المحتويات

فلسطين عبر التاريخ

فلسطين مهد البشرية ومنبع الحضارة، موطن الأنبياء وبوابة السماء،  أرض الرباط والجهاد، حاضنة المقدس ومبدأ المعراج.

من لا يعرف أريحا أقدم المدن الآهلة عبر العصور، إذ يعود تاريخها إلى 9000 عام قبل الميلاد، مازالت واقفة صامدة صمود سورها العتيق الذي يقدر تاريخ بنائه بـ 8000 عام قبل الميلاد.

والشواهد مازالت قائمة لحد الساعة تشهد على تاريخ عظيم وعطاء إنساني مجيد على أرض فلسطين التي تعاقب عليها العديد الأمم والحضارات.

الساميون

يتضح وفقا للمكتشفات الأثرية في مصر والعراق، أن الساميين هم أقدم الشعوب المعروفة على أرض فلسطين، فمنذ الألف الرابع قبل الميلاد كانوا يعيشون على شاطئ البحر المتوسط الشرقي.                           

ومن الوجهة الدينية يعتبر الساميون- في الأصل- القبائل المنحدرة من سام، الابن الأكبر لسيدنا نوح -عليه السلام-.                                       

ومن الثابت أن سكان فلسطين  الأصليين القدماء كانوا كلهم عرباً، هاجروا من جزيرة العرب إثر الجفاف الذي حل بها، فعاشوا في وطنهم الجديد “كنعان” ما يزيد على الألفي عام قبل ظهور النبي موسى وأتباعه على مسرح الأحداث.       

الكنعانيون

وفقاً للتقديرات الموثقة، فإن الهجرة الأمورية الكنعانية الشهيرة من الجزيرة العربية قد حدثت في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، غير أن بعض الباحثين يستنتجون أن الكنعانيين كانوا منذ بداية الألف الثالث مستقرين في البلاد، مستندين إلى مكتشفات الآثار المصرية.

ويذهب باحثون آخرون إلى أبعد من ذلك، حيث يشيرون إلى وجود الكنعانيين ما قبل سبعة آلاف سنة، وذلك من خلال تتبع الآثار في مدنهم القديمة، وأقدمها مدينة أريحا الباقية حتى اليوم التي تعتبر أقدم مدينة في العالم.

وإن تأرجحت تقديرات البداية الزمنية لوجود الكنعانيين فمما لا خلاف فيه إطلاقاً أنهم كانوا أول من سكن المنطقة من الشعوب المعروفة تاريخياً وأول من بنا حضارة على أرض فلسطين.

وورد في الكتابات العبرية أن الكنعانيين هم سكان البلاد الأصليون، كما ذكر في التوراة أنهم الشعب الأموري.

ومن أقدم المدن الكنعانية الباقية حتى اليوم:

أريحا، أسدود، عكا، غزة، المجدل، يافا، عسقلان، بيسان، وهناك أيضاً العديد من المدن والقرى منها ما بقي حتى اليوم ومنها ما اندثر، وقد كانت مدينة نابلس (شكيم) العاصمة الطبيعية لكنعان.

واشتهر الكنعانيون بالزراعة والصناعة وبرعوا في التعدين وصناعة الخزف والزجاج والنسيج والثياب كما برعوا في فن العمارة، وتأتي الموسيقى والأدب على رأس الهرم في الحضارة الكنعانية، حيث لم يعن شعب سامي بالفن والموسيقى كما عني به الكنعانيون، فقد اقتبسوا كثيراً من عناصر موسيقاهم من شعوب مختلفة توطنت الشرق الأدنى القديم، وذلك لأن طقوس العبادة الكنعانية كانت تقتضي استخدام الغناء، وهكذا انتشرت ألحانهم وأدوات موسيقاهم في جميع بقاع المتوسط.

ليس هناك من يجادل في أن الأدب والفن هما عنوان للحضارة، فليس غريباً عندما نتتبع الكتابات الإسرائيلية أن نكتشف الجهد الكبير الذي بذله الإسرائيليون ويبذلونه لإيهام الدنيا بأنهم هم الذين كانوا بناة الحضارة العريقة، وأصحاب الأناشيد والتراتيل والغناء، وقد تمكنوا فعلاً من جعل الوهم حقيقة في عقول الكثيرين، إلا أن المؤرخين الكبار الثقات أمثال (برستد) الذي يصف المدن الكنعانية المزدهرة يوم دخلها العبريون بقوله أنها كانت مدنا فيها البيوت المترفة المريحة، وفيها الصناعة والتجارة والكتابة والمعابد وفيها الحضارة التي سرعان ما اقتبسها العبريون الرعاة البدائيون، فتركوا خيامهم وقلدوهم في بناء البيوت، كما خلعوا الجلود التي ارتدوها في الصحراء، وارتدوا الثياب الصوفية الزاهية الألوان، وبعد فترة لم يعد بالإمكان أن يفرق المرء بين الكنعانيين والعبريين بالمظهر الخارجي،وبعد دخول الفلسطينيين من جهة البحر والإسرائيليين من جهة الأردن، توزعت أرض كنعان بين الأقوام الثلاثة، ولم يعد الكنعانيون وحدهم سادة البلاد، غير أن اللغة الكنعانية بقيت هي السائدة.

 ومنذ فجر التاريخ المكتوب أي منذ خمسة آلاف سنة لم تعرف فلسطين حتى عهد الانتداب البريطاني سنة 1917 سوى لغات ثلاث:

الكنعانية أولاً، والآرامية ثانياً، -وهي اللغة التي تكلم بها السيد المسيح- والعربية ثالثاً.

2000 ق.م – 1200 ق.م

في بداية الألف الثاني قبل الميلاد بدأت المدن تنشط وظهرت معها أنماط جديدة من العمارة والمدافن وأنواع جديدة من الخزف والأسلحة وتميزت هذه المرحلة بعلاقات تجارية، وسياسية متطورة مع غالبية مناطق الشرق القديم وبشكل خاص مصر وبلاد الشام وشمال سوريا وشرقي الأناضول.

كما تميزت هذه الفترة بصناعة متطورة من الخزف من حيث انتقاء مادة الصلصال ومزجها وإدارتها على عجلة سريعة لإنتاج أشكال متنوعة وأنيقة من الأواني.

واتسمت هذه الفترة بالسيطرة المصرية شبه التامة على بلاد الشام أثناء حكم الأسرتين الثامنة عشر والتاسعة عشر ألتي تم فيها القضاء على آخر ملوك الهكسوس حوالي (1567ق.م) وحملات تحتمس الثالث على بلاد الشام (حوالي 1480ق.م) بالإضافة إلى ذلك اختفاء التحصينات القوية والمدعومة بطبقات مرصوصة من الطمم المائل والمنسوبة للهكسوس.

ولوحظ في تلك الفترة وجود حالة من الاضطراب قد سيطرت على فلسطين كما يبدو من مواقع الجنوب والوسط مع بداية الأسرة الثامنة عشر أي بعيد طرد الهكسوس من مصر وملاحقتهم حتى شاروهين في جنوبي فلسطين، ومن الجدير ذكره أن هناك نصوص تفصيلية منذ عهد تحتمس الثالث ومنها ذلك النص المتعلق بمعركة مجدو الفاصلة التي قادها من الجانب الشامي كل من ملك مجدو وملك قادش يدعمها الملك الميتاني، وشارك في هذا التحالف ما يقارب من مائة وعشرين مدينة وورد ذكرها في إحدى قوائم تحتمس الثالث الطبوغرافية.

 وجاءت هذه النصوص على شكل نقوش على المسلات التي تم نصبها في كل من الكرك وممفيس.

1200-550ق.م عصر الممالك (العصر الحديدي)

في تلك الفترة اعتبر الفلسطينيون أنفسهم خلفاء شرعيين للسلطة المصرية على فلسطين وسيطروا على معظم أجزائها، ولكنه غالباً ما يشار إليهم على أنهم سكان الساحل الفلسطيني، حيث أسسوا عدداً من المدن الرئيسية مثل غزة وعسقلان واسدود وعقير وتل الصافي وغيرها.

كما ظهرت التأثيرات الكنعانية المحلية على مختلف الفلسطينيين من أسماء آلهتهم أمثال داجون وعشتروت، والحياة الدينية عند سكان الساحل الفلسطيني كنعانية الأصل، وكذلك المباني الدينية وأهمها سلسلة المعابد المتعاقبة في تل القصيلة التي أنشات على غرار المعابد الكنعانية مع ما يظهر عليها من تأثيرات مصرية.

