“بولوغين” لؤلؤة الواجهة البحرية على مدخل البوابة الإفريقية

سلسلة ” تعرف على مدينتك” الموضوع الرابع: “بلدة بولوغين“.

تقديم

يمتد الساحل الجزائري على مسافة 1200 كيلومتر ، وبكل فخر يمضي متشبثا بشواطئ رملية ومطلا على بحر لازوردي يحوي كنوزا حية وميتة منذ ملايين السنين.

أما على اليابسة فيقبع العمران القديم بحكايته العريقة عن حضارات مرت وعمرت ورحلت تاركة وراءها تاريخا حافلا تحفظه الجدران وأسقف المباني الأثرية الفاخرة.

&Quot;بولوغين&Quot; لؤلؤة الواجهة البحرية على مدخل البوابة الإفريقية 2
ساحل وسط مدينة الجزائر

في قلب هذا الشريط الساحلي تتربع مدينة الجزائر البيضاء التي أسست عام 960م على أنقاض المدينة الرومانية القديمة أكزيوم، على يد الأمير أبو الفتوح سيف الدولة بلكين (بولوغين) بن مناد الصنهاجي الزيري، ولذا سميت إحدى أجمل ضواحي المدينة باسمه ” بولوغين” حيث تتوزع أجمل القصور الفخمة بهندسة معمارية فنية من العهد العثماني.

بولوغين قلب مدينة الجزائر

تقع بولوغين في قلب مدينة الجزائر مرتفعة عن سطح البحر، وقد شيد بها بايات الجزائر عدة حصون لحماية المدخل الغربي للقصبة وصد الهجمات القادمة من أوروربا.

عرفت بسانت أوجان “القديس أوجان” إبان فترة الاستعمار الفرنسي ولكنها عادت لتسمى “بولوغين” بعد الإستقلال سنة 1962م، ورغم ماقامت به السلطات المحتلة من هدم للمباني واولها المساجد إلا ان المنطقة احتفظت بطابعها الإسلامي للعمران العثماني المطل على الشواطئ الساحرة والتي لها تسميات تسميات مميزة تصفها وتمثل جمالها بدقة، مثل شاطئ عدن، شاطئ الحوض الصغير، شاطئ الجملين، شاطئ الزيتونة والغبرة.

&Quot;بولوغين&Quot; لؤلؤة الواجهة البحرية على مدخل البوابة الإفريقية 3

قصر الرايس حميدو

“قصر‮‬‮ ‬الرايس حميدو‮ “‬‮ ‬ الشهير محليا بـ‮ “‬الشاطو‮” ‬،‮ قبمجرد الدنو من بوابته تتراءى الأساطير والقصص التي‮ ‬تروي‮ ‬عن تعميره من قبل الأرواح الشريرة، حيث أكد بعض المواطنين شهود ظواهر غريبة وسماع صراخ وأصوات مخيفة، بل منهم من يزعم رؤيته للجن التي تظهر عند غروب الشمس.

ويجمع السكان الأمر حقيقة لأن جميع المنازل القديمة والفارغة تسكنها الأرواح والجن،‮ ‬وهو حال هذا القصر الذي بقي مهجورا لسنوات.‮

ولكن السلطات قامت باسترجاعه وقامت بأشغال بناء لتحديثه مما جعل قصص المخلوقات المخيفة تتوارى، ويتحول القصر المهجور إلى بناية فخمة لكنها لا تظهر كقصر فكان من الأولى ترميمه والمحافظة على تفاصيله التاريخية التي تحتفظ ببطولات الرايس حميدو.

الرايس حميدو

الرايس حميدو بن علي أمير البحرية الجزائرية ما بين (1773-1815)م عاش واستشهد في البحر، فهو ابن لعائلة بسيطة إذ كان والده خياطا، ولكنه اختار أن يكون بحارا ليصير ضابطا ثم على رأس إمارة البحرية.

