المدرسة وإشكالية الاندماج الاجتماعي       
المدرسة وإشكالية  الاندماج الاجتماعي       

المؤسسة التعليمية

    تعتبر المؤسسة التعليمية فضاء تثقيفيا وتربويا يهيء للمتعلم فرصة التعلم واكتساب المهارات المطلوبة . كما انها من المفروض ان تسهل له عملية الاندماج الاجتماعي ، و وتدفع به إلى الانخراط في زحمة التواصل الحضاري . وانطلاقا من هذه الوظائف وغيرها تصبح المدرسة مطالبة بفتح حدودها لمواكبة المستجدات . وتأسيسا على هذا الفهم يمكن القول بان الفضاء المدرسي تتداخل فيه مجموعة من العناصر . فالخدمات التربوية التي تهيئها المدرسة ينبغي أن نسعى إلى خدمة المنعلم ، ودفعه إلى التحرر من كل ما يعيق تكوينه الذاتي . ولا يمكن بأي حال ان تؤدي المدرسة دورها كاملا دون أن تنخرط في ورشات متعددة التوجهات والمنافع.  فلم تعد المدرسة هي تلك البناية التي تعجن فيها الأرقام البشرية المحكومة برنين الجرس المعلن بشكل روتيني مقرف عن وقت الدخول والخروج دون اعتبار للمنتوج والمردودية . ولعل المؤسسة التعليمية المنغلقة على ذاتها ، والمعزولة عن خارجيتها ، ليست في الحقيقة سوى روض للكبار والصغار معا ، يضيع فيه الوقت ويهدر فيه الجهد والمال إلى أجل غير مسمى . فإذا كان لكل مجتمع بسيط أومركب مشروعه الثقافي ، فإن للمدرسة أولويات ومسؤوليات . إذ أن الشأن المدرسي يمثل وجه المجتمع ، ويعكس فلسفة الدولة، وآفاق التحولات الممكنة.

      فالحديث عن التمدرس وما يرتبط به من قيم تربوية ، ونظم ثقافية ، وأنساق اجتماعية لايكون مشرعـنا ما لم نتوقف عند الفضاء المدرسي الذي تتم فيه عملية التعلم . فهناك طرفان أساسيان في عملية التعلم . ( المدرس والمتعلم) ،  مع العلم أن هناك أطرافا أخرى لها صلات مباشرة بهذه العملية ، في مقدمتها الطاقم الإداري ، وجمعية آباء وأمهات التلاميذ والتلميذات ، دون أن نغفل دور الجمعيات ، ومكونات المجتمع المدني عموما . والملاحظ من خلال هذه الشراكة المعلنة ، أو المضمرة ، أن التعليم قضية وطنية بامتياز ، وبالتالي يجب النظر إليه كأسلوب حضاري . ومن بين هذه العناصر مجتمعة يبقى المتعلم هو الرأسمال الأساس في كل مخطط تعليمي ، لأنه في نهاية المطاف يمثل الوجه الحقيقي الذي نقيس به الاختيارات الثقافية ، والاقتصادية ، والسياسية للدولة .

 صورة المتعلم

          إن الحديث عن المدرسة يدفع بنا إلى إثارة ذلك الذي تعتبره الأدبيات التربوية محور العملية التعليمية- التعلمية   ( التلميذ ) باعتباره يشكل مركزية  الخطاب المنهاجي ، الذي ينبغي أن ينبني بدوره على أسس ، و منطلقات علمية مضبوطة . فالمتعلم كائن بشري له بناء مركب من عدة عناصر حددتها قواميس علم النفس في جملة خصائص منها :    ( الجهاز العصبي + الحواس + الغدد + العقل + الدوافع + الرغبات + الانفعالات + الإرث الاجتماعي + الإرث العائلي…) . وإذا كانت هذه العناصر تشكل نسبيا قاسما مشتركا من وجهة النظر المخبرية بين الأفراد ، فإن شخصية المتعلم في كثير من البلدان العربية تنوزعها عناصر أخرى أكثر تعقيدا، وهي: الفقر/ اليأس/ الإحباط/ شبح البطالة/ ضبابية المصير/ الإحساس بالدونية/ وجود إرث من العقد الاجتماعية ، والأسرية … و بناء على هذه الحقائق ،فقد أصبح التحكم داخل المدرسة في المتعلم من الصعوبة بمكان . بمعنى أننا حين نضع هذا المتعلم موضع الدراسة البيداغوجية ، فإن محاولتنا هذه ستصبح ضربا من المغامرة . وأمام هذا الاعتراف بصعوبة ضبط هذه الشخصية ، فإننا لا نملك إلا التساؤل: هل مدرستنا في صورتها الحالية قادرة على خلق الاندماج الاجتماعي ، والتقارب الثقافي ، والإنماء المهاري؟ وحين نتحدث عن المتعلم باعتباره مشروعا مجتمعيا ، فلا بد ان نستحضر نوع وطبيعة الإنجاز ، والأداء الذي يساهم في الارتقاء المعرفي و المهاري ، في أفق بناء شخصية منتجة ومتوازنة سلوكيا ، وقادرة على تقدير ذاتها.

