اللغة العربية

اللغة العربية، أصل اللغات

اللغة العربية، أصل اللغات

تقديم

أبرز تعريف للغة هي أنها نسق من الاشارات والرموز، يشكل أداة في المعرفة، وفي حفظ العقائد واستعادة منتجات الثقافة الروحية والعشرة البشرية.

وهناك تعريف آخر متداول مفاده أن اللّـغــة خاصية ومَلَّكَةٌ إنسانية، الهدف منها بالدرجة الأولى تحقيق التواصل والتفاعل بين البشر، وتتجلى اللغة إما على شكل صوت (الحديث) أو نقش (رسوم – نقوش)، أو علامات (إشارات ضوئية- رموز- حركات…).

وتعد اللغة أهم أداة للتواصل والتقارب وكذا التفاهم بين أفراد المجتمع في جميع المجالات وعلى محتلف المستويات، وترتبط بالتفكير والمعتقد ارتباطا وثيقا.

مفهوم علم اللغة الكوني

         علم اللغة الكوني أو  اللسانيات الكونية، هو علم يدرس  لغات العالم مجتمعة في آن واحد، من خلال مقارنة نظمها النحوية و الصرفية و الدلالية  انطلاقا من نظام مركزي هو ” علم الصوت “، و ذلك لمعرفة الظواهر و الصفات المشتركة  بينها، وصولا  إلى خيط ناظم يقود لتحديد اللغة الأم.  و يساهم علم اللغة الوراثي (اللسانيات الوراثية )، بتتبع مفردات اللغات موازاة مع اللغة العربية التي يعتقد أنها تضم جذورها الأصلية. 

          تم إقرار  هذا العلم  عام 2003، بجامعة لندن ( تاسست سنة 1836م،  تعد أكبر  جامعة تقليدية في بريطانيا و أوروبا )، و كانت بوادره قد بدأت قبل ثلاثين سنة، و يستمد كل قواعده من القرآن الكريم،  لأن رواده وجدوا أن النسيج الصوتي للقرآن لا مثيل له على الإطلاق  في أي  لغة من لغات العالم،  كما  يرجحون أن  اللغة العربية هي أم اللغات التي انبثقت منها كل لهجات العالم،  و هي اللغة المحتمل بقاؤها، لذا أطلقوا على قسم اللغة العربية  بجامعة لندن : قسم اللغة الأم،  و أخبروا الجامعات بذلك  فبدأ معظمها بكتابة الوثائق المهمة  باللغة العربية  إلى جانب اللغة الرسمية ، و آخر جامعة قامت بذلك هي جامعة طوكيو(تأسست سنة 1877م، و تتربع في المركز الأول آسيويا  ).

إقرأ أيضا:تدبير أزمة القرن الحادي و العشرين بوسائل بداية القرن العشرين

       لقد كان ،قديما، العرب يتوسعون في التجارة دون مترجم أو  وسيط،  لأنهم كانوا يتكلمون لغة قريبة من لغات أكثر الأمم ، فالعربي  و الكلداني  و الآشوري و العبراني  و الفينيقي يتفاهمون لقرب عهد تلك اللهجات من التشعب  ، و ما يؤيد ذلك قول ( جرجي زيدان ): ” إن  إبراهيم الخليل تزوج من بلاد الكلدان في القرن العشرين قبل الميلاد، فاجتاز سوريا  و فينيقيا  و بلاد العرب و خالط أهلها  و لم يفتقر في مخاطبتهم إلى مترجم ” .يوسف الكحلوت، علم اللغة الكوني، مجلة مدارات، ص: 36. و لكن بتباعد الناس و ضربهم في الأرض  تباينت لغاتهم  بتلون جيناتها،  مما  دفع علماء اللغة اليوم إلى سلوك المنحى المعاكس بتتبع هذه الجينات في لغات العالم، سعيا للوصول إلى الأصول الجينية لكل كلمة، و مؤخرا فككوا جل الشفرات اللغوية و وضعوا شجرة عائلية للغات الأرض ، كما رسموا خارطة للجينوم اللغوي، و هكذا سيحددون نسب كل لغة و اقربائها  و أولادها،  على شاكلة الجينوم البشري.