فبعد سقوط الأندلس في إسبانيا أعلن البحارة الجزائريون الجهاد في سبيل الله وحماية شواطئهم ومدنهم من القرصنة الأوربية.

ومع فرار الموركسيين من الإضطهاد الصليبي ومحاكم التفتيش تبعتهم السفن الإسبانية والبرتغالية وجاءت لحصار شواطئ الجزائر هو الذي دفع بالأهالي إلى أن يطلبوا العون من الباب العالي في تركيا عام 1515، فجاء الأسطول العثماني إلى نجدة المسلمين، فرد هجمات الأساطيل الصليبية وطاردها حتى وصل شواطئ إيطاليا والبرتغال.

وفي عام 1529 صار خيرالدين بربروس أميرا للبحار في الجزائر يفرض سيطرته على مدخل البحر الأبيض، ومن أشهر السفن الحربية الجزائرية وقتها “رعب البحار”، “مفتاح الجهاد” ، “المحروسة” وغيرها، أين تمكن هذا الأسطول من الوصول بعملياته إلى اسكتلندا والمحيط الأطلسي.

وقد استمرت سمعة الأسطول الجزائري بالذيوع حتى تسيده الرايس حميدو مع قيام الثورة الفرنسية ومجيء نابليون للحكم، وقد استطاع أن يستولي على واحدة من أكبر سفن الأسطول البرتغالي وأطلق عليها اسم البرتغالية، ثم أضاف إليها سفينة أمريكية هي الميريكانا، فضلا عن سفينته الخاصة كان أسطوله يتكون من هذه السفن الثلاث ومن أربعة وأربعين مدفعًا فرضت سيادتها على البحر لأكثر من ربع قرن. و

في 1776 كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد وقعت على معاهدة مع الجزائر تدفع بموجبها أتاوة مقابل حماية وسلامة سفنها، وبعد تولي الرئيس جيفرسون الحكم رفض الدفع، فأعلنت الجزائر الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية بدعم من عاصمة الإمبراطورية العثمانية الإسلامية في تركيا وأصبحت السفن الأمريكية بمنزلة غنيمة ثمينة للبحارة الجزائريين.

وأرسل الرئيس الأمريكي بعض سفنه الحربية لطلب إستفسارات من حاكم الجزائر فصادفت في طريقها الرايس حميدو بالقرب من الشواطئ الإسبانية، فحدثت مواجهة بين الرايس حميدو بسفينة حربية واحدة مقابل مقابل تسع سفن حربية أمريكية، وعند بداية المعركة أصابت قذيفة مدفع سفينته “مفتاح الجهاد” فاستشهد يوم 17 جوان سنة 1815 بعدما واجه الصليبيين ببسالة.

القصر عبر التاريخ

تقول بعض المصادر أن القصر كان ملكا لدوقة غرانفال اسمها “لافيجي” عام 1930م وأطلقت على القصر اسم فيلا “فلورنسا” وأن زوج الدوقة كان طبيبا قام بإنشاء عدة أبواب ونوافذ في القصر لتجنب الرطوبة العالية للبحر وقد توفي بعد عام من ذلك، واضطرت عائلته لبيعه للسلطات الإدارية الفرنسية الحاكمة آنذاك والتي سلمته بدورها بين سنتي 1939 و1945 إلى قوات الحلفاء الخاصة (وهي فترة الحرب العالمية الثانية) كموقع عسكري موكل له التنسيق والحراسة، وبعدها استفادت منه بلدية “سانت أوجان” ليكون مدرسة ابتدائية لتعليم الأطفال الجزائريين والفرنسيين، وسكن المدرسة في طابقها العلوي مديرها “سيغوري” مع عائلته.

ظل القصر تحفة تزين المنطقة حتى سنة 1961، حيث استحوذ عليه عناصر المنظمة السرية الفرنسية (OAS) المناهضة لاستقلال الجزائر، وحولوه إلى مركز تعذيب وقتل للجزائريين.