ومن جهة أخرى لقد كان هناك إدعاءات من قبل التوراتيين والأثريين الإسرائيليين حول نسب بعض المكتشفات والعمارة إلى الإسرائيليين القدماء، ومن هذه المكتشفات جرة فخارية كبيرة الحجم تأخذ شكلاً شبه بيضاوي ولف حولها بين العنق والكتف طوق ألصق بالإناء وعرف في المصادر الأجنبية بـ (collared-rimjar).

الإمبراطورية الفارسية

550 ق.م – 330 ق.م: الامبراطورية الفارسية وعهد الاسكندر المقدوني              

تعتبر هي الوارثة لآشور بفعل ملوكها الأوائل “كورش” و”قمبيز” و”داريوس” وامتدت هذه الإمبراطورية من بحر إيجة في الغرب إلى حدود الهند في الشرق ومن جنوب مصر إلى البحر الأسود وجبال القوقاز في الشمال.

وقسم دارويوس الإمبراطورية آنذاك إلى (20) ولاية وعلى كل منها والٍ، وفلسطين كانت جزءا” من الولاية الخامسة التي عرفت باسمها الآرامي “عبر نهرا” أي “ما وراء النهر ” والمقصود نهر الفرات و تضم بلاد الشام كلها بما فيها سوريا وفينيقيا وقبرص.

330-63 ق.م                                          

اجتاز الإسكندر المقدوني سنة (334 ق.م) البحر من اليونان قادماً إلى آسيا الصغرى وأحرز أول انتصار على الفرس في معركة غرانيكوس Granicus، وفي السنة نفسها انتصر على ملك فارس في أيسوس في كيليكيا، واتجه بعد ذلك جنوباً نحو سواحل بلاد الشام رغبة منه في تدمير الأسطول البحري الفينيقي الذي كان  يعتمد عليه الفرس في شرق البحر المتوسط فاجتاز جبال طوروس وعمّر مدينة مرياندوس Miriandos وهي الإسكندرية الحالية وأرسل فرقة من جيشه إلى دمشق فاحتلها،وسار بعد ذلك على الساحل الشامي واستولى عليه في (خريف 332ق.م) وبعد وفاته مرت الإمبراطورية بحالات عديدة من الحروب والنزاعات الداخلية على الحكم وأدى هذا إلى إقامة دولتين هما السلوقيون في بلاد الشام والبطالمة في مصر.    

ففي سنة (175 ق.م) قامت في فلسطين حرب المكابيين ضد السلوقيين وهي الحرب التي استمرت أربعين سنة وانتهت بقيام الأسرة الحشمونية التي قضى “بومبي” عليها سنة (63 ق.م)عندما  احتل القدس، فأصبحت فلسطين عندئذ جزءاً من الدولة الرومانية كما الحال في بلاد الشام.

العصر الروماني

بدأ الرومان بالتدخل في شؤون الدولة السلوقية منذ بداية القرن الثاني قبل الميلاد وذلك بسبب الضعف والوهن الذي أصابها على أثر الحروب الخارجية التي دخلتها وانتصارهم على “انطيوخس الثالث ” في معركة فغنيزيا (190ق.م).                           

يذكر المؤرخون أن الجيوش الرومانية وعلى رأسها القائد “بومبي” دخلت بيت المقدس بعد حصار وقتال شديدين في (63 ق.م) وقد فقدت المدينة الكثير من سكانه، واعتبرت فلسطين وغرب سوريا ولاية رومانية، وعين “سكاوروس” أول والي عليها، وفي سنة 57ق.م، تولى “غابينيوس” ولاية سوريا، وأعاد التنظيم الإداري لمنطقة بيت المقدس. ثم عين “كراسوس” والياً على سوريا سنة 54 ق.م، وهو عضو فيما عرف بالحلف الثلاثي لتقسيم الحكم في الدولة الكبيرة وهم “بومبي وقيصر وكراسوس” ومن ثم نشب خلاف بين بومبي وقيصر، فجاء حدث اغتيال يوليوس قيصر وتم وضع أحد المتآمرين عليه وهو “كاسيوس” والياً على سوريا (44-42 ق.م)، وفي عام (42 ق.م) انتصر أنطونيوس وأكتافيوس على قتلة يوليوس قيصر، وبعد ذلك تم تعيين “هيرودس” ملكاً على منطقة بيت المقدس وفلسطين، وقد استمرت فترة حكمه من (37-4 ق.م). وبعد أن توفي هيرودس كان قد أوصى بأن يكون (أنتبياس) في القسم الأكبر من فلسطين، واستمر ذلك من 4 ق.م حتى39 م، ويذكر أنه اتخذ من طبريا عاصمة له، وفي عام (41 م) أصبحت فلسطين بكاملها ولاية رومانية.

ظهور المسيحية

ولد سيدنا عيسى المسيح -عليه السلام- في بيت لحم سنة 4 ق.م، وقسمت هذه الفترة إلى ثلاثة أدوار:  

  • الدور الأول هو الذي تلا أيام المسيح مباشرة والذي يسمى عصر الرسل (30-95) م.
  • الثاني يمتد نحو قرن من نهاية القرن الأول إلى أواخر القرن الثاني.
  • وينتهي الثالث باعتناق الامبراطور الروماني قسطنطين المسيحية بتأثير من والدته القديسة هيلانة سنة (312م).         

قامت في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي ثورة داخلية ضد روما على يد أميري تدمر “أذينه” وقرينته “زنوبيا” بعده، وقد أتيح لـ “اورليان” أن يضع حداً لهذه المحاولة سنة 272م وكان ذلك على حساب تدمر.              

وفي سنة 395م انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين، شرقية وغربية، كما أورث “ثيودوسيوس” أحد ابنيه ويدعى “أركاديوس” الجزء الشرقي، وأوصى أن يكون حاكما مستقلاً فتولى الأمر ما بين عامي (395-408م) وأورث الابن الثاني (هنوريوس) الجزء الغربي فحكمه مستقلاً كذلك من (395-423). 

وقد تولى بعد قسطنطين وحتى سنة (527م) ما يقارب من سبعة عشر امبراطوراً، بينهم أربعة كانوا مغتصبين للعرش.   

ويذكر أن “جستنيان يوستينوس” الثاني تولى العرش البيزنطي في الفترة (565-578م) و(طيباريوس الثاني) (578-582م) وموريس (582-602م) و”فوكاس”  (602-610م) وهرقل (610-641م).                                           

وكانت الحروب بين البيزنطيين والساسانيين تشتد تارةً وتهدأ تارة، وكانت تعقد بين الدولتين معاهدات واتفاقات صلح متعددة لا تلبث أن تلغى وتنشب الحروب مرة أخرى بين البلدين.

ففي السنوات من (610-622م) كان الفرس يقومون بهجمات على الروم وانتصروا في حملاتهم، فنهبوا أنطاكيا ودمشق وبيت المقدس عام (614م) واستولى “ابرويز” على الصليب المقدس، ولكن الحروب المستمرة، فضلاً عن أشياء أخرى كانت قد أنهكت الدولتين فلم تستطيعا الوقوف أمام العرب الذين قضوا على الدولة الساسانية وانتزعوا بلاد الشام ومصر من البيزنطيين وكانت المعركة الفاصلة هي معركة اليرموك في العام الخامس عشر للهجرة (636م).

الفتح العربي الإسلامي

مع بداية عصر الفتوحات وتوجه الجيوش الإسلامية إلى بلاد الشام، حيث كانت بُصْرَى  أول مدينة من مدائن الشام فتحت في خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-،  ثم ساروا إلى فلسطين وشهدوا معركة ضارية بينهم وبين الروم البيزنطيين في موقعة أجنادين في عام (13هـ/ 29أو 30 تموز/ يوليو 634م).

كانت أجنادين نصراً كبيراً للمسلمين واضطر الجيش البيزنطي إلى الهرب من ساحة المعركة إلى مدينة فحل على الضفة الشرقية للأردن قرب بيسان، فحاصرهم الجيش الإسلامي هناك قبل أن يستسلم أهل فحل للمسلمين ودفع الجزية.

وتوفي أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في الآخر من جمادى الأول من العام نفسه ومن بعده تولى خلافة المسلمين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.               

 وتوالت هزائم الروم على يد المسلمين بعد أن أعملوا فيهم السيف في معظم بلاد الشام، ولما بلغ خبر الهزيمة رحل هرقل من أنطاقيه إلى القسطنطينية، وكانت وقعة اليرموك في شهر رجب من عام (15هـ/ أيلول/ سبتمبر 636م)، ويذكر أن عدد المسلمين كان لا يتجاوز ربع عدد الروم في تلك الواقعة، ومع ذلك فقد كان لهم انتصار ساحق وكانت معركة اليرموك أخر المعارك الهامة في بلاد الشام ولم يبق بعدها في يد الروم بفلسطين من المواقع الهامة سوى بيت المقدس وقيسارية، وكان فتح بيت المقدس من أهم أهداف الدولة الإسلامية في ذاك الوقت، فعملت الجيوش الإسلامية على حصار القدس، فرفض أهل القدس أن يستسلموا لأبي عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه– الذي كان على رأس الجيوش الإسلامية آنذاك وطلبوا أن يكون المتولي لعقد الصلح والفتح عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فكتب أبو عبيدة إلى عمر وتوجه عمر إلى بيت المقدس فاتحاً لها.