    إن  هذا العلم سيؤكد  أن اللغة ليست صدفة و لا طفرة من العدم ، بل هي تلقين و تعليم في البدء ثم  إبداع  و  تطوير على قوالب و قواعد مستبطنة كما أكد (تشومسكي  ). و  لا يخفى علينا أن الحسم  في البعد الابستيمولوجي للغة هو إجلاء  لأنطولوجيا الإنسان،  و يعضد ذلك اكتشاف سنة 2018،  حيث قام عالمان متخصصان في الجينات هما: ( مارك ستويكل )   من جامعة  روكيفيلر الامريكية، و (دافيد تايلر ) من جامعة بازل السويسرية،   بدراسة  مفادها أن  الإنسان المعاصر ينحدر من زوج (رجل و امرأة )، عاشا  بين 100 ألف  و 200 ألف  سنة خلت. استعملت خلال هذه الدراسة تقنية (الباركودينج  ) المعتمدة على استعمال كمية صغيرة من الجينوم لعضيات   رخوية الشكل (الميتوكوندري  ) التي تسبح خارج نواة الخلية و تمدها بالطاقة لتعيين النوع البيولوجي للكائن المدروس. وتفضي  هذه الدراسة إلى  أن اللغة الأصلية هي لغة الزوجين.  

إقرأ أيضا:القراءة في المدرسة المغربية من التركيبية إلى المقطعية

         تتجلى أهمية هذا العلم في تتبع حياة اللغات، فيسجل الهالكة  منها، و يحدد عمر المتبقية ، فمن بين 1000 لغة معروفة، ماتت 400  و بقيت 600 ،و  في توقف تام للانجاب اللغوي ، العالم يفقد 50 لغة في كل عام تقريبا. يعزى ذلك لسمة السرعة و الاختصار التي طالت تلك اللغات، و كذلك النفور من التصريفات  و التحويلات المعقدة، و هذا يعوق اللغة و يعرضها للموت، أي انحسارها و عدم تداولها بين الناس. و لهذا العلم أيضا ميزة مبهرة، و هي كشف علاقة التطور اللغوي بالتطور الفسيولوجي للبشر، فكما تنوعت الألسن  تلونت الأجناس بعد انفصالهما  عن الأصل،  و لا غرو  في ذلك ،  فالله تعالى يقول ” و من آياته خلق السماوات و الأرض  و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم، إن  في ذلك لآيات للعالمين ” سورة الروم، الآية 21.

مميزات اللغة العربية

      لتحديد قيمة لغة ما، نخضعها  لثلاثة معايير، و هي: الشمولية، الأبدية  و التميز. و نعرض اللغة العربية  على هذه المقاييس، من باب الذكر لا الحصر:

الشمولية

▪  القاموس العربي هو أكبر  قاموس لغوي، بل إن  مجموع قواميس كل اللغات و اللهجات المعروفة اليوم لا يساوي ثلثي هذا القاموس. و معجم لسان العرب  يضم 80 ألف  مادة و كل مادة تشمل عشرات الكلمات، بينما قاموس  صموئيل جونسون  الانجليزي يحتوي 42 ألف  كلمة فقط.

إقرأ أيضا:المنهاج التعليمي الجديد للتعليم الابتدائي

▪ للغة العربية 16000 جذر، اللاتينية 700 جذر ، الساكسونية 1000 جذر، العبرية 2500 جذر.

اللغة العربية  اشتقاقية (السوابق و اللواحق  و الأحشاء  )، الحشو هو زيادة وسط الكلمة و هذا يغيب في اللغات الاخرى.

اللغة العربية صمدت  أمام  الغزو اللغوي ولم تتأثر دعاماتها. في حين هي أثرت على اللغات الأخرى معجميا( الإنجليزية،  الفرنسية، الاسبانية، التركية …)، و أبجديا ( الفارسية، الكردية، الكشميرية….. )، و تركيبيا (العبرية،  المالطية. …. )

▪ تحتوي اللغة العربية على 4 ملايين لفظة، الفرنسية 100 ألف،  الإنجليزية  150 ألف،  الصينية 200 ألف. حسب آخر الإحصاءات .