وقبل انسحاب فرنسا من الجزائر بشهور، فجرت المنظمة قنبلتين في أنفاق القطارات القريبة منه وتعرض القصر لانهيار جزئي.

يبقى القصر ليومنا هذا متشبثا بالبحر وينتظر كل صباح ما تلقي به أمواج البحر على الشاطئ من خبايا ليضيفها لأسرار الأعماق وبطولات رجال عمروا هنا.

حوت العنبر على شاطئ بولوغين

&Quot;بولوغين&Quot; لؤلؤة الواجهة البحرية على مدخل البوابة الإفريقية 6
حوت العنبر في شاطئ بولوغين عام 2018

 على شاطئ بولوغين الممتد ظهر حوت ضخم من نوع حوت العنبر طوله أكثر من سبعة أمتار، وهذا النوع من الحيتان يعد مخلوقات منعزلة تعيش في أعماق البحار، وتقضي القليل من الوقت على سطح الماء، فلا تكاد تقترب من المياه الضحلة، ويبدو أن هذا الحوت ضل طريقه وسط البحر ووصل إلى الشاطئ حيث خرج ونفق عليه، وتجمع حوله الناس فلم يعهدوا مشاهدة مثل هذا الحيوان البحري أمامهم.

كما عثر مجموعة من الصيادين على شاطئ الرايس حميدو على أسماك للقرش في بداية شهر جويلية/يوليو 2019م حيث وثقوا تلك اللحظات النادرة بالفيديو وسط دهشة كبيرة لتواجد هذا النوع من القروش المفترسة قريبا من الساحل.

كنيسة السيدة الإفريقية

لما جاء القسيس (بافي) من مدينة ليون الفرنسية ليعين أسقفا للجزائر عام 1836 صحبته عاملتان وهبتا نفسيهما لخدمة المسيحية وهما (مرغاريرت بيرجر) و(آنا سانكان)، واستقر الأسقف بمنطقة الزغارة في أعلى منطقة على هضبة لولوغين لينشئ بها ديرا، وبإلحاح من مارغاريت قرر بناء كنيسة حيث يكون الصليب أول ما يقابل الوافد على الجزائر من هذه الواجهة البحرية.

بدأ تشييد المبنى في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1855م بمساهمة كبيرة من السلطات الفرنسية والمعمرين وكذا المسيحين المنتشرين في العالم، وأهدى الجنرال (إيمابل بيليسييه) صليبا عظيما وجرسا وسيفا من سيوفه هو العسكري الشهير في الجزائر بمعاملة المسلمين بكل شدّة وتوحش فلقب بـ” إبليس”.

وصل صنم العذراء السوداء ومنها جاءت تسمية السيدة الإفريقية تيمنا وتبركا ومقاربة لمعدن البرونز الذي صنع منه التمثال لإضفاء صبغة التنصير القريب لون القارة السمراء إفريقيا.

لم يشهد القس (بافي) افتتاح الكنيسة إذ مات في 16نوفمبر1866 ليخلفه في رئاسة الأسقفية (الكاردينال لافيجري) حامل الصليب في اليمين والخبز في اليسار.

وفي02 جويلية /تموز 1872م افتتحت الكنيسة ووضع صنم العذراء داخلها يوم الأحد 04 ماي/ أيار 1873م، وتم ترقية الكنيسة إلى رتبة بازيليكية في 30 أبريل /نيسان 1876م بطلب من أسقف الجزائر (لافيجري)، فمنح البابا (بيوس الخامس) تاجا يحلى به صنم السيدة الإفريقية.

حين كانت فرنسا في حملتها المسعورة على الإسلام تهدم المساجد مثل مسجد مسجد الصباغين ومسجد السيدة على أبواب البحر، لكن جزائر اليوم أبت إلا أن ترفع مآذنها لتكون أول ما يقابل الوافد من الواجهة البحرية في مسجد الجزائر الأعظم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!