مفهوم الأداء

  في الأدبيات  التربوية  يقترن الأداء بامتلاك الجرأة على تحرير الذات من أي سلطة خارجية ، والقدرة على التنظيم والتوجيه الذاتي ، في أفق إنتاج فكرة ، أو التعبير عن وجهة نظر خاصة ، أو اقتحام وضعية إشكالية ، أو غير ذلك من الإنجازات الفردية والجماعية .  وبغض النظر عن الجوانب التقويمية ، فإننا ننظر إلى الأداء كخطوة هامة في الفعل الكلامي  او الوجداني  ، أو الحس-حركي  ، بهدف تشجيع المتعلم على روح المبادرة ، و العطاء ، والاحتكاك مع  تجارب الآخرين .

      إن إشكالية التعلم  رهينة بتمهير الفرد في مختلف العلوم ، واستنبات مبادئ العدالة ، والمساواة ، و الكرامة الإنسانية في أبعد صورها الاجتماعية ، والاقتصادية ، والفكرية . ولن يتم ذلك إلا بالتصدي لمظاهر العجز والإخفاق و أسباب الفشل ، وامتلاك الجرأة على تحديد مواطن الخلل ، والتقصير، دون تعليق عقدة الفشل على أسباب واهية . ثم إن  الأنشطة التي تمارس داخل  المؤسسة التعليمية او خارجها لا تؤدي ذلك الأثر التثقيفي ، والتربوي المطلوب . بل تكون في الغالب  انشطة موازية فارغة من أي محتوى تربوي .

      وفي زخم هذا المخاض العسير ، بين الواقع والمأمول ، يبدو سؤال المعرفة حاضرا وبإلحاح :

  • ماهو نوع المعرفة التي تقدمها المدرسة؟
  • هل البرامج والتوجيهات وعمليات الإصلاح ، وإعادة الهيكلة ، وغير ذلك من الشعارات ، والملتقيات ، والمنتديات قادرة على بناء مجتمع معرفي يساير عالمية التثاقف

        وغير خاف أن نقل وتحسين المعرفة له علاقة ليس فقط بالمحيط المدرسي ، ولكن أيضا بالمنظومة الإعلامية والسياسة التنموية . وانطلاقا من هذه الحقائق نجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتراف بان نظامنا التعليمي بحاجة إلى إعادة النظر بشكل موضوعي  وبروح من المسؤولية في جملة من القضايا منها :

  • تحديد طبيعة الفاعلين تربويا وبيداغوجيا وثقافيا
  • إعادة النظر في نوع  وطبيعة الشركاء والمتدخلين  في الشأن التربوي
  • طرق التدريس وعلاقتها بمأسسة الانشطة المندمجة
  • نوع وحجم وطبيعة المعرفة المقدمة في مختلف المواد الدراسية ، وعلاقة  كل ذلك بالقيم الاجتماعية السائدة

           وبغية تنويع طرائق التعلم ، و تقويم التعلمات او الانطلاق منها إلى وضعيات إشكالية اكثر إثراء لا مندوحة من الإشارة إلى هذه الأنشطة : انشطة التربية الصحية ، أنشطة الثقافة العلمية والتكنولوجية ، الانشطة الثقافية والفنية والإعلامية ، أنشطة تكنولوجيا الإعلام والتواصل ، أنشطة التربية على حقوق الإنسان والمواطنة   .                                                                                                                                                                                   بالإصافة إلى هذه الأنشطة هناك  نواد بإمكانها ان تساهم في تشغيل المتعلمين ، وإدماجهم في انشطة متنوعة ، ستساهم في الرفع من إيقاع التعلم .  نادي المسرح / نادي القصة / نادي القراءة / نادي الإلقاء الشعري / نادي الرسم .

   ويدفعنا السياق العام لهذا التصور  إلى استحضار التوجيهات الرسمية ذات الارتباط بقضية التربية والتكوين . بحيث تظهر أهمية الاندماج بين قطاع التربية  وقضايا التنمية  . ثم إن المنظومة التربوية قد دخلت مرحلة جديدة في مسار تطورها تروم تأهيل المدرسة وفق منظور شامل للنموذج التربوي المنشود  .  وما دام الإنسان هو الرأسمال الحقيقي لعملية التطوير ، وتحسين المردودية ، والجودة فقد أضحت الحاجة ملحة لكي تنخرط الأطراف المعنية بالشأن التربوي في التنزيل العملي لتلك الرؤية الاجتماعية التي تروم خدمة المتعلم ، كي يكون فاعلا في علاقاته المتشعبة مع النظم الثقافية و الأنساق الاجتماعية . ولعل المتأمل في المخرجات المتوخاة ( مدرسة الجودة ، مدرسة النجاح ، مدرسة التميز) سيلاحظ تلك العناية بتعزيز التوجيه نحو الاهتمام بالثروة البشرية ، وتحسين مواصفات المتعلم بما يتلاءم مع الأهداف الاستشرافية للتنمية في بعدها الاجتماعي والاقتصادي