فلسطين في عهد الخلفاء الراشدين

بعد الفتح العربي الإسلامي أصبحت فلسطين إقليماً تابعاً للدولة الإسلامية ونعمت في ظل هذا الحكم بفترة من الاستقرار لم تعرفها حيث كانت محط أنظار القوتين العظمتين آنذاك فارس وبيزنطة وساحة للصراع بينهما، وبعد فتح فلسطين زمن الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- والذي وضع بدوره عمرو بن العاص -رضي الله عنه- والياً عليها ومن بعده عبد الرحمن بن علقمة الكناني -رضي الله عنه- وبعد موته كان علقمة بن مجزر -رضي الله عنه-، وظل الحال كذلك إلى أن ضم الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فلسطين مرة أخرى إلى معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- الذي كان والياً على الشام.

العهد الأموي

بدأت فلسطين مرحلة جديدة من مراحل حياتها حين أعلن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- نفسه خليفة مؤسساً بذلك حكم الأسرة الأموية الذي دام ما يقارب التسعين عاماً، وقد استهل عهده بالذهاب إلى بيت المقدس حيث أعلن خلافته من هناك في العام (40أو 41هـ /661م)، ثم بايعه الناس بعد ذلك.                                                             

ولما آل الأمر الحكم إلى يزيد بن معاوية بدأت الاضطرابات الداخلية التي أثارها معارضوه من أمثال الحسين بن علي -رضي الله عنهما-، وعبد الله بين الزبير -رضي الله عنهما- الذي طالب بالبيعة لنفسه بعد مقتل الحسين، فاستجابت له الحجاز وبعض أجزاء العراق، فتصدعت وحدة الصف في الداخل، وحينما مات يزيد كانت بدايات الفتنة الثانية تطل برأسها على الدولة الإسلامية، وبعد موته مال الناس في أكثر البلدان الإسلامية إلى ابن الزبير باستثناء الشام، التي بايعت معاوية بن يزيد بن معاوية أي معاوية الثاني، ولكن أمر معاوية الثاني لم يطل، ومات بعد حكم لم يدم أكثر من أربعين يوماً،  فتحولت الشام لابن الزبير ودخلت في طاعته ما عدا جندي الأردن وفلسطين وكان عليهما حسان بن مالك بن الكلبي منذ أيام معاوية ابن أبي سفيان -رضي الله عنه-.

وكان حسان يميل إلى الأموية، فخرج إلى الأردن ليكون قريباً من مسرح الأحداث بعد أن استخلف على جند فلسطين “روح بن زنباع الجذامى” ولم يلبث ناثل بن قيس الجذامى أن أعلن البيعة لابن الزبير بفلسطين وخرج ثائراً على روح وطرده إلى الأردن التي لم يبق مع بني أمية سواها.

وبعد معركة مرج راهط استقر الرأي في الشام على أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم وبعده لخالد بن يزيد بن معاوية، ومن ثم عادت الخلافة مرة أخري لعبد الملك بن مروان بعد أبيه واستقامت له الشام، وفي عهد من تلا عبد الملك من أبنائه وحتى هشام بن عبد الملك نعمت فلسطين بالاستقرار وعمها الرخاء ولم يعكر صفوها أي حدث كبير.

ويذكر أنه في عهد هشام دب الضعف في أواصر الدولة الأموية واحتدم الصراع الداخلي في الدولة. وأن أخر الخلفاء هو مروان بن محمد حيث سقطت الخلافة الأموية لتبدأ دولة العباسيين.

العصر العباسي

بعد مقتل مروان بن محمد، تهيأت الظروف للعباسيين فرض سلطانهم على بلاد الشام، وأخذت مدن الشام تسقط في أيديهم الواحدة تلو الأخرى دون أدنى مقاومة، وبعد أن أخضع “عبد الله بن علي” دمشق له في (18 نيسان/ أبريل عام 750م)، دخل فلسطين ليبدأ عهداً جديداً في تاريخ هذه الأرض العربية، وقد اتبع العباسيون سياسة الشدة مع من تبقى من أتباع الأمويين في الشام، ولكن أهل الشام قابلوا ذلك بالثورات المتلاحقة على طول الفترة العباسية.

العهد الطولوني

اتضح أن الفترة السابقة (الفترة العباسية) انطوت على العديد من الأحداث والتي اتسمت بعدم الاستقرار وعدم الوفاء من قبل بلاد الشام للعباسيين، وبقي الحال كذلك إلى أن آلت السلطة إلى أحمد بن طولون مؤسس الإمارة الطولونية، وقد تأسست الإمارة الطولونية في مصر منذ العام (257هـ/ 870م)، وأراد لنفوذه أن يمتد عبر الشام بدعوى الحفاظ على البلاد الإسلامية من تربص العدو البيزنطي، وعمل على ضمها، واستمر في جهده للحفاظ عليها حتى توفي في العام (270هـ/ 884 م) وقد آل أمر الحكم بعده إلى ابنه “خماروية”، فاستمرت الفترة الطولونية حتى قامت القبائل العربية في الشام بعد سقوط الطولونيين ببعض الحركات المناوئة للسلطة، مع استمرار تبعية بلاد الشام لبغداد، إلى أن قامت الدولة الإخشيدية.

الحكم الإخشيدي

والتي أسسها أبو بكر بن طغج بن جف بن بلتكين وبدأت فترة حكم الإخشيديين بتولي الإخشيد لمصر والشام، واستمرت فترة حكمه حتى تُوفي في دمشق يوم الجمعة في شهر ذي الحجة سنة (334هـ، 946م) ونقل جثمانه إلى بيت المقدس حيث دفن هناك، وتولى الحكم بعده أبو القاسم أنوجور.

العصر الفاطمي

بدأ العصر الفاطمي بإنشاء دولة الفاطميين في مصر، ومن ثم ذهبت أطماعهم إلى بلاد الشام، وحققوا رغبتهم بذلك من خلال الاستيلاء على الشام عبر جيش بقيادة جوهر الصقلي في عهد المعز لدين الله الفاطمي، واتسمت هذه الفترة بالاضطرابات والحروب الداخلية وذلك لعدة أسباب خارجية وداخلية أهمها أن الدولة الفاطمية قامت على أساس شيعي بخلاف ما كان عليه أهل الشام، وأدى هذا الخلاف المذهبي إلى خلاف على السلطة والحكم، كما كان هناك أسباب أخرى تمثلت في أطماع عديدة في الاستيلاء على بلاد الشام والسلطة من قبل طوائف أخرى، وكذلك رغبة بعض القبائل العربية في الاستقلال عبر إمارات مستقلة بذاتها.

الفترة السلجوقية

بدأ الأتراك المعروفون “بالسلاجقة” التسلل نحو شمال العراق وبلاد الشام سنة (1067م) وهم ليسوا من طينة الأقوام العربية في بلاد الشام، بل هم من وراء تركستان حديثي الإسلام، دخلوا في أهل الشام وامتزجوا بهم، وأخذوا على عاتقهم الدفاع بصفتهم الحكام والعسكريين ضد الفرنجة والمغول حوالي أربعة قرون، وتولوا زعامة المنطقة بالقوة العسكرية حتى مطلع القرن العشرين.

الفرنجة (الحملات الصليبية)

امتدت فترة الحروب الصليبية ما بين عامي (1095-1291م) في الشرق عبر حملات متعددة ولأهداف متعددة في كل حملة، وقد بدأت جملة هذه الحروب عندما أطلق البابا “أوربان الثاني” في مؤتمر كلير مون سنة (1095م) صيحة الحرب الصليبية “هكذا أراد الله”، فقامت أول الحروب الصليبية على أساس ديني تحت شعار الأيديولوجية الدينية لمحاولة السيطرة على الأماكن المقدسة في الشرق مهد المسيحية، ورأى البابا أن تصدر الكنيسة الكاثوليكية الغربية بالدور المركزي في الحملات الصليبية يمكنها من احتلال الموقع القيادي المرغوب دينياً وسياسياً في الشرق كما في الغرب.