▪ الحروف الأمازيغية (تيفيناغ )، تعود للعربية الحميرية  البدائية ذات الخط المسند، و هي لسان اليمنيين القدامى ، تعرف بثلاث نقط كالمثلث  للفصل بين الكلمات. كما أن  لفظة (أمازيغ) لا يوجد لها جذر إلا في اللغة العربية  و هو : مزغ ، و يعني : ” وثب، و التوثب  باللغة الحميرية تعني النهوض و القيام ، و قد تطلق مجازا  على   التمرد و  المقاومة “..لسان العرب،  مادة مزغ.  و  هذه اللغة تعوض (ال ) التعريف  ب(أم  )، فنقول : الرجل= امرجل،  الباب= امباب. … و هذا نجده  في اللسان الأمازيغي  المعاصر ، حيث نقول : امكروس،  امزوغ،  امزوارو،  امحضار. ….و لمن أراد  التوسع في معرفة عروبة الأمازيغ  أحيله على  كتاب (  حول عروبة البربر: مدخل إلى معرفة عروبة الأمازيغيين من خلال اللسان).

الأبدية

       لقد أكد علماء اللسانيات الكونية أن  اللغات تموت بمعدل لغة كل أسبوع ،  50 كل عام، مع توقف تام لولادة أخرى،  فحددوا عام 2090م لنهاية اللغات ، و لن تبقى إلا ثلاث على الأرض،  منها العربية.  و يسند هذا الزعم للأسباب التالية:

▪ وجود الصوت [أوو ] الإنجليزي المفخم،  لأنه صوت ناسف للحرف الذي يليه، فلا ينطق،  مما يؤدي إلى تشوه الكلمات، و الواو العربية غير ناسف لأنه يحرك تارة(ولد )، و يصير مدا تارة أخرى (دون ).

▪ تجاور الحرفين  (ق_ج ) لأنهما  قاتلين للأسباب  التالية:

☆ لهما مخرجان صوتيان متقاربان:[ق ] أقصى اللسان و ما يليه من الحنك الأعلى.  [ج ] وسط اللسان و وسط الحنك الأعلى.

☆ لهما صفات متقاربة جدا:   [ق] مفخم، مجهور، شديد، يمتنع معه النفس . [ج ] مرفق، مجهور، شديد، يمتنع معه النفس .

         فإذا  تجاورا في لغة ما، عرف أن  عمرها قصير، و هما لا يتجاوران في العربية، و الألفاظ  المتواجدة مثل (جقة، بقجة. . ) فهي معربة. و على العموم فالعربية  تنفر من جمع حرفين لهما مخارج متقاربة و صفات متشابهة.

▪ اللغة العربية  هي الوحيدة التي تشكل حروفها و تخضع للإعراب ، و هذه سمة العنفوان  و الطراوة  في  مرحلة الشباب، و نضيف (ال ) للتعريف  الذي يعطي مدى واسعا للتنفس أثناء النطق، و هو علامة استمرارية الحياة. قال تعالى ” و جعلناهن أبكارا  عربا أترابا  ” سورة الواقعة، الآية 37.  عربا: بمعنى شابات لا تصبهن  تحولات الشيخوخة، دائمات النضارة و الجمال، و العربية  من اشتقاق هذا اللفظ  ،فهي  الشابة ذات الجمال و الكمال.

▪ تحول أزمنة الكلام إلى: فعل+ الوقت، في اللغات المتداولة الحية، فنقول مثلا بالإنجليزية : أذهب أمس،  أذهب غدا، أذهب الآن. …، و هذا التحول لتبسيط و تسريع التواصل و التكلم،  و لكن فقدان  تصريفات  الأفعال  في الأزمنة  حسب المقام و التركيب يعرضها للتآكل و ينذر بأفول  وشيك. في حين ان العربية لا تعرف ذلك و لا تستقيم به أبدأ . و مازالت  تحتفظ بأزمنتها كلها:  الماضي( البسيط، البعيد المنقطع، القريب المنقطع، المتجدد، المنتهي بالحاضر ، المتصل بالحاضر، المستمر، المقارب و الشروعي ). المضارع( العادي، التجددي،  الاستمراري، الاستقبالي القريب، الاستقبالي البعيد و الاستقبالي الاستمراري). و يضاف الى هذا ، أسلوب الطلب (الأمر،  النهي، التحضيض…. ).

التميز

 ▪       حتى عام 2000م، كان علماء اللسانيات ، يعتقدون أن تفاعل اللغة يتم في الجزء الأيسر  للدماغ ، و لما اخترع جهاز للتصوير الطبي بالرنين المغناطيسي،  لتوضيح التغيرات الباثولوجية في أنسجة الدماغ،  تم تكبير المخ 35 مليون مرة، و رصدت حركة اللغة في الأنسجة الدماغية، و لأول  مرة في التاريخ، يرى العلماء تفاعل الكلمة داخل المخ قبل خروجها على اللسان من الفم، فتبثوا  حقيقة اعتقادهم ( التفاعل اللغوي يتم في يسار الدماغ )، كما رسموا مسار هذا التفاعل.: تنطلق نبضة من قعر الدماغ ،و هو مكان تخزين مدلول الكلمة(معناها)،إلى خلف الأذن اليسرى، و هو مكان تخزين دال الكلمة(صوتها )، و تلتقي بنبضة منطلقة منه، فتلتقيان ليتم اتحاد الدال و المدلول،  ثم تسير النبضتان  لتخرجا  عبر اللسان من الفم بواسطة الجهاز الصوتي.

و الغريب في هذه المسألة،  أنهم تابعوا كلمات عربية، فلم يجدوا لها أثرا في الشق الأيسر للدماغ، و تفقدوها  ليكتشفوا النبضات  في الشق الأيمن،  و تأكدوا يقينا أن اللغة العربية هي الوحيدة التي تتفاعل على  يمين الدماغ، فأنت عندما تفكر بألفاظ عربية تشغل الجهة اليمنى للمخ.  و لهذا يطرح السؤال الآتي،  لماذا تنفرد العربية بنصف الدماغ؟

▪    تنفرد العربية  بكلمات لا أصل لها في أي لغة أخرى  ، حية أو ميتة، تؤكد مدى قدمها في تاريخ اللغات،  و منها:

☆ الحمد: لا يوجد لها مقابل  في كل اللغات ،و نجد  مقابلا ل: مدح، شكر. و  أول   من نطقها هو (آدم)،  حين عطس، فحمد الله، و نقول إن  آدم تكلم بالعربية، و بالتالي الزوجان آدم و حواء تكلما بالعربية.

☆ الرحمان:  لا مقابل لها أيضا،  و عندما تدخلها للترجمة ، تكتب” رحمان ” بحروف لاتينية، بينما نجد ترجمة ل : رحيم . و جاءت على لسان (إبراهيم )  في قوله تعالى ”   يا أبت إني  أخاف أن  يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا ”   سورة مريم، الآية  45 ، فنقول إن النبي إبراهيم نطق بالعربية أو  ما تشعب  منها كالسريانية  أو  الآرامية….

مكانة اللغة العربية

  • يقول ( مرجليوت  ) ، أستاذ  بجامعة أوكسفورد:

           اللغة العربية لاتزال حية حياة حقيقية، و هي واحدة من ثلاث لغات استولت على سكان المعمورة استيلاء لم يحصل عليه غيرها، الإنجليزية و الإسبانية أختاها، إلا أننا نعرف زمان حدوثهما  و لا يزيد عن قرون معدودة، أما اللغة العربية فابتداؤها أقدم  من كل تاريخ.

•  يقول المستشرق الأمريكي (وليام وورل) ، مدير المباحث الشرقية بالقدس:

        إن  اللغة العربية  لم تتقهقر فيما مضى  أمام أي لغة أخرى من اللغات التي احتكت  بها ، و ينتظر أن تحافظ على كيانها في المستقبل. للغة العربية  لين  و مرونة يمكنانها من التكيف لمقتضيات هذا العصر.

• يقول المستشرق و اللغوي ( إدوارد  دينسون  روس ):

إن  حروف العربية مرنة، سهلة، لها في النفوس ما للصور من الجمال الفني.    

• يقول المستشرق الفرنسي ( لويس ماسينيون):

         استطاعت العربية أن  تبرز طاقة الساميين في معالجة التعبير عن أدق  خلجات الفكر، سواء كان ذلك في الاكتشافات العلمية و الحسابية، أو  وصف المشاهدات أو  خيالات النفس و أسرارها.  اللغة  العربية هي التي أدخلت في الغرب طريقة التعبير العلمي، و هي من أنقى اللغات.

و نزيد على هذه الشهادات من أفواه  الغرباء، قولة عمر بن الخطاب:  تعلموا العربية فإنها تنبت العقل و تزيد في المروءة.

     إن  الذين يتربصون باللغة العربية  ريب المنون، و يظنون زوالها كل  الظنون، و يكيدون لأهلها  كيد الجنون، يحدثون بآياد  قصيرة و قامات  حطيطة  و ألسنة  خرساء و أفواه  بكماء عاصفة لا تعدل زوبعة في فنجان، حالمين  بإخماد  وهجها  و طمس نورها، و هؤلاء يصدق فيهم قوله تعالى ”  يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم و الله متم نوره و لو كره الكافرون ” سورة الصف، الآية 8. و للإشارة  فالجملة  الأولى  من الآية قد تكون (خبرية )، بفعل مضارع يفيد التجدد و التحديث لبيان مدى إصرارهم  و سعيهم في كل  زمان و مكان، و الواو هنا تكون استئنافية استئنافا  ابتدائيا لقطع المتجدد بالدائم  المتصل ، و هي الجملة الاسمية (الله متم نوره ). و إذا  كانت الجملة الأولى  (إنشائية  )، لاستفهام  استنكاري  مقدر (أيريدون ليطفئوا..)، تكون الواو حالية بتقدير : أن  مرادهم  تحكمه إرادة  آلله  المحيطة و الغالبة.

        إن  انتصارنا للغة العربية  ليس عبثيا  و لا سبهللا ،   و عشقنا لها ليس دغمائية  و لا حمية  جهلاء، فنحن نعلم يقينا أنها في حفظ  الحي الذي لا يموت و الدائم الذي لا يفوت، فقد قال ، جل جلاله : ” إنا  نحن نزلنا الذكر و إنا  له لحافظون  ” سورة الحجر، الآية 9.  إن  : حرف توكيد  و نفي للشك،  كرر مرتين، و ارتباط (حافظون )  بلام  التأكيد للزيادة في إقرار  الخبر لدى المتلقي، فلا شك في التنزيل و لا ريب في الحفظ.

      و ختاما  نقول، إن  اللغة العربية مرشحة  بقوة لتكون أصل  اللغات ،و هي الباقية الدائمة، و لا مندوحة لنا عن الاصطلاح على ذلك لعلو شأنها  على سائر اللغات  ، و سطوع سناها على كل الومضات، فشتان ما بين باسقات تخترق السديم  و نجم يزحف على الأديم.  و لقد آثرت في الاستشهاد استحضار أقوال  الغربيين ، لأن شهادة البعيد أشد وقعا من شهادة أهلها،  و تحاشيا  لأي مزايدات إيديولوجية  ضيقة متغطرسة خرقاء.

        إن  الخلائق تفنى فروعها و أغصانها  و تدوم جذورها، فعجب الذنب في جسم الإنسان  لا تنخره الديدان و لا تمزقه الأرض،  و لا يسحقه الزمان، فالبقاء  للأصل  و الاندثار للفرع،  و أختم بلطيفة  رائعة من لطائف اللغة العربية :

    حلموا فما ساءت لهم شيم<<<<>>>>>>سمحوا فما شحت لهم منن

  سلموا فلا زلت لهم قدم<<<<<<>>>>>>> رشدوا فلا ضلت لهم سنن

 هذه الأبيات الشعرية ، في هذا المنحى، للمدح. و في المنحى المعاكس تصير للذم و الهجاء، فنقول:

     منن لهم شحت فما سمحوا<<<<<>>>>>>شيم لهم ساءت فما حلموا

      سنن لهم ضلت فلا رشدوا<<<<<>>>>>>>قدم لهم زلت فلا سلموا


المراجع:

¤  الأب  انستاس ماري الكرملي، نشوء اللغة العربية  و نموها و اكتهالها،  المطبعة العصرية، القاهرة، مصر،ط:1938م.

¤ عبد الرحمان أحمد البوريني، اللغة العربية  أصل اللغات كلها، دار الحسن للنشر و التوزيع، عمان، الأردن،  ط1. 1998م.

¤ إسرائيل ولفنسون، تاريخ اللغات السامية، مطبعة الاعتماد، القاهرة، مصر ، ط 1، 1929م.

¤ د. يوسف الكحلوت، علم اللغة الكوني، مجلة مدارات، وزارة الثقافة الفلسطينية، العدد 5، 2011م.

¤ د. عبد الله الحلوي، دراسة جينية مثيرة تكشف أصل الإنسان المعاصر و لغة ما قبل الكارثة، جريدة هسبريس،  17 يناير 2019م.

¤ ركاد حسن خليل، العربية أم اللغات،  جريدة دنيا الوطن، 12 مارس 2017م.

السابق
الحساب الذهني وتطوره في المنظومة التربوية المغربية
التالي
“رامي” يكره الفطور