اليَمَامَةُ والصَيَّاد
اليَمَامَةُ والصَيَّاد

القصة الأولى من سلسلة قصصية للكاتب شاكر صبري، رسوم آلاء مرتيني، تنشر حصريا على موقع معين المعرفة. (جميع الحقوق محفوظة ويمنع نسخ القصص ونشرها على مواقع أخرى أو طباعتها).

يَمَامَةٌ جَميلَةٌ منْ أَجْمَلِ  وأَمْهَرِ أَفْرادِ قَبيلتها، كانَتْ تَجْلسُ وَحْدَها فَوْقَ غُصْنِ شَجَرَة جَميلَةٍ  تُظَلِّلُها الأَغْصانُ وتُحيطُ بِها الوُرودُ وسط مِنْطَقَةٍ  تَشْتَهِرُ بالهُدوءِ والجاذِبِيَّةِ،  فَكَانَتْ كلُّ الطُيورِ تَتَمَنَّي أنْ تَرْحَلَ لِتَعيشَ معَ قَبيلَةِ اليَمامِ في هَذا المَكانِ السَاحرِ .
خَرَجَتْ قَبيلَةُ اليَمامِ لِتَبْحَثَ عنْ الطَعَامِ ومَعهُمْ اليَمَامَةُ الجميلة، كانَ الجَوُّ حارَّاً والطَعامُ قَليلاً.
 تنَاوَلَتْ اليَمامَةُ بَعْضَ الحُبوبِ لسد الرمق، ثمَّ قالَتْ : لِمَاذا التَعَبُ والِإرْهاقُ ؟
سَأَعودُ إلَي عُشِّي لأَرْتاحَ من هذا الجوِّ الحارِ وسَأَكْتَفي بِما تَناوَلْتُ منْ حُبوبٍ.
 قالَ لَها بَعضُ الأَصدقاءِ : سَتَشْعُرينَ بالجوعِ ولنْ يَنفَعَكِ أَحَدٌ، فَقَالَتْ  : أنَا راضِيَةٌ  بِذلكَ فالجوُّ حارٌّ وقدْ اكتفيت.
بيْنَما جدَّ واجْتَهَدَ باقي اليَمامُ في البَحثِ عنْ الطَعامِ عادَتْ اليَمامَةُ وَحْدَها وجَلَسَتْ علَي الغُصْنِ تَصْدَحُ  بِصَوْتِهِا الجَذَّابِ وتَتَغَنَّي بِحَنينِها  المُؤَثِّرِ.
 مَرَّ الصَيَّادُ فَسَمعَ  صَوْتَها الشجي، حامَ  ودارَ في المَكانِ يَمْشي بِهُدوءٍ  حتَّي لا تَشْعُرَ بهِ اليَمَامَةُ فَتَطيرُ.
ظلَّ يَبْحَثُ عَنْها حتَّي عرف مصدر الصوت وحَدَّدَ مَكانَه،  ولَكِنَّهُ  لمْ  يَسْتَطِعْ رُؤْيتَة اليمامة،  فأراد أنْ يكشف موضعها بدقة لِكَيْ  يَصْطادَها  .
  نادَي عَلَيْها وقالَ : أَيَّتُها اليَمامَةُ الجَميلَةُ , أَيَّتُها الساحِرَةُ الجَذَّابةُ، يا ذاتِ الصَوْتِ العَذْبِ،  أُريدُ  أنْ  أَراكِ  حتَّي  يَسْعَدَ قَلْبي  بِرُؤيَتِكِ،  إنَّني أُعاني منْ الاكْتِئابِ , وأَعيشُ وَحيداً وأَشْعُرُ بالحُزْنِ ،وأَتَمَنَّي أنْ أَراكِ فيَرتاحُ قَلْبي وتَهْدأَ نَفْسي .
 قالَتْ اليَمامَةُ  : لَسْتَ صادِقاً  فيما تَقولُ ؟  أنتَ كاذِبٌ , وهلْ يَكونُ الصَيَّادُ صادِقاً معَ فَريسَتِهِ يوْماً ما؟ .
   قالَ : إنَّني صادِقٌ حقَّا يا عَزيزَتي، وإنْ لمْ أكُنْ صادِقاً فَلِماذا جِئْتُ هاهُنا ؟،   ما جِئْتُ إلاَّ  لِكَيْ  أَسْمَعَ غِنَاءَكِ  الجَميلَ  وأَسْتَمْتِعَ بِجَمالَكِ وجَمالَ الطَبيعَةِ الخَلاَّبةِ .
قالَتْ : وما هَذهِ البُنْدُقِيَّةِ التي تَحْمِلُها  في يَدِكَ ؟  .
 قالَ : إنَّها لِحِمايَتي منْ الذِئابِ  لا تَقْلَقي، سَوْفَ أُلْقيها علَي الأَرْضِ  لتَتَأَكَّدِي منْ صِدْقي وحُسْنَ نِيَّتي.  ثمَّ قامَ بإِلْقائِها  علَي الأَرْضِ .
