المعلم العربي

المعلم في الوطن العربي

المعلم في الوطن العربي

مقدمة

يعيش التعليم في الوطن العربي أزمة حقيقة بسبب المناهج التربوية والنظم التعليمية التي خضعت لمشروع الإصلاحات كمحاولة للنهوض بالمنظومة وجعلها مواكبة للتطورات التي يشهدها العالم في شتى المجالات،غير أنها أتت بنتيجة عكسية سلبت ما تبقى صالحا من المراحل السابقة فهي لم تحمل معها سوى انسلاخات عن الهوية، وورود أخطاء في برامج مكثفة تهتم بالكم ولا تتوافق مع قدرات التلميذ العقلية ولا الجسدية فالمحفظة المكدسة بالكتب والكراريس يعجز البالغ عن حملها فكيف بالطفل؟، لتلحق هذه الإخفاقات بالمعلم الذي هو الآخر ضحية سياسات فاشلة وإساءات مباشرة.

كفوا عن الإساءة للمعلم العربي

يتعرض المعلم في السنوات الأخيرة لحملات ممنهجة من الإقصاء والتهميش ضمن مخطط تغريبي مفضوح، فتحطيم المعلم يعني هدم الأجيال وجعلها منسلخة من هويتها مبتعدة عن ثوابتها لا تخضع لعرف أو قانون ولا تحمل أي وازع ومنه ضياع الأمة ككل.

رغم ما وصل إليه مستوى التعليم من انحطاط و مع كل ما طفا على السطح من سلبيات فإن ذلك لن يغطي أبدا على حسنات المعلم الذي عمل دوما بجد وأمانة ولا يشهد عنه إلا العطاء والإتقان وقدم تضحيات جسام  لا ينكرها إلا جاحد جاهل.

إقرأ أيضا:من أجل النهوض بالمنظومة التربوية في الجزائر

مازلت إلى حد الساعة وحينما التقي بمُعَلِّمِّيَّ أستحضر حديث النبي صلى الله عليه وسلم:” إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير”، وأهرع إليهم مرحبة ويراودني ذات الإحساس الذي كنت أشعر به من حياء وهيبة وأنا تلميذة صغيرة في القسم، أتذكر أني أدين لهم بالكثير فقد يسر الله لهم وعلموني كيف أجعل من الخطوط حروفا لجمل مفيدة ومن الدوائر أرقاما لعمليات صحيحة، أذكر جيدا كيف كانوا يسعون بجد لتوضيح  المعاني وتسهيل الصعب وكلهم رضا وابتهاج حتى عندما يغضبون كان ذلك فضلا لأنه استياء تأديب وتوجيه لا انتقام ويشهد الله أني أذكرهم دوما بالدعاء عن ظهر غيب وقد زادني شرفا تعلمي من أمثالهم.

مقولة مسمومة تزعم أن “قطاع التربية غير منتج” والغريب أنها كثيرا ما تصدر عن مسؤولين وإطارات بالدولة فأي منطق يقبل بها وهذا القطاع هو منشأ القطاعات الأخرى، الجميع يبدأ تلميذا ليصل إلى مرتبة أعلى ولولا الأساس لما استقام البناء، ولكن البعض تنكر لمن أمده يد العون حينما كان لا يفقه شيئا وجاء ليتفاخر على من علمه ليصنفه في ذيل القائمة.

تصنيف المعلم في الدول العربية

 في الكثير من دول العالم العربي يصنف التعليم في أدنى سلم المهن، وذلك بسبب ضعف التقدير المادي والمعنوي الذي يحصل عليه المعلم.

إقرأ أيضا:قواعد الوقاية من الحوادث المدرسية

إذ تشير التقارير إلى أن بعض دول الخليج تتصدر قائمة رواتب المعلمين، وبالمقابل تتذيلها مصر والجزائر والمغرب وتونس ودول أخرى.

والمفارقة أن المعلم إنسان أيضا ومثله مثل باقي الناس بحاجة لسكن وتكوين عائلة وغيرها من متطلبات الحياة، ومن حقه كما من حق غيره الحصول على امتيازات مادية، مما يدفعه إلى اللجوء إلى مهن أخرى بجانب عمله الأساسي مكرها، في محاولة منه لتحسين وضعة المادي وهو ما يؤثر على مردودية عمله في مجال التعليم.

وهناك من يتوجه لتقديم دروس خصوصية ويتهمونه بالتحول إلى تاجر، فمن أين له بمواجهة الظروف الاجتماعية الصعبة والأوضاع الاقتصادية المزرية هل يذهب للتسول بعدما أفنى عمره في التعلم والتعليم.

لتمتد الإساءة إليه حتى في مواضيع الاختبارات والشاهد نص “مادة اللغة العربية لبكالوريا 2018 شعبة لغات أجنبية” بالجزائر الذي بدأ بجملة ” ماذا يصنع العلم؟”  لتكون الإجابة مفصلة ودقيقة وكل ما ورد فيها كان سيكون حقا لو أورد في موضع آخر وفي ظرف مغايرة غير ما يمر به قطاع التربية والتعليم منذ بدء تجارب الإصلاحات ثم إصلاح الإصلاحات وصولا إلى مرحلة تجديد الإصلاح.