وشهد القرن الحادي عشر في أوروبا حركة أحياء ديني واسعة النطاق، وخصوصاً بين الطبقات الشعبية التي تنامت فيها الأفكار الصليبية، فعندما جاءت الدعوة إلى القيام بحملات عسكرية تحت راية الصليب، كانت الاستجابة الشعبية واسعة أيضاً، أما الباباوات فقد شعروا بقوتهم في القرن الحادي عشر وخصوصاً أيام غريغوريوس السابع وجاء بعده أربان الثاني ليدفع مسيرة تعزيز موقع الكنيسة إلى الأمام،  فكانت الحملات الصليبية السبيل إلى ذلك في رأيه، وكذلك استجابة لطلب إمبراطور بيزنطة بالنجدة والذي شعر بالخطر على عاصمته وعدم مقدرته على درء الخطر عن الأماكن المقدسة. 

فكانت أوروبا في القرن الحادي عشر مهيأة مادياً ومعنوياً لقبول فكرة الحروب الصليبية، فالأوضاع الاجتماعية الصعبة وزيادة عدد السكان وطبيعة رقعة الأراضي الزراعية وتوالي الكوارث الطبيعية والأوبئة والطمع في خيرات الشرق كل هذه العوامل ساعدت على تجسيد الفكرة وممارستها.

الحملة الأولى

كانت الحملة الأولى عندما طلب إمبراطور بيزنطة مساعدة عسكرية تتمثل في جيش من المرتزقة للدفاع عن عاصمته، فجاء الرد الأوروبي غير المتوقع وهو عبارة عن حملة صليبية، الأمر الذي أربك إمبراطور بيزنطة ووضعه في موقف حرج، ففي كليرمونت (وسط فرنسا) عقد المجمع الشهير في تشرين الثاني/ نوفمبر(1095م) حيث ألقى البابا “أربان الثاني” خطاباً حماسياً ألهب المشاعر الدينية لجماهير غفيرة اجتاحتها العواطف الدينية ودعا إلى حمل السلاح لحماية المسيحيين في الشرق من الاضطهاد، وتحرير كنيسة القيامة والمسيحية الشرقية عامة، وتعالت الصرخات العفوية “هذه إرادة الله” واندفع الناس نحو البابا مؤيدين دعوته، ووعد هؤلاء بأن يمحو الخطايا والإعفاء من الديون ورعاية الأسر أثناء الغياب والمرتدون سيحرمون من الكنيسة، وقد انتشرت هذه الحماسة من فرنسا إلى أن بلغت سائر أوروبا، وكانت فكرة الحملة الصليبية غريبة على بيزنطة على مستوى القمة والقاعدة الشعبية، فقد كان همهم مواجهة خطر السلاجقة، ونظرت بيزنطة إلى الصليبيين بارتياب، ورأت فيهم برابرة شأنهم في ذلك شأن السلاجقة الذين يهددونهم من الشرق، فعندما اقتربت الحملة الصليبية الأولى من القسطنطينية التي قادها الراهب “بيتر” حيث سبقتها سمعتها السيئة على طول طريقها من فرنسا إلى القسطنطينية، سارع الإمبراطور والذي عرف بدهائه الشديد إلى نقلها عبر المضيق إلى شاطئ آسيا الصغرى، حيث تركها طعما لسيوف السلاجقة في سلطة الروم.

وبعد فناء حملة بيتر الراهب في صيف (1096م)،  بدأت قوات الحملة الصليبية الأولى تتجمع في غرب أوروبا وجيشها هو الأكبر في هذه الحملة متعددة القادة، وكان على هذه الجيوش أن تتجمع في القسطنطينية قبل الدخول إلى أراضي السلطنة السلجوقية وكانت فرنسا تشكل الثقل الرئيسي في الحملة. 

بدأت الحرب بمشاركة شكلية من جيش الإمبراطور البيزنطي، مع السلاجقة في سلطنة روم، وبدأ محاصرتهم واحتلال الإمارات الواحدة تلو الأخرى، وواصلوا تقدماً في الجنوب نحو فلسطين فأخذوا (معرة النعمان) وقاموا بمذبحة كبيرة فيها وأخذوا بعض المناطق الأخرى متوجهين إلى الساحل وحصنوا مواقعهم في صور وعكا والقدس وتقدموا إلى القدس لاستكمال الحج إلى الأماكن المقدسة، وتابعوا طريقهم إليها في أيار/ مايو (1099م) وسار الجيش الصليبي أمام عكا وحيفا وأرسوف وقيساريا، ومن هناك انعطفت إلى الرملة عاصمة فلسطين وتابعوا إلى القدس وامتنعت عليهم المدينة فحاصروها من (7 حزيران/ يونيو إلى 15 تموز/ يوليو 1099م) وسقطت في أيديهم وقاموا بمذبحة رهيبة ضد السكان المحليين.

وبعد تأسيس مملكة أورشليم اللاتينية توجه قادتها إلى استكمال احتلال ساحل البلاد وداخلها.

أفاق الفاطميون على حقيقة احتلال الصليبيين للبلاد العربية وكان ذلك متأخراً، فحاولوا مواجهة الصليبيين وهزموا في معركة برية بالقرب من عسقلان في آب/ أغسطس (1099م) وانتقل بعدها الصليبيون لاستكمال احتلال مدن الساحل، أما عسقلان الفاطمية فقد ظلت تشكل خطراً على المملكة الصليبية حتى سنة (1153م)، وعندما سقطت أصبح الساحل بأكمله تحت سيطرة الصليبيين وخلال أكثر من خمسين عاماً، ظلت المناوشات مستمرة بين الفاطميين ومملكة أورشليم اللاتينية.

الحملة الثانية 1146-1149م

احتدمت الصراعات الصليبية الداخلية وكذلك الصراع مع بيزنطة مما هيأ الفرصة للسلاجقة لاستعادة الأراضي التي خسروها، ولاحت فرصة قوية للإمبراطور “ألكسيوس” لانتزاع أنطاكيا من “بوهيمند” الذي وقع أسيراً في يد القائد التركي “أمير مالك غازي”، وتم التفاوض على افتداء “بوهيمند”، وبعد أن تم ذلك رفض تسليم أنطاكيا للإمبراطور. ألحق به السلاجقة هزيمة نكراء في حران عام (1104م) وخسر معظم الأراضي التي احتلها في سوريا.

وفي المقابل كانت مملكة أورشليم اللاتينية تتوسع في جميع الاتجاهات والتي ولدت حالة من النهوض في الموصل، ففي الموصل بدأت حركة عام (1113م) لتوحيد الإمارات الإسلامية في العراق وسوريا من أجل عمل مشترك ضد الفرنجة، ووصلت هذه الحركة ذروتها أيام عماد الدين زنكي الذي برز خلال الفترة (1127م-1146م) واستطاع فرض سلطته على حكام المقاطعات في العراق وسوريا ماعدا دمشق، وبذلك فتح عماد الدين زنكي مرحلة جديدة من الاشتباك مع الفرنجة، وامتدت إلى أيام ابنه نور الدين  زنكي، ومن بعده صلاح الدين الأيوبي وصولاً إلى المماليك الذين تمت على أيديهم  تصفية مملكة أورشليم اللاتينية.

العصر الأيوبي

ولد صلاح الدين يوسف بن أيوب في مدينة تكريت بالعراق لعائلة كردية سنة (1138م). وانتقل صلاح الدين الأيوبي إلى بعلبك بلبنان مع والده حيث عين قائداً عسكرياً في عهد عماد الدين زنكي، ثم انتقل مع عمه “أسد الدين شيركوه” إلى مصر (1164م)، وكان قد تولى الوزارة في القاهرة بعد موت عمه.

وفي سنة (1171م) ألغى الخلافة الفاطمية الشيعية وأعلن البيعة للخليفة العباسي السني المستضيء، ولذلك برز خلاف بينه وبين نور الدين زنكي انتهى بوفاة الأخير.

بعدها سعى صلاح الدين لتوحيد مصر وسوريا تحت قيادته لتحقيق حلمه في القضاء على الصليبيين، وفي عام (1187م) كان هناك حدث تاريخي تمثّل بمعركة حطين والتي أحدثت انعطافاً في العلاقات بين الشرق والغرب، ووضعت الوجود الصليبي في الشرق موضع الدفاع عن النفس.

بعد معركة حطين أخذ صلاح الدين طبرية، ثم تقدم إلى عكا، وأذعنت مدن الجليل ومن ثم أخذ نابلس، ويافا، وغزة، وعسقلان، وبيروت، وصيدا كما أخذ الناصرة، وقيساريا، وصفد، وصفورية، والشقيف، وجبل الطور وغيرها، إلى أن جاء دور القدس فحاصرها وأخرج الصليبيين منها بموجب اتفاق، وصلى الجمعة في (27 تشرين الأول/ أكتوبر 1187م) في المسجد الأقصى. وتجمع الصليبيون في ثلاث مدن ساحلية هي أنطاكيا وطرابلس وصور.

