المغرب

تاريخ الحجر الصحي: من الكُردون (التطويق) الى تنظيم قوانين “الكرنتينة”

تاريخ الحجر الصحي: من الكُردون (التطويق) الى تنظيم قوانين "الكرنتينة" 1


. محاولة لفهم سياسة احتواء الوباء

للإيضاح فقط:
هذه السلسة من المقالات محاولة بسيطة للتأريخ لأنماط الاستجابة للأوبئة في المجال المتوسطي خلال الفترة ما بين 1347 و 1851م. ورغبة شخصية تقاسم المعرفة التاريخية في زمن ” الكورونا”…
* بقلم: ذ. هشام بنعمر بالله ……. اكادير 5 ابريل 2020 ….
على مدار أكثر من ستة قرون شكل الطاعون او (الموت الاسود) مصدر قلق للإنسانية حيث ظل يبث الرعب في قُلوب الافراد و الجماعات؛ فهو شديد العْدَوى لا يمكن الحدُّ من انتشاره. كان الوباء بالنسبة لشعوب البحر الابيض المتوسط خلال القرن الرابع عشر مصدر خوف من الفناء الى حين القضاء عليه نهائياً اواخر القرن التاسع عشر الميلادي بعد اكتشاف التلقيح. ومع ذلك يظل الرعب من أن يظهر مرض جديد — ربما طاعون من نوع أخر — يهدد وجود البشريَّة، بنفس القوة التي كان عليها “الطاعون” في الماضي.
هذه الورقة لا تستهدف سرد تاريخ تفشي وباء الطاعون وموجاته في حوض المتوسط، و المجهود الطبي الذي بدلته الهيئات الطبية المختلفة في اوروبا لدراسة المرض و تحديد العلاجات الاساسية للوقاية منه. انها محاولة للتأريخ لظهور نمط من الاستجابة للأوبئة في المجتمعات في اوروبا المتوسطية و منطقة المشرق الاسلامي خلال الفترة ما بين 1347م و 1851 م

إقرأ أيضا:النَّايَرْ، أو الحاجُوجْ عند أهل دبدو

الحلقة 1ّ: طاعون 1347 م الاستجابات الاولى في تاريخ اوروبا المتوسطيّة: تطبيق “مفهوم النِّظام” .

عرفت اوروبا خلال الفترة ما بين 1347 و 1351 م انتشار وباء الطاعون الاسود الذي فتك بحوالي 24 مليون شخص، بذلك يعتبر بحق اسوء كارثة لمرض وبائي في اوروبا منذ انهيار الامبراطورية الرومانية ، بل ان المدى الوبائي لهذا الطاعون وصل مناطق المشرق الاسلامي وشمال افريقيا. كانت البؤرة الوبائية في اقليم منغوليا ومنها انتشر الوباء بميناء “كافا” في شبه جزيرة القرم المطلة على البحر الاسود الذي كان يرتادُه تجار من “جنوة”.

نقلت حوالي 12 سفينة قادمة من المنطقة الموبوءة الطَّاعون الى ميناء مسينا في جزيرة صقلية، وجنوة وسائر مدن الشمال الايطالي مثل توسكانيا و ليجوريا و لمبارديا و البندقية… ومنها تفشي الوباء بسرعة البرق في معظم ارجاء اوروبا حيث من المؤكد انَّ العدوى وصلت الى باريس في حدود سنة 1348 م. كان سرعة انتقاله تسير ب 75 كلم يومياً عبر مسالك المبادلات التجاريَّة البحرية، النهرية، والبريَّة … كان الوباء يفتك يومياً بما ينيف عن 500 انسان.


ساد الهلع في كل أنحاء أوروبا لأن الطاعون غطى مساحة واسعة. لم يعرف أحد طريقةً لتجنب الطاعون سوى الفرار الذي بدا أنَّه افضل استراتيجية دفاعية واضحة غير انها في واقع الامر كانت تساهم في استفحال الجائحة.

إقرأ أيضا:حلويات العيد في البلدان العربية

ولان دول- المدن الشمال الايطالية كانت البؤرة الاصليَّة للطاعون الاسود في اوروبا فقد ادرك مسؤولوها منذ البداية ان “الطاعون” وباء مُعدٍ، من تمَّ ظهرت عندهم الحاجة الى استحداث (التدابير الاساسية للصِّحة العامة) للتصدي لانتشار الوباء فكانت الدعوة المستنيرة لاعتماد ” مفهوم النظام” التي طبق عملياً في المدن السالفة الذكر اي توسكانيا، لومبارديا، ليجوريا، والبندقية.

يعتبر “مفهوم النظام” اول اجراء وقائي للطوارئ عرفته الانسانية، طيلة تاريخها الطويل في محاولة لاحتواء تفشي مرض معد، قام المفهوم على مجموعة من الاعتبارات الاخلاقية وليس الطبيَّة.
كانت بداية التدخل في مدينة توسكانيا و فلورنسا التي عمل مجلسهما الصِّحي على تطبيق حزمة من الاجراءات الصَّارمة التي تسمح بالتدخل في حياة الافراد العاديين (المواطنين) خلال ازمة العدوى الوبائية

و التي ستُعرف لاحقاً ب “مفهوم النِّظام” حيث اصبح بإمكان السلطات المحلية في المدينتين الحق في ارباك الحياة اليومية للمواطنين الخاضعين لها حسب رغباتها لمقاومة الوباء (الطَّاعون) ويقوم هذا الاجراء على خمس اجراءات:
* التَّحكم الدقيق في حركة تنقل النَّاس داخل المناطق الموبوءة، وبين المناطق الموبوءة و المناطق الخالية من الوباء باستعمال الحجر الصحي البري و البحري (الحجر الصحي).


* عزل المصابين و المشتبه في اصابتهم بالوباء في مستشفيات خاصة بالأمراض المعديَّة المعروفة ب ” بيوت الطَّاعون” ، وحجز عائلات المصابين في منازلهم او في غرف مؤقتة بعيدة عن الاماكن المأهولة بالسُّكان.
* الدفن الاجباري لجثت الموتى في حفر خاصة باستعمال الجير الحي، وطمر المتعلقات الشخصيَّة للمرضى.
* فرض الضرائب لتقديم الخدمات الطبيَّة المجانيَّة و اطعام المرضى و العائلات المعزولة.

إقرأ أيضا:أبطال وأسود مقاومة الاستعمار الإسباني والفرنسي للمغرب…..فهل نحن في مستوى تضحياتهم الجسام؟؟؟


* تقديم المساعدات المادية و الغذائية للعائلات و الافراد المتضررين من اغلاق الاسواق و الذين لا يملكون مخزوناً غذائياً.
وتعزيزاً لهذه الاجراءات لجأت بعض هذه المدن الايطالية الى تجميع و تكويم النفايات المنزلية خارج المدن، وكنس الازقة و الشوارع لتبدو نظيفة لتجنب نقل العدوى، بالإضافة الى دفن الفضلات الكريهة بسرعة، بل ان منها من ابتكر «تصاريح سفر» رسمية ابتداء من سنة 1400 م.



الحلقة التالية:الحلقة 2 : تعزيز تدابير “مفهوم النِّظام” وتقنين اجراءات الحجر الصّحي (الكرنتينة) في المدن الايطالية

السابق
الزلابية أشهر الحلويات الرمضانية
التالي
عصا السي ” اليزيد” الساحرة

اترك تعليقاً