فقد جعل الكاتب التعليم رهبنة والمعلم كالراهب عليه أن ينقطع عن الدنيا، فما هذه المقاربة التي ليست سوى مفارقة فلا رهبانية في الإسلام ومعلمنا ملزم بحفظ مبادئ دينه قبل تعليمها.
ورود جملة “وإن رأيت معلما يجعل غرضه الأول المال والجاه وعرض الحياة الدنيا فهو كذلك معلم فاسد”، يعد إساءة مباشرة للمعلم الذي خرج مطالبا بتحسين ظروفه وهذا من حقه.
لماذا هذا الظلم الذي يطال المعلم؟ أين هي العدالة حينما يمنح القطاع الخاص امتيازات وتسهيلات ودعما كبيرا في حين يبقى القطاع الحكومي مهمشا يواجه مختلف العراقيل من غياب للإمكانيات وظروف عمل سيئة في اكتظاظ كبير وانعدام للأمن.
إن التعليم مهنة متعبة جدا ويعاني صاحبها من آثارها مدى الحياة، لذا كان لزاما منح المعلم امتيازات خاصة كحق له وليس منّا ولا صدقة من أحد.

إقرأ أيضا:الأنترنت …نعمة أم نقمة؟

تساؤلات عن وضع المعلم في الوطن العربي

يعد المعلم أهم عنصر في العملية التربوية التعليمية، والاهتمام به يعني الاهتمام بإنجاح هذه العملية، ولكن حالة المعلم المتردية وتراجع مكانته في المجتمع تبين حجم الهوة بين ما هو واقع وما يجب ان يكون.

المعلم ليس بحاجة لتكريمه في 5 تشرين الأول/أكتوبر من كل عام وهو  ذكرى توقيع التوصية المشتركة الصادرة عن منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) سنة 1966 والمتعلّقة بالمعلمين وحقوقهم،لأن قضاياهم تبقى عالقة شائكة مما يوجب التساؤل عن كيفية التعامل معها:

  1. لماذا لا تهتم الدول العربية بتحسين ظروف المعلم؟
  2. لماذا لا يحض المعلم بالمكانة التي يستحقها في العالم العربي؟
  3. لماذا لا ينال المعلم التقدير المعنوي والمقابل المادي بما يوافق مجهوده المبذول؟
  4. لماذا يتحمل المعلم مسؤولية تراجع المستوى التعليمي وحدة؟
  5. لماذا تُلقى كل الإخفاقات التي تلحق بالمنظومة التربوية على عاتق المعلم؟

خاتمة “شهادة من الواقع”

وحتى أختم الموضوع الذي مازال طويلا، أنقل شهادة عين يوم التقيت بمعلمتي في الطور الابتدائي تلك السيدة الفاضلة التي علمتني الكثير، وغرست في المبادئ الطيبة وطلب المعالي بعزم ومثابرة، معلمتي الكريمة ذاك الجبل الشامخ الذي كنت ومازلت أوقره رأيتها تمشي متثاقلة الخطى وأعراض المرض بادية عليها عانقتها بشوق وأسى وسألتها عن حالها، فأخبرتني أنها أخذت التقاعد رغم أنها في العقد الخامس ولكن معاناتها مع مرض القلب جعلها تفضل الانسحاب، ولم تعد تقوى على تحمل أعباء التعليم وهي من النوع المعطاء المخلص في عمله، فقد عملت وأخلصت مما أوصلها للسقم، ولم أعد ألتقيها إلا عند الطبيب أو في طريقها للصيدلاني.

بعد سنوات من العطاء والاجتهاد لم تنل سوى راتب تقاعد بالكاد يكفيها لضروريات العيش والعلاج وكلها رضا، سعادتها لحظة التقائها بكل أبنائها الناجحين الذين علمتهم بصدق وشرف ولكن حسرتها الأكبر على ما آل إليه حال التعليم، ورغم أنها لم تجعل المال أكبر همها لكن عوزها باد ولو حاولت إخفاءه فمن حقها أن تلقى رعاية صحية لائقة من حقها أن لا تقف في طابور طويل لساعات من أجل فحص طبي، أو تشتري الدواء بعشرة أضعاف ثمنه لانه غير متوفر ويتم إحضاره من الخارج بطريقة غير شرعية، من حقها أن تحقق أمنيتها في زيارة البقاع المقدسة.
حقوقها كثيرة لا يمكن حصرها ولكن مسؤولينا الشرفاء حصروها في جعل المعلم سجانا وقاعة التدريس سجنا، لأنه تجرأ بعدما بلغ السيل الزبى في طلب بعض ما يحفظ ماء وجهه ويرحمه من ذل السؤال
إذن لنجعلها قاعدة عامة، وبما أن الاستوزار رسالة روحية نبيلة والمناوبة في البرلمان صوت الشعب مجرد من المصالح الخاصة ولعب الكرة من أجل رفع ألوان العلم عاليا وإحياء روح الوطنية، فليتخلى الجميع عن راتبه وليكتفي بأجر زهيد، أي الزهد في الدنيا إلا بقدر وليس تنظيرا على المعلم فحسب.

السابق
النحل والعسل
التالي
مفاهيم وتقنيات حول مشروع المؤسسة

اترك تعليقاً