الحملة الثالثة

قاد الحملة الصليبية الثالثة ملوك أوروبا الأقوياء في ذاك الوقت وجاءت هذه الحملة بعد سقوط القدس تحديداً واستطاعت أوروبا أن تحشد قوتها برغم الخلافات بين ملوكها، واستطاعت هذه الحملة أن تصل إلى فلسطين وتحاصر عكا، وأسرع صلاح الدين إلى حصار الصليبيين، ومع وصول الفرنسيين والإنجليز دارت معركة كبيرة، واستمر الحصار المتبادل من (آب/ أغسطس 1189م إلى حزيران/ يونيو 1191م)، والذي سقطت في أثره عكا.  

وفي 2 أيلول / سبتمبر (1192م) توصل الطرفان، بعد مفاوضات طويلة إلى اتفاق أقيمت بموجبه مملكة صليبية مركزها عكا وللمسيحيين الحق بزيارة الأماكن المقدسة في القدس والناصرة.

وبعد الصلح عاد صلاح الدين إلى دمشق بعد عشرين عاماً من الجهاد غير المنقطع فوافته المنية في 3 آذار/ مارس (1193م) وهكذا ظلت الحروب الصليبية مستعرة ولكن خارج فلسطين إلى أن جاءت فترة المماليك الأتراك.

عهد المماليك

عُرف نظام المماليك بوجهه العسكري منذ عهد العباسيين، وقد برز في صفوف هذا الجيش سلالات حاكمة، فبعد زوال ملك الأيوبيين اتخذ هذا النظام وضعاً متميزاً، فقد كانت نهاية ملك بني أيوب على أيديهم وأسسوا ملكاً في مصر وبلاد الشام، دام أكثر من قرنين ونصف.

تمكن المماليك من إنقاذ مصر في اللحظة الأخيرة وذلك بعد أن أفلحت الحملة الصليبية السابعة باحتلال دمياط والتقدم نحو القاهرة بينما كان الصالح أيوب على فراش الموت وفي لحظات الشدة توفي أيوب، وفي تلك اللحظة اجتمع المماليك وعزموا على قتال الصليبيين فهزموهم، وكان قد ظهر على الساحة “الظاهر بيبرس” المؤسس الحقيقي لدولة المماليك وبهذا أصبح المماليك على سدة الحكم في مصر واكتفى الأيوبيون  ببلاد الشام ولكن لم يدم ذلك طويلاً وذلك لأن المغول بقيادة “هولاكو” كانوا قد توجهوا إلى الشرق ودخلوا بغداد وقضوا على العباسيين وخربوا البلاد ودمروا حضارتها سنة (1260م) وساروا إلى دمشق التي لقيت نفس المصير، وبعثوا يهددون “السلطان قطز” الذي تولى الحكم في القاهرة في (1259-1260م)، وإزاء هذه التهديدات عمل “قطز” على لم شمل المسلمين وانضم إليه “بيبرس” وتقدموا لملاقاة المغول فاصطدموا بطلائعهم عند غزة وهزموهم وتابعوا المسير إلى أن تجمعت قواتهم في عين جالوت (مرج بن عامر) وهناك التقى الجيشان في معركة شرسة في 6أيلول/ سبتمبر (1260م) انتصر فيها المماليك، وقد غير هذا الانتصار وجه التاريخ في غرب آسيا.

بعد ذلك عزم “بيبرس” على تصفية الوجود الصليبي، وتولى الحكم بلقب الظاهر في (1260-1277م)، ودأب على ترتيب أوضاعه الداخلية وتفرغ لمقارعة الصليبيين، ولكنه مات وهو يقاتل في من تبقى من الصليبيين  في الشرق في عام (1277م).

الخلافة العثمانية

مع مطلع هذه الفترة التي انتهى فيها الحكم المملوكي وانضوى في معظم أقطار الوطن العربي في إطار الدولة العثمانية التي دام حكمها قرابة الأربعة قرون. امتد سلطان الدولة العثمانية المتمركزة في اسطنبول على البلقان والأناضول خلال قرنين من الحروب والتوسع.

وفي ظل هذه القوة المركزية والبارزة في المنطقة بدأ تزايد الصراع على النفوذ بين ثلاثة قوى هي الدولة العثمانية والدولة الصفوية الناشئة في تبريز، والمماليك من جهة ثالثة، ففي آب/ أغسطس (1514م) كانت الموقعة الأولى الفاصلة بين الدولة العثمانية بزعامة “سليم الأول” والدولة الصفوية بزعامة “الشاه إسماعيل” في (جالديران) قرب (تبريز) وانتصر فيها العثمانيون بفضل فعالية السلاح الناري الذي كانوا يتفوقون في استخدامه.

وبعد عامين هزم العثمانيون المماليك في موقعة حاسمة في (مرج دابق) قرب حلب في (23 آب/ أغسطس 1516م)، وكان ذلك نهاية السلطة المملوكية باحتلال العثمانيين لمصر.

وفي نفس العام دخل “سليم الأول” بلاد الشام دون أدنى مقاومة وذلك لكره الشاميين للمماليك في ذاك الوقت من جهة، و خوفهم من العثمانيين من جهة أخرى.

وبعد موت “سليم” تولى السلطة ابنه “سليمان” (1520 -1566م) والذي لُقب بسليمان القانوني نظراً لكثرة القوانين التي أصدرها في شؤون تنظيم الدولة.

وفي عهده بلغت الإمبراطورية العثمانية مبلغها في الاتساع والازدهار، وامتدت على ثلاث قارات، كما ورثت الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية وأصبحت “اسطنبول” مركزاً للعالم الإسلامي وانبعاث الحضارة الإسلامية من جديد. ولكن بعد اكتشاف أمريكا ورأس الرجاء الصالح وبداية النهضة الأوروبية بدأ مركز القوة يتحول إلى الغرب.

ظاهر العمر الزيداني

وُلد ظاهر العمر في العقد الأخير من القرن السابع عشر، وبعد موت والده تولى جزءاً من التزام والده في قريتي عرابة والدامون بفلسطين، حيث كان يعمل “مقاطعجي” صغير في أعمال سنجق صفد، وبدأ ظاهر بتوسيع التزامه عبر التحالف مع القبائل البدوية، ودخل في صراعات حدودية وأصبح يعمل على تقوية جيشه وتحصين مناطق حكمه مستغلاً انشغال الأتراك بحروبهم مع روسيا، وكوّن قوة رادعة مركزية في فلسطين، وأخذ حيفا، ويافا، واللد ونابلس، وبعد فترة غير قليلة من حكمه والتي اكتنفها المناوشات والاقتتال ضعفت قوته وحاصره الأسطول العثماني وزحف ضده جيش كبير أنزل به ضربة قاصمة وقتل ظاهر العمر وانتهى حكمه وحكم الزيادنة لأن أبناءه لم يكونوا مؤهلين للحكم فأجهز عليهم “أحمد الجزار” “آغا”.

أحمد باشا الجزار

برز “الآغا أحمد” الملقب بالجزار على مسرح الأحداث في عكا وهو مملوكي بوسني الأصل. وتميز حكم الجزار الذي ولي على ولاية صيدا وعلى ولاية دمشق بشكل متقطع ما بين (1775م) وحتى وفاته في (1804م) بسيطرته على القوى المحلية في فلسطين وجبل لبنان وتحديه للعثمانيين وإدخال ولاية دمشق ضمن دائرة نفوذه.

حملة نابليون بونابرت (1798-1801م)

تعد حملة نابليون على مصر وبلاد الشام بداية الصراع الاستعماري الأوروبي لاحتلال أقطار الوطن العربي في أعقاب الثورة الصناعية في أوروبا. فقد توجه “نابليون بونابرت” بحملته إلى بلاد الشام بعد انتصاره على المماليك ودخوله القاهرة في (21 تموز/ يوليو 1798).

اقتصرت حملة نابليون بونابرت على فلسطين، ولم تتجاوز الشريط الساحلي منها سوى منطقة الناصرة – طبرية، حيث هزمت الجيش العثماني، وبدأت الحملة باحتلال منطقة قطبة على الحدود مع الشام في (23/12/1798م) في سيناء ثم قلعة العريش، وبعد ثلاثة شهور أخذت الحملة بالتراجع إلى مصر بعد فشلها في احتلال عكا في (20 آيار /مايو 1799م).