إن التعلم لم يعد منحصرا في درجة النجاح داخل الفصول ، أو اكتساب شهادة مهنية ، بل تحول هذا القطاع إلى بؤرة انشغال المجتمعات المعاصرة ، وإلى رهان حضاري في زمن العولمة والتكتلات الإقليمية ،  وكذا شراكة  المؤسسات التجارية و الإعلامية في الشأن التربوي . فأمام سرعة التطور واتساع السوق المعرفية،  زادت الحاجة إلى تجديد فلسفة التعلم . فأمريكا مثلا ربطت التعلم بأمنها القومي وبسياسة الهيمنة على الآخر . وبذلك اختارت أن تحارب على واجهتين: حرب التعلم وحرب السيطرة. ولا داعي بأن نشير إلى ما يسمى بالجامعات المفتوحة في أوروبا ، وجامعة الهواء في اليابان التي تضع أحدث الوسائل التواصلية رهن مطالب السياسة التعليمية، وسنغافورة التي وضعت ما يسمى بأسس مجتمع التعلم الحق .

   وتبقى الحياة المدرسية عبارة عن مجموعة من الأنشطة التي يطبعها التنوع ، والقابلية للتطبيق بواسطة آليات تؤدي إلى تحقيق مبدأ التكامل والانسجام ، وبمساعدة فاعلين وشركاء ينظرون إلى تلك الأنشطة باعتبارها مكونا أساسيا في تكوين الفاعل البشري وتحريره من كل ما يعوق طموحاته المعرفية في حدود عبقريته الخاصة ، مع الإيمان بتعدد الذكاءات والفروقات بين المتعلمين .

 . إن الحياة المدرسية تشكل جوهر عمليات التربية والتكوين . وعليه يجب ان تكون أنشطتها متنوعة ، مفعمة بالحيوية  ، ومنفتحة على المحيط بكل مكوناته . فا بد إذن تحديد العلاقة بين المدرسة والمنظومة الاجتماعية .

   ويعتبرالبعد الاجتماعي  من المفاهيم الحديثة التي تناولها علم النفس الصحة بالدراسة، نظرا لانعكاسه الإيجابي على صحة الفرد التفسية والعقلية حسب ما أكدته الدراسات والبحوث العلمية وبالتالي تتحقق الصحة النفسية بالتكيف الشخصي والاجتماعي. فمن وجهة نظر المنظور السوسيولوجي ، يمثل االاندماج في هرمية القيم الاجتماعية نوعا من الاتصال بالآخرين في البيئة الاجتماعية، بغرض تحقيق درجة التكامل الاجتماعي للفرد، أو حجم وتركيب الشبكة الاجتماعية للفرد، وهذا التكامل الاجتماعي قد يرفع من مستوى العلاقات التواصلية بصفة عامة ، والانفتاح على الآخر .

وتتمثل الأنشطة  الاجتماعية في كل عمل مرتبط بالتضامن والتكافل والتسامح، وكل عمل يهدف إلى توثيق عرى المحبة والإخاء بين المتعلمين وبقية أفراد المجتمع، وإلى تنشئتهم على التضامن مع الغير في سبيل المصلحة العامة، وإلى إذكاء روح المواطنة والتضامن لدى الناشئة. وهي أنشطة تهدف كذلك إلى جعل المتعلمين يحيدون عن دائرة الأنانية وحب الذات، وإلى إدماجهم تدريجيا في واقع العمل البناء. وهي بذلك تكتسي قيمة تربوية باعتبارها داعمة ومكملة لأنشطة التعلم، ومساعدة على ترسيخ مجموعة من القيم النبيلة لدى المتعلم. وتعتبر المدرسة المؤسسة التربوية الأكثر أهمية بين سائر المؤسسات الاجتماعية إلى جانب الأسرة في اداء هذه المهمة النبيلة .  نظرا لدورها الفعال في تحقيق أهداف المجتمع، فهي مؤسسة اجتماعية تربوية تتخذ من التعليم طريقا لتحقيق هدفين هما: الإعداد العلمي والفني للحياة العملية، وتهييئ التلاميذ للتفاعل الصحيح مع المجتمع والتوافق معه، وبذلك أصبحت المدرسة ذات وظيفتين :  وظيفة مرتبطة بالتعليم والتكوين ، وأخرى تتصل  بالتربية على قيم التضامن والتسامح والإنصاف ، بحيث يصعب الفصل بين الوظيفتين.

error: المحتوى محمي !!