه بفضلك أنت .

الأوّل :والآن كم تريد ثمناً لما كُسر؟

إقرأ أيضا:في معارج الروح ..

الثّاني:إذهب يل صاحبي ،إنّ الّذي أصابني أصابك ، وهذا الحادث هو بسبب الجليد على الأرض ولا ذنب لنا نحن فيه ،فكيف آخذ منك نقوداً ليست من حقّي !

الأوّل:لا أصدّق أنّك تغيّرت بهذه السّرعة !

الثّاني:إنّ الصّدفة الّتي جمعتنا هي ذاتها الّتي غيّرتني ،وكلامك الّلطيف معي هو ما أشعرني بالذّنب لما قلته لك .

الأوّل: لا عليك ، فليس بالأمر السّيء إذا أخطأت بل أن تبقى على خطأ .
الثّاني:لقد فاتني الوقت وعليّ أن أعود إلى منزلي.

الأوّل :حسناً كما تريد ،وهذا رقم هاتفي لنبقَ على تواصل.
الثّاني :شكراً على كلّ شيء.”

وهكذا انتهت المشكلة بينهما بسلام ،بفضل الكلام الّلطيف الّذي سيطر على الحوار.

فعلاً لقد علّمتني هذه الحادثة كيف يكون الّلطف والحوار وسيلةً للإقناع والتّفاهم، في حين أنّ الكلام الغليظ يعطي مفعولاّ عكسيّاً،بالإضافة إلى أنّ الإحترام يقرّب كلّ بعيد ،ويجعله أقرب من القريب بإذن الله .

السابق
خطوات التعامل مع السؤال المقالي في الاجتماعيات
التالي
منهجية تكسير البنية أو الحداثة وتجديد الرؤية