وفي (28 شباط/ فبراير) سار الجيش الفرنسي وفي طليعته “كليبر” باتجاه أسدود ثم إلى قرية يبنه والرملة ويافا، كما استولوا على حيفا بعد قتال شديد، ومن ثم توجه إلى عكا التي تتمتع بأسوار قوية وحصون متينة فلم يستطع أن يدخلها، ودارت معارك قوية، هاجم أهل عكا فيها الفرنسيون بمشاركة الإنجليز وبعض القوات العثمانية، وحاول نابليون اقتحام أسوار عكا سبع مرات باءت جميعها بالفشل، وسرعان ما دب الطاعون في الجيش الفرنسي بسبب كثرة القتلى من الطرفين.

وفي (10 أيار/ مايو) كتب نابليون إلى حكومة الإدارة في باريس بأن احتلال عكا لا يستحق كل هذه الخسائر، فقرر الانسحاب إلى مصر ومواصلة الهجوم عليها، وفي أثناء ذلك وصلت مراسلة من باريس تطلب من نابليون وجوب العودة إلى فرنسا، وكان قد  انسحب بعد حصار دام أربعة وستين يوماً في (20آيار/ مايو 1799م).

حملة محمد علي

بعد انسحاب نابليون، عاد الجزار وفرض سلطته على البلاد وازداد في تسلطه وبطشه وأثقل كاهل السكان بالضرائب لتعويض خسائره في الحروب، لكنه ما لبث أن تُوفي سنة (1804م)، وجاء بعده مملوكه سليمان باشا الذي لقب بالعادل، وتزامن حكمه مع حكم “محمد علي” في مصر و”محمود الثاني” في إسطنبول، حيث اتسمت فترة حكم “سليمان باشا” بالاستقرار وإعادة بناء البلاد، إلى أن جاء “إبراهيم باشا” (1819-1831م)، الذي عاد بدوره إلى سياسة الجزار مما أثار حفيظة الزعماء المحليين الذين قاموا بالتمرد مرات عديدة. 

في (29 تشرين الأول/ أكتوبر 1831م)، سيّر “محمد علي” جيشه إلى فلسطين بقيادة ابنه “إبراهيم باشا” الذي احتل غزة ويافا والقدس وحيفا والجليل دون أدنى مقاومة، وبعد حصار دام قرابة الستة أشهر سقطت عكا في يده في (28أيار/ مايو 1832م)، ومنها توجه إلى دمشق فدخلها في (14حزيران/ يونيو 1832م)، وفي تلك المعركة بالقرب من حمص هزم الجيش العثماني واستولى على حلب وحماة وأنطاكيا وبعد موقعة “بيلان” في (30 تموز/ يوليو 1832م) توغل في آسيا الصغرى وهزم العثمانيين مجدداً عند مدينة “قونيا” في (21 كانون أول/ ديسمبر 1832م) وأسر الصدر الأعظم (رئيس الوزراء)، وإزاء تلك الانتصارات توسطت الدول الأوروبية للصلح في معاهدة عرفت بمعاهدة “كوتاهية” في مايو (1833م)، والتي بموجبها اعترف السلطان محمود الثاني بحكم محمد علي الوراثي في مصر وبلاد الشام، إلا أن فترة الحكم المصري كانت قصيرة ولمدة تسعة أعوام فقط. فبعد الانسحاب المصري عادت بلاد الشام إلى الحكم العثماني بفضل تدخل الدول الأوروبية وفي مقدمتها بريطانيا، وهو ما أدى إلى ازدياد نفوذ الدول الأوروبية في البلاد بما فيها أراضي السلطة العثمانية، وساعد على ذلك الضعف العام الذي اعترى السلطة.

ويرجع سبب محاولة الدول الأوروبية التدخل في شؤون السلطنة وبلاد الشام تحديداً إلى المصالح الاقتصادية والإستراتيجية في الشرق، كما أنها وجدت في الأقليات الدينية وحقوقها المدنية الذريعة للتدخل في شؤون الحكم العثماني، وازداد عدد قناصل الدول الأوروبية في السلطنة واتسع نفوذهم، إذ طال التدخل في شؤون الحكم والإدارة والاقتصاد والمحاكم وشئون الرعايا، وبرز بينهم القنصل البريطاني “وودز” الذي تصرف كحاكم فعلي للبلاد تحت غطاء تنفيذ التنظيمات.

وعملت هذه الدول على تحريض فئات اجتماعية دينية وقومية على الحكومة المركزية وإثارة القلاقل ضدها في مناطق متعددة، وذلك بهدف إضعاف السلطة ومقاسمة مناطق النفوذ فيها.

من جهة أخرى قام قناصل هذه الدول بتبني قضايا الأقليات المسيحية، وتكفلوا بحمايتهم للجماعات اليهودية في القدس وغيرها ودعموا إقامة اليهود الأوائل المهاجرين إلى البلاد.

وازدادت البعثات التبشيرية بسرعة كبيرة وتركزت في مدينة القدس، ومع نهاية القرن التاسع عشر كان نسبة المبشرين إلى نسبة السكان في القدس أكبر من نسبتهم في أي مدينة أخرى بالعالم.

ولما بدا واضحاً زوال الإمبراطورية العثمانية أصبح كل طرف يسعى إلى تأمين موطئ قدم له للسيطرة على جزء من أراضي هذه الإمبراطورية عند تقسيمها.

الاستيطان الصهيوني في فلسطين

خلال تلك الفترة من القرن التاسع عشر ظهر في بلاد الشام ومن ضمنها فلسطين ما يسمى بالوعي القومي بمفهومه الحديث، وتبلورت ركائزه في أوروبا بالتوازي مع تطور مراحل الرأسمالية هناك، ونتيجة  لتبلور الوعي القومي وكذلك اليقظة الفكرية والثقافية في الوطن العربي التي تناضل من أجل الوحدة والاستقلال والتحكم بالموارد الاقتصادية، برز شعور عام بالتصدي لكل القوى الدخيلة والغريبة على الشعب العربي الواحد، لذلك كان هناك يقظة قومية تنادي بالتصدي للاستيطان الصهيوني في فلسطين ومقاومته منذ بداياته، ولكن هذه الجهود لم تترجم نفسها في إطار مؤسسي يقوم على مبادئ منهجية مبرمجة، بعكس الحركة الصهيونية التي ما لبثت بعد مؤتمر”بازل” بسويسرا عام (1897م) أن تقوم بصياغة مؤسساتها بالشكل الذي يحقق أهدافها.

ومن الملاحظ في فترة الحكم العثماني أن السلطة العثمانية لم تعارض إقامة اليهود في أراضيها ولكنها كانت تعارض هجرتهم إليها من الدول الأخرى والتوجه إلى فلسطين تحديداً، فمنذ البداية أصدر “الباب العالي” التعليمات إلى قناصله بإبلاغ اليهود الراغبين في الهجرة إلى فلسطين، بعدم السماح لهم بالاستيطان في فلسطين كأجانب، وأن عليهم اكتساب الجنسية العثمانية والالتزام بالقوانين السارية في الولايات التي يرغبون الإقامة فيها، لكن وبرغم الموقف الرسمي للحكومة العثمانية كان هناك ازدياد ملحوظ للنشاط الاستيطاني اليهودي في فلسطين بطرق ملتوية من خلال دعم القناصل الأجانب لهم، ولم يتوان اليهود يوماً عن محاولات شراء الأراضي وإقامة المستوطنات عليها. ويذكر التاريخ أنه مع تكثيف حركة الاستيطان الصهيوني ومحاولة الاستيلاء على الأراضي بكافة الطرق والوسائل غير المشروعة بدأت حركة المقاومة العربية تزداد، لاسيما من قبل الفلاحين والبدو المحاربين لتلك المستوطنات الناشئة على أراضيهم والتي تم طردهم منها، وازدادت هذه المقاومة حيث عمّت معظم القرى والمدن، وتم نقل معارضة الشعب للاستيطان اليهودي إلى البرلمان التركي من خلال الزعماء الفلسطينيين، وكان هناك هجمة شديدة من قبل المعارضة لعدم وضع حد لتلك الممارسات، ورغم ذلك ازداد نشاط القوى السياسية الصهيونية وتعزز الاستيطان الصهيوني خلال “الهجرة الثانية” خلال الفترة (1904-1914م)، وساعد على ذلك فساد جهاز الدولة العثماني في ذلك الوقت وتواطؤ بعض العثمانيين مع الحركة الصهيونية، ونشاطات قناصل الدول الأجنبية لصالحها.

الانتداب البريطاني

برزت الحركة الصهيونية التي انتشرت بين يهود أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ولفظ “الصهيونية ” مشتق من كلمة “تسيون” العبرية، وهي اسم لجبل يقع جنوبي غربي القدس “جبل صهيون” يحج إليه اليهود لاعتقادهم أن الملك داوود دفن هناك.

من المعروف أن اليهود في تلك الفترة وما قبلها كانوا عبارة عن تجمعات يهودية منتشرة في أنحاء العالم، وهي تجمعات لا تجمعها أي روابط سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو تراثية سوى الرابطة الدينية، ويرجع ذلك إلى ذوبان هذه التجمعات في المجتمعات التي كانت تعيش فيها، وكذلك فإن الدعوى الصهيونية بوجود “قومية يهودية” لا تعدو كونها بدعة مختلقة لأن هذه التجمعات كانت تفتقر إلى عناصر القومية مثل الشعب الموحد، والرقعة الإقليمية من الأرض التي يقيم عليها واللغة والعادات والتقاليد المشتركة.

وعد بلفور

نضجت الفكرة الصهيونية في المناخ الحضاري الأوروبي منذ القرن السادس عشر الميلادي، وترعرعت في الأجواء السياسية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر (أجواء الإمبريالية) وتحديداً بعد عام (1870م). وقامت الفكرة الصهيونية على أساس إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بعد أن تمت الصفقة بين الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني على أساس “وعد بلفور” الشهير في 2 تشرين ثاني/ نوفمبر عام (1917م) والذي جاء نصه:

“وزارة الخارجية

2 تشرين الثاني/ نوفمبر(1917م)

عزيزي اللورد روتشيلد:

يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود الصهيونية وقد عرض على الوزارة وأقرته.

إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتي بعمل من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا بالحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلاد الأخرى.

وسأكون شاكراً لو تكرمتم بإحاطة الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جميس بلفور”

ويوضح هذا التصريح التزام الحكومة البريطانية آنذاك بدعم المطامع الصهيونية في أرض فلسطين العربية ضد إرادة أصحابها الشرعيين، وكان هذا التصريح يمثّل إعطاء حق من كان لا يملك لمن لا يستحق.

وعندما نجحت الجيوش البريطانية بدخول البلاد من خلال اللجوء إلى الخدعة، استُقبلت استقبالاً حاراً بوصفها محرِرة لا محتلة، وبعد وصول اللجنة الصهيونية شعر العرب بنذر الخطر، وكانت الحكومة البريطانية قد وافقت على إرسالها لفلسطين على أساس “أن تنجز أي خطوات تستدعيها مقتضيات تنفيذ تصريح الحكومة بشأن إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، ضمن الخضوع لسلطة الجنرال البريطاني أللنبي، وفي نفس الوقت تهدئة شكوك العرب بشأن النوايا الحقيقية للصهيونية”.

وكذلك عملت الإدارة العسكرية المحتلة على تهيئة فلسطين بالتدريج لتصبح وطناً قومياً للصهيونيين بكافة الوسائل والأساليب الممكنة.

إن ما حدث في فلسطين بعد قدوم اللجنة الصهيونية يعتبر أمراً لا يحتمل التصديق وذلك بالعمل على إنشاء وطن قومي لليهود في بلد يتجاوز سكانه 92% من العرب الفلسطينيين.

1923-1948م: الانتداب البريطاني على فلسطين

في بداية هذه الفترة تناولت بريطانيا صك الانتداب الفلسطيني لإدارة البلاد وفقاً لميثاق عصبة الأمم، في حين لم تكن بريطانيا بحاجة إلى البدء بتنفيذ بنود هذا الصك لأنها عملياً كانت قد باشرت سلطاتها على فلسطين قبل ذلك، بسنوات طبقاً لسياستها الاستعمارية الصهيونية المعتمدة بشكل رئيسي على الإكراه وقوة السلاح حتى عام 1948م.

وخلال هذه الفترة لم تتقدم المؤسسات في البلاد، وبذلك توجب على العرب الفلسطينيين أن يرفعوا بشكواهم إلى لجنة الانتدابات الدائمة في جنيف التابعة لعصبة الأمم، ولكن اللجنة لم تكن تملك حق التفتيش والمتابعة في البلدان المنتدبة، فما كان من المواطنين العرب على مدار فترة الانتداب إلا الاحتجاج والمقاومة وإقامة المظاهرات والتمرد والعصيان المدني والذي أدى إلى صدام عنيف مع قوات الجيش البريطاني والمستوطنين اليهود.

وفي عام (1924م) وضع المندوب السامي “هربرت صموئيل” مشروع نقد فلسطيني جديد، وصدر مرسوم النقد الفلسطيني في شباط/ فبراير (1927م) وسط اتهامات الشعب بأن الحكومة لا تستطيع أن تصدر منه ما تشاء دون مراقبة، لأن ذلك سيلحق الضرر بالاقتصاد العربي، كما أتت جهود المندوب السامي ثمارها في إصدار قانون الجنسية الفلسطينية بقصد منح اليهود المقيمين في البلاد الجنسية الفلسطينية.

وأجابت الحكومة البريطانية وخلال دورتين متتابعتين لاجتماع عصبة الأمم (1924-1925م) صراحة بأنها لا توافق على تأسيس مجلسٍ تشريعي في فلسطين يقوم على أساس التمثيل النسبي، والذي من الطبيعي أن تكون الأغلبية الساحقة فيه للعرب الفلسطينيين، خاصةً أن ذلك يقف عقبة في قيام الحكومة بالواجبات الملقاة على عاتقها في إنشاء وطن قومي لليهود.

بعد نهاية فترة المندوب السامي “هربرت صموئيل”، عين اللورد “هربرت تشارلز بلومر” مندوباً سامياً لفلسطين في (25آب/ أغسطس 1925م)، وبقي في منصبه ثلاثة أعوام.

وفي آذار/ مارس (1925م) قام “بلفور” بزيارة للقدس للمشاركة في افتتاح الجامعة العبرية التي شيدت على أرض عربية فوق جبل الزيتون كانت السلطات البريطانية قد انتزعتها عام(1918م) من أصحابها بالقوة وأعطيت للصهيونيين، وأعلنت البلاد إضراباً عاماً احتجاجاً على زيارة بلفور، فقامت هناك مظاهرات كبيرة ضده، وهو ما حمل السلطات البريطانية على إخراجه إلى بيروت حيث ركب الباخرة ليعود إلى بلاده.

وخلال العشر سنوات الأولى من الانتداب البريطاني دخل فلسطين، ما يقارب (76400) مهاجر يهودي جاء غالبيتهم من بلدان أوروبا الشرقية، ومع نشاط الهجرة المتزايد إلى فلسطين أدرك العرب ضرورة مقاومة الصهيونية وتحيز السلطات لها، فتفجرت الثورة التي كان شرارتها هي حادثة البراق في (24 أيلول/ سبتمبر 1928م)، حيث حاول اليهود الاستيلاء على الجدار الغربي للمسجد الأقصى الذي يملكه المسلمون، وهو ما أسفر عن حشد التأييد العربي للقضية الفلسطينية من الأقطار العربية، وكانت بداية ما عُرف بثورة البراق التي شهدت أحداث دامية كان على أثرها مداهمة العرب للتجمعات اليهودية في الخليل ونابلس وبيسان وصفد، وحينها هبت القوات البريطانية للدفاع عن اليهود، مستخدمةً أقصى درجات القمع ضد المتظاهرين العرب، واستنجدت بقوات من مصر واستخدمت الطائرات وقوات المشاة والمدرعات إضافةً لإطلاق النار المباشر، وألحقت الدمار بقريتي لفتا ودير ياسين وغيرهما، وقدم للمحاكمة ما يزيد على الألف شخص معظمهم من العرب، كما صدر الحكم بإعدام (26) شخصاً بينهم (25) عربياً ويهودي واحد.

وفي عام (1930م) وصل عدد المهاجرين اليهود إلى (104.750)، ووصل خلال الستة أعوام التالية إلى (284.645) أي بزيادة تعادل (164 %)، وهذه الأرقام لا تتضمن الأعداد التي دخلت البلاد بطرق غير شرعية.

في ليلة الإسراء والمعراج بتاريخ (27 رجب 1350هـ) الموافق (7كانون أول/ ديسمبر 1931م) عقد مؤتمر إسلامي حضره ممثلون عن اثنين وعشرين بلداً إسلامياً، ولفيف من الشخصيات البارزة في العالم العربي، وخلال افتتاحية المؤتمر أكد المفتي “محمد أمين الحسيني” على أهمية فلسطين والأقصى في العالم الإسلامي كما أكد المؤتمر شجبه للصهيونية و السياسة البريطانية في فلسطين والهجرة اليهودية إليها، وكان من قرارات المؤتمر إنشاء جامعة إسلامية في القدس ومقاطعة جميع المصنوعات الصهيونية في الأقطار الإسلامية وتأسيس شركة زراعية في فلسطين لإنقاذ أراضي المسلمين.

في (13 تموز/ يوليو 1931م) صدر بلاغ رسمي بتعيين الجنرال “آرثر غرنفيل” (واكهوب) مندوباً سامياً لفلسطين، ووصل (واكهوب) إلى فلسطين يحمل تعليمات بوجوب تعزيز مسألة الوطن القومي لليهود والعمل بأسلوب التسويف والمماطلة مع طلبات العرب، والوصول إلى أكثرية سكانية يهودية في فلسطين مع طرح بعض المشاريع الوهمية لإشغال العرب بها.

في (4 آب/ أغسطس 1932م) صدر بيان تأسيس حزب الاستقلال الذي تعهد بالكفاح ضد الاستعمار ومحاربة الهجرة اليهودية والعمل على تحقيق الوحدة العربية، وكرر الاستقلاليون رفضهم لوعد بلفور والانتداب، وكشفوا عن أساس التحالف القائم بين الصهيونية والاستعمار البريطاني، وأكدوا على أن ثلث ميزانية البلاد مخصص لشؤون الدفاع والأمن بسبب محاولة الحكومة بناء وطن قومي أجنبي خلافاً لإرادة الفلسطينيين. وفي مطلع (1932م) عقد مؤتمر للشباب الفلسطيني في يافا للنظر في تجنيد الشباب لخدمة الحركة الوطنية.

في نهاية العام (1934م) باعتراف لجنة “بل” بلغ عدد المهاجرين اليهود نحو (42.359) مقابل (30327) عام (1933م) و(9553) عام (1932م). وفي نهاية عام (1935م) بلغ رقم الهجرة اليهودية (61854) يهودياً وفدوا إلى فلسطين من شتى أرجاء أوروبا، كما دلت الإحصائيات الرسمية على أنه بحلول عام (1935م) أصبح عدد اليهود في فلسطين ضعفي ما كان في (1929م) بحيث غدا اليهود يمثلون ربع جملة السكان.

ثورة الشيخ عز الدين القسام

أيقن الانتداب البريطاني خطورة الموقف في فلسطين بعدما شهدت البلاد ثورة الشيخ عز الدين القسام الذي كان قد وهب نفسه هو وثلة من المجاهدين للدفاع عن أرض فلسطين، حيث استشهد في أحراش يعبد قرب جنين بعد صدامه في موقعة عسكرية مع جنود من جيش الانتداب، وبعد هذه الحادثة مباشرة أوعزت بريطانيا إلى مندوبها السامي “واكهوب” بعد شهر واحد من استشهاد القسام ليقوم بطرح مشروع المجلس التشريعي على العرب واليهود جواباً على المطالب التي قدمتها لجنة الأحزاب الفلسطينية في تشرين الثاني/ نوفمبر والذي جاء فيه:

  1. إن عرض الحكومة في كانون الأول/ ديسمبر (1935م) لمشروع دستور جديد كان يمثل خطوة عملية نحو الحكم الديمقراطي حين اقترح مجلساً تشريعياً بغالبية غير رسمية كبيرة.
  2. بخصوص بيع الأراضي: عزمت الحكومة على سن قانون يمنع بيع الأراضي إلا إذا كان المالك العربي قد احتفظ بقطعة من الأرض تكفي احتياجات أسرة.
  3. جرى قياس لمعدل الهجرة اليهودية بعناية وفقاً لمقدرة البلاد الاستيعابية، وقد أنشئ مكتب إحصائي جديد لتقدير هذا المعدل.

ثورة (1936م) الكبرى ومشروع التقسيم

انطلقت الثورة في شباط /فبراير (1936م) من حادثة صغيرة وكانت الشرارة التي ألهبت مشاعر العرب الفلسطينيين، حيث عبرت عن عدم القدرة على احتمال المزيد، فبدأت هذه الثورة عندما رفض مقاول بناء يهودي تشغيل أي عامل عربي في بناء ثلاث مدارس في يافا كان قد تعاقد على بناءها مع الحكومة، وتجمع على أثر ذلك العمال العرب في موقع المدرسة ومنعوا العمال اليهود من الوصول إليه، وفي (15) نيسان/ إبريل قتل يهودي وأصيب آخر بجراح خطيرة، ورد اليهود على ذلك بذبح قرويين عرب داخل بيوتهم فكانت تلك البداية، حيث تصاعدت أعمال العنف واشتد التوتر في شتى أنحاء فلسطين صاحبه وقوع العديد من القتلى والجرحى بين الجانبين، وبسبب تصدي الجيش البريطاني للمظاهرات العربية، حيث أردي العديد من القتلى في صفوف  العرب وكذلك الجرحى وأعلن الإضراب العام في جميع أنحاء فلسطين، وازدادت حركة المقاومة الشعبية، حيث أخذت شكل جماعات وتمركزت في الجبال وانضم لهم العديد من المتطوعين العرب شرقي الأردن وسوريا ولبنان والعراق، وتحولت مجموعات المقاومة إلى ثورة شعبية مسلحة تساندها كافة فئات الشعب، واتخذت الثورة أساليب متنوعة مثل تدمير الجسور ونسف السكك الحديدية وتدمير أنابيب النفط ومهاجمة الثكنات العسكرية وضرب مواقع الجيش البريطاني، كما استخدم البريطانيون الطائرات والمدرعات والمدفعية في كثير من الأحيان للتصدي وقمع تلك الثورة، مما زاد من ثورة الشعب.

وفي غضون ذلك كان هناك بعض المساعي العربية للوساطة بين اللجنة العربية العليا والحكومة البريطانية حيث صدر نداء مشترك عن الملك بن سعود والملك غازي والأمير عبد الله في (10 تشرين الأول/ أكتوبر) إلى رئيس اللجنة العربية وإلى عرب فلسطين جاء فيه: “لقد تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع أخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله، ندعوكم للخلود إلى السكينة حقنا للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل  وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم”.

وبناء على ذلك أعلنت اللجنة العربية العليا حل الإضراب ودعت عموم الشعب إلى إقامة الصلاة على أرواح الشهداء الذين زاد عددهم على الألف عربي.

مشروع التقسيم

نشرت اللجنة الملكية في (7 تموز/ يوليو 1937م)، والتي كان يرأسها اللورد “بل” تقريراً تناول عرض وجهة نظر كل من زعماء العرب واليهود وأوصت اللجنة بأنه لا يمكن حل مشكلة فلسطين إلى على أساس اقتراح مشروع تقسيم فلسطين، وأهم بنود مشروع التقسيم هي:

  1. إنشاء دولة يهودية تقسم القسم الشمالي والغربي من فلسطين، وتمتد على الساحل من حدود لبنان إلى جنوبي يافا، وتشمل عكا وحيفا وصفد وطبرية والناصرة وتل أبيب وترتبط بمعاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا.
  2. تقع الأماكن المقدسة تحت الانتداب البريطاني بما فيها (القدس وبيت لحم) يصلهما ممر بيافا وتشمل اللد والرملة والناصرة أيضاً ودولة الانتداب مكلفة بحماية هذه الأماكن.
  3. تضم الأراضي الفلسطينية (القسم الجنوبي والشرقي من فلسطين) ومنها مدينة يافا إلى شرق الأردن وترتبط بمعاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا.
  4. تدفع الدولة اليهودية مساعدة مالية للدولة العربية وتمنح بريطانيا مليوني جنيه إسترليني للدولة العربية.
  5. يجري ما يسمى بتبادل السكان بين الدولتين العربية واليهودية، وينقل العرب من الدولة اليهودية إلى الدولة العربية وعددهم (325) ألفاً بشكل تدريجي وتهيئ لهم أرض في منطقة بئر السبع بعد تحقيق مشاريع الري.
  6. تعقد معاهدة جمركية بين الدولتين لتوحيد الضرائب بينهما على أكبر كمية ممكنة من البضائع المستوردة.

وفي مجال الاستيطان اليهودي وصل مجموع ما حصلت عليه مؤسسات وأفراد الصهيونية عام (1936م) إلى حوالي مليون ومئتي ألف دونم من الأراضي، وتضاعف عدد المستوطنات بحيث قدر عددها (203) مستوطنة، وتضاعف عدد السكان من (30 ألفاً) في عام (1927م) إلى (98 ألفاً) في عام (1936م).

وكان الرد العربي الفلسطيني على قرار التقسيم هو الاستمرار في الثورة ما حدا بتأجيل طرح قرار التقسيم، وبقيت الثورة مشتعلة حتى نشوب الحرب العالمية الثانية.

وفي (23 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1938م) ألقى “مالكوم مكدونالد” وزير المستعمرات البريطاني بياناً هاماً في مجلس العموم شرح فيه الوضع القائم في فلسطين، ودل البيان على تفهمه لموقف العرب وسلامة وجهة نظرهم قائلاً: “إن مسائلة اللاجئين في أوروبا الوسطى لا يمكