المحاكمة

قاعة الاستماع تعج بالحركة، ضاقت المساحة بالناس الذين شغلوا كل فضائها، فكثيرون يبحثون عن بقعة خالية بعد احتلال كل المقاعد، التمتمات أضحت ضجيجا، والتساؤلات غدت تطلعا ملحا، ومضى الحراس يزحفون كالثعابين بين الجموع، محاولين بعث النظام، يطلبون التزام الصمت مرة ويستعملون الهراوات مرات أخرى، وأمام الباب عدد من الجنود يسعون لإقفال الباب الخشبي الكبير، وعبثا ما يحاولون، فلا سبيل لمنع تدفق السيول البشرية إلى الداخل.

الفوضى عارمة، الجو خانق، الحرارة لا تطاق رغم أن الفصل شتاء والثلوج تتهاطل خارجا، ولا أحد من الحضور يبدي رغبة في الرحيل، فالانتظار عادة جبرية ألفتها الجماهير، وهي تتحين لحظة القرار.

وبإشارة واحدة عم الصمت الأرجاء وهدأت الحركة، انقلاب تام للمشهد افتتح بدخول رجل ضخم، ممتلئ الخدين، غليظ الرقبة، منتفخ البطن، احتل منه الشاربان المتدليان نصف الوجه، بصوت عال أجش أمر الجميع بالسكوت، والكل انصاع لأمره فهو القاضي الذي يصدر الأحكام.

رفع بصره وجال به بين الجمع الهائل، وما هي إلا لحظات حتى فتح الباب الخلفي ودخل منه جنديان يمسكان بشخص هزيل، برزت عظامه، لا يمكن تمييز ملامحه على وجه يميل لونه للزرقة وتشوبه كدمات حمراء، علامات الإرهاق بادية عليه بالكاد يستطيع المشي، الإرهاق والقلق وسما محياه، وبصعوبة وجه نظره صوب القاضي، الذي بادله بنظرات ازدراء حاقدة، وأعلن عن بداية المحاكمة.

دون أخذ أو رد رفع القاضي ورقة من على الطاولة أمامه وقال:” قررت المحكمة تسليط أقصى العقوبات على المتهم، وعليه سيتم تنفيذ حكم الإعدام وعدم قبول أي طعنّ

تعالت صيحات الحاضرين وهتفاتهم، وبين التصفيف والصفير وتوجيه التحية والإشادة بالقاضي والدعاء للملك علا صوت المحكوم مدويا ليعم بعده صمت رهيب..

أردف المتهم صارخا:” ما لكم ..أين هي عقولكم ..من أعمى أبصاركم وبصائركم.. نعم متهم أنا بخرق قانون يستمد قوته من ضعف البائسين، مخالف أنا لتقاليد تقيد فكري وتحد من قدراتي، كافر أنا بنواميس تبايع الحاكم قديسا لا يمس ويضام وتجعل الشعوب عبيدا للئام، عدلت عن الانحناء لملك لا يعدل بين الرعية، سارق أنا أي نعم سرقت الخبز من على مائدة السلطان، خبز خبزته أمي من طحين قمح مزرعة جدي الذي حصده أبي طمعا في أن يسد جوع إخوتي لكنه حرم غلته.

تنهد المتهم بعمق وتابع كلامه:” ما بكم حانقين هكذا ضدي، وأنا لم أوذ أحدا منكم يوما، ما أردت سوى تحرير عقلي من زنزانة الجهل، واسترجاع أحلامي الفتية المنفية في صحراء الخوف، قاتل أنا لجنين الجبن في رحم الخنوع، مغتال أنا لهاجس الظلم الذي يطوق النفوس، لأعرف بحق ما الصدق، ما الوفاء، ما الولاء، ما الأمن، آه لو عرفتم شعور الأمن حقا لما توانيتم في سرقة ما سرقته وقتل ما قلته، وخرجتم رافضين كل عرف وتقليد باطل يناقض شرعة الإيمان ويبع الأوطان بأرخص الأثمان، ..وهنا صرخ القاضي بشدة:” أسكتوا هذا المعتوه، أخرجوه فهو إرهابي يحاول زعزعة أمن واستقرار البلاد”.

هرع الحراس إلى المتهم وسرعان ما تعالت الأصوات تطالب الإفراج عنه، وتندد بالحكم الجائر، فعجبا لأمر الحضور منذ دقائق كانوا يهتفون للحكم، ثم انقلبوا عليه، فهل كانت بضع كلمات كفيلة بإذابة الجليد الذي جمد الضمائر.

لم يسمح الحراس للناس بالاقتراب وأخرجوا المحكوم من القاعة بسرعة، وسيق للساحة العمومية ونفذ فيه حكم الإعدام وسط سخط كبير وفوضى عارمة طوقها الجنود بصعوبة، ومن يومها صارت دار القضاء كالسوق العام، تكثر بها الحركة فرتأى ولاة الأمور أن يجعلوا نشاطها ليلا ومن غير حضور، فما تكاد تباشير الفجر تظهر حتى تغلق أبوابها وكأن شيئا لم يكن في جنح الظلام، لكن الرفاة والجماجم ارتصت فوق بعضها لتمد جسرا للضفة الأخرى حيث ينتظر الجميع محاكمة عادلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!