قصص و حكايات

الناقوس

الناقوس

كتابة سردية مرتجلة جديدة خلال شهر رمضان المبارك عبر حلقات يومية تنشر على موقع معين المعرفة تتخذ من أحد مقاهي الأحياء الشعبية تيمة وفضاء لها، بفيض قلم الكاتب الأستاذ نور الدين الشكردة.

يٌسمع لصوت ارتشافة الجموع، لمرارة وسواد البن المخلوط والواقع المأزوم، صدى، كأنه انهيار موجة على حافة شاطئ الحياة، يعلو لغو زبناء المقهى على ضجيج خضاري “السويقة” المجاورة وصراخ تجار “الريكلام” المنتشرين على طول جنبات الزقاق والشارع، تتعدد وجوه المتسولين والحمقى وهي تخيط رصيف المقهى جيئة وذهابا وأنين لغوها واستجدائها المتباكي لاستدرار عطف المارة يعلو في الآفق.
رحمة وصدقة على الوالدين.. انظروا من حال هذه اليتيمة لا أراكم الله مكروها في عزيز.. أعينوا هذه الأرملة على تأدية مبلغ الكراء فصاحب المنزل قذف بها وبحاجياتها عرض الشارع… أفرحوا هؤلاء الصبية في هذه الليلة المباركة…
ـ أفعلا سيمددون الحجر لما بعد رمضان، وسيصدرون قرارا بإغلاق المقاهي بعد آذان المغرب مباشرة؟ أيملك هؤلاء المسؤولون عقلا أم أنهم يدفعون بنا دفعا للهيجان؟، يستنكر مالك مقهى الميزان وهو يتأرجح في مكانه ويضغط على زر التسجيل بتطبيق الواتساب ويعمم استنكاره على مجموعة أرباب المقاهي بمدينة فاس.
يعود “عبد الجبار” لكرسيه المعتاد، يستل قنينة زيت زيتون من جيب سرواله “القندريسي”، ومن جيبه الثاني حبتين جبارتين من حلوى “الفقاص” الطحينية، يمده “جامع” بائع السجائر بالتقسيط بخبزة شعير تتصاعد منها أبخرة فرن “بجق عينو”، يعالجه النادل بكأس حليب مرشوش ببعض قتامة البن، يزدرد إفطاره المتأخر على عجل، فيباغثه النادل مجددا وحتى قبل إكمال “شدقه” الآخير بكوب قهوة سوداء، مع نصف قطعة سكر ونصف ملعقة شوكولاطة وقطعة ليمون.
ينتظره اليوم موعد هام مع أحد المقيمين الجزائريين بفاس للاطلاع على ميزانه الأثري وتقييم سعره الحقيقي.
سأنجو بجثتي من جحيم “الحزقة”، سأقتني بثروة الميزان قصرا يجمعني بـ “الصافية”، أي نعم، هي عاهرة، لكنها تبقى سيدة محترمة، ما الفرق بين عهر مفضوح وعهر مستثر؟، “الباتول” لا تستحق مروءتي وفحولتي، سأقتني بذلة رسمية وربطة عنق، وأقصد “كرصونية” صوفيا بباقة الورد الأحمر التي تعشق، سأسدد كل ديوني وديونها، سأطلق “الباتول” طلاقا أبديا بائنا بينونة عظمى وسأمنح لعبد الكريم أكبر بقشيش يمكن أن يتخيله، سأقتني للخمار أدوية ضيق التنفس لسنة كاملة، وسأفتح لبوشتى محلا لكراء قفاطين النساء وبذلات الرجال، سأساعد المهدي على الزواج، سأقتني من “مي هنية” كل تجارتها كلما طرقت على خشب طاولة جلوسي، سأمنح لرفيق علبة سجائر يومية إلى حين حصوله على الشهادة الجامعية التي ينشدها، سأخبر المقدم وإسحاق بكل ما يودان معرفته عن أسرار الحي وقواديه وسماسرته السريين، سأبحث لجامع عن عمل يضمن له تقاعدا مريحا، سآخذ بيد “الرواي” صوب حمام الحي ومنه إلى الدكتور “الدباغ” بقيسارية باب الفتوح، وسأسعى سعيا لعلاجه هو وكل حمقى الحي من صدماتهم النفسية وأمراضهم العقلية…
يهيم “عبد الجبار” وسط سحابة مزجت بين روائح جواربه ودخان قهوته القاتمة، وأمل الاغتناء يرغمه على الابتسام…، ينتفض فجأة على وقع رنين قوي لجرس “الراوي” وهو يردد على مسامع المرتادين”نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس، الصحَّة، والفراغ”، الصحة والفراغ، الصحة والفراغ… يتحرك مطرق المتردد على جنبات الناقوس الداخلية و”الراوي” لا يتوقف على رجه وهو يتمتم “الميزان والناقوس.. الجنة والنار.. (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)، وسرعان ما يغيب وسط الزحام الجارف وجهة جامع الأنوار بـ”رحبة الدجاج”.
يستعد “المهدي” للملمة أشيائه وأشلائه ومغادرة المقهى قبل أن تطفئ آخر مصابيحها، ليتجه بعد ذلك صوب أحد بيوتات “دار اشميعة” لإعداد طست قهوة ووجبة الغد استعدادا ليوم عمل طويل.
تستمر مقهى الميزان في تقديم خدماتها المتواضعة لكل مرتاديها المخلصين، لكل الميسورين والبؤساء، كل الماكرين وعديمي الحيلة، كل القانعين والطامعين… خدمات تقليدية يطغى عليها التساهل الذي يمتح من قيم الرجولة والتفهم وغض الطرف، يغير النادل القهوة لأحد الزبناء ثقيلي الظل مرتين متتابعتين، يرتشف الزبون من الكأس الثالث، يتبرم وينسحب غاضبا دون تأدية ثمن مشروبه.
طقس يعطي لحياة الفاقة والفقر غنى إنسانيا يحفل بعشرات العبر، ومئات القيم وألف جرعة صبر وتعايش مع واقع الضنك والهشاشة.
يشتكي “عبد الكريم” من الأنذال “الشمايت” هواة استهلاك المشروب والتربص بغيابه للفرار، أو ادعاء تأدية ثمن المشروب مسبقا، يعترف غاضبا:
ـ قد أنسى التشهد قبل النوم، لكنني لا أنس ملامح من يسرق عرق جبيني، ويرغمني على الدفع من بقشيشي لإكمال “فيتشات” المقهى.. لن أسامحهم دنيا وآخرة.
يقف “ألمدني “و”المكي” في نفس اللحظة بعد إشارة معلومة، يقصدان من باب العرف والعادة طاولة “السي طه” معلمهما القديم لإقرائه تحية ما قبل الانصراف، يلتمس منهما مشاركته مجلسه وديوانه كما يسمي طاولة جلوسه، وتبدأ لحظة “ساركازم” وجلد ذاتي غير مسبوقة، يكيل فيها الثلاث لأنفسهم من الانتقادات والمؤاخذات العنيفة ما يمنحهم إحساسا بالاقتصاص من قراراتهم الخاطئة.
يخيل لمن يستمع لحجم النقد الذاتي في لغة “السي طه” وكأنه يستميت لعض ظهره ندما على قرار زواجه الخاطئ بربة بيت أمية. وسرعان ما تبدأ لحظة التداعي الأحمر الهامس وأكل لحم الإخوة الميتين.
ـ “الباتول” البارحة أمضى معها قابض فواتير الكهرباء أزيد من ساعة داخل بيتها، الجريئة لا تخجل من خيانتها في ضوء النهار مقابل عدم تأدية فواتير ضوء الليل، كان الله في عون “عبد الجبار”، لم ينل من اسمه غير أجر التسمي بأسماء الله الحسنى. يهمس “المدني ” وقد تقاربت رؤوس الندماء عند مركز الطاولة.
ـ مالك المقهى عرضها للبيع ولم تحقق له ولو نصف مبلغ ثمن الشراء، حالته الصحية ساءت، كاد البارحة أن يغمى عليه بعدما أخبره “عمي علي” السمسار بالمبلغ الذي اقترحته عليه أرملة “السي عبد الجليل الكتامي”. يلقي “السي طه” بالخبر ويبعد رأسه عن النديمين وكأنما قذف بقنبلة وسط المجمع.
ـ هل سمعتم رئيس الحكومة في البرلمان اليوم وهو يتحدث عن الفرق بين كورونا الليلي وكورونا النهاري، يبدو أنهم مصرون على الإغلاق الليلي للمقاهي خلال شهر رمضان، وكأنهم لا يعلمون أن القهوة تستهلك كالماء خلال كل شهور السنة، لا عليكم منزلي مفتوح كالعادة، فقط لا تنسوا سبع جمرات وكف معسل وورق الألمنيوم، أما قهوتكم الأرابيكا المنزلية فعلى حسابي. يعتدل المكي” في جلسته وكأنه وجد حلا سحريا لأزمة عالمية.
ـ حزب الميزان يعيش مخاضا جديدا بعد عودة “شباط” من تركيا، وبدئه لحملة انتخابية سابقة لأوانها، جدل التزكية والقاسم الانتخابي وإلغاء لائحة الشباب يلقي بضلاله على حروب الولاءات والاصطفافات بحزب “علال”. يشرح “السي طه” لنديميه وهما اللذان ينأيان بنفسيهما عن هذا المجال.
يختلط الجدل بالتجارة بالمسامرة بين رواد طاولات متباعدة، تحلو الغيبة والنميمة والنجوى وسط أبخرة وأدخنة المجالس، تعلو نبرة الهرج والمرج، وينطلق هدير مقهى الميزان المعتاد وأحاديث كل الزبائن تنشد الفرج وانجلاء الكرب وزوال الهم، وانقشاع غيوم الوباء والحجر والفقر والقهر…
يحتفظ “رفيق” بنصف قهوته المتبقية فوق سطح “العصارة”، وقد انكفأت عليها منفضة سجائر صدئة، يغادر المقهى صوب مهمة طارئة، يعود بعد ساعة ونيف فيشير على “العصار” بتسخين ما فضل وإضافة قطرات مجانية لتغيير نكهة التقادم.
يتناول ورقة وقلما وينهمك في إنجاز بحث منزلي لخليلته القاصر بالحي ابنة المخبر إسحاق: (ملخص البحث في التعليق الأول)؟
…وسأظل أحبك يا “خيرة” ما حييت، ما جديد تقارير الوالد؟ أنتظر ردك في المكان المعلوم.
يطوي “رفيق” ورقة الزبدة في جيبه وقد حوت البحث المعلوم، يبتسم مغادرا المقهى وهو يتخيل حجم صدمة رفاقه بعد أن يطلعهم سلفا على فحوى تقرير مخبر الحي الشعبي والحي الجامعي…

إقرأ أيضا:سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية الأولى: علي بابا و الأربعون لصا
السابق
أفضل مواقع تعلم اللغة الإنجليزية
التالي
أسوان

اترك تعليقاً