رقَّ  قَلْبُ اليَمامَةِ  للْصَيَّادِ  وقالَتْ : طالَما أَنَّكَ أَلْقَيْتَ  البُنْدُقِيَّةَ بَعيداً فَسَوْفَ أَظْهَرُ لكَ .
وطارَتْ اليَمامةُ علَي غُصْنٍ قَريبٍ منْ  الصَيَّادِ حتَّي يَراها، و كي لا تَحْجِبُها  أَوْراقُ الشَجَرَةِ ولا غُصونِها عنْهُ  .
كانَ  الصَقْرُ يُشاهِدُ  في صَمْتٍ ما يَحْدُثُ ويَرْقدُ علَي غُضْنٍ في  أَعْلَي الشَجَرَة .
وكانَ الكَلْبُ يرَكْضُ  أَيْضاً علَي غُصْنٍ منْ أَغْصانِ شَجَرَةٍ مُقابِلَةٍ  لَها  ولَمْ  يَرَهُ أَحَدٌ منْهُما وقَدْ سَمِعَ  وشاهَدَ كُلَّ شَيءٍ .   
لاحَظَ الصَقْرُ والكَلْبُ  أنَّ في يدِ الصَيَّادِ شَبَكَةً صَغيرةً يُخفيها خَلْفَ ظَهْرِهِ  ,
طَلَبَ الصَيَّادُ منْ اليَمامَةِ  أنْ تُحَلِّقَ فَوْقَ رَأْسَهِ حتَّي تَنالَهُ البَرَكُةُ وحَّتي  يِسْتَمْتِعَ أَكْثَرَ بِجَمالِها  ويَشْعُرَ بالسَعادَةِ أَكْثَرَ، فإنَّ سَمْعَهُ ضَعيفٌ،  قالَتْ اليَمامَةُ  : وما الفائِدَةُ ؟
 لَقَدْ رأَيْتَني وأَنا أَمامُكَ , فانْظُرْ إِلَيَّ . 
قالَ الصَيَّادُ  : وماذا تَخْسَرينَ أيتها اليَمامَةُ الجَميلَةُ؟     لا تَحْرميني منْ هذه السَعادَةِ .
أَرْجو  أنْ تَطيري فَوْقي بِحَيْثُ لا تَصِلُ يَدايَ إِلَيْكِ فسَوْفَ تَكونينَ بَعيدةً عنْ مُتَناوَلِ يَدي إنْ كُنْتِ تَخافينَ , ولا تَثِقينَ بي.
 ظلَّ يُكَرِّرُ  الرَجاءَ لَها والتَوَسُّلَ إِلَيْها حتَّي  وافَقَتْ، وما إنْ  بَدَأتْ تَطيرُ حتَّي حاوَلَ  الصَيَّادُ أنْ يُلْقي شَبَكَتَهُ عَلَيْها، ولَكِنَّ  الكَلْبَ كانَ لهُ بالمِرْصادِ، فَقَدْ قَفَزَ عَلَيْهِ منْ أَعْلَي الغُصْنِ الذي كانَ  يَرْقُدُ فَوْقَهُ علَي يدِ الصَيَّادِ مُباشَرَةً، فَوَقَعَتْ منْهُ الشَبَكَةُ، وجاءَ الصَقْرُ  فَنَقَرَ الصَيَّادَ في رأَسِهِ  بِقُوَّةٍ فَجَرح رأسه .
  صَرَخَ  الصَيَّادُ وَوَقعَ علَي الأَرْضِ  متألما.
أَدْركَتْ  اليَمامَةُ  الحيلَةَ التي كانَ  يُدَبِّرُها لَها الصَيَّادُ،  وشَعَرَتْ  بِقِلَّةِ ذَكائِها وعدم تحليها بالفطنة.
ثمَّ حَمِدَتْ اللهَ علَي سَلامَتِها منْ  الهلاكِ وشَكَرَتْ صَديقاها الكَلْبُ والصَقْرُ، وقالَتْ : لنْ  أَسْمَعَ بعدَ اليَوْمِ كَلامِ  أيِّ صَيَّادٍ  مهْما كانَ  ولا أَلْتَفِتُ إلَيْهِ أَبَداً .
أَصْبحَ الكَلْبُ والصَقْرُ أَصْدِقاءَ القَبيلَةِ يَعيشونَ لود وسلام، وتَعْتَبِرُهُما القَبيلَةُ فَرْدَيْنِ منْ أَفْرادِها.
    صارت اليمامة وكل القبيلة ينعمون بالأمن والهدوء والسعادة، وظلت اليمامة على الدوام تحفظ جميل صَديقَيْها  المُخْلِصينَ  الكَلبَ والصَقْرَ الذين أنقذا حياتها .

error: المحتوى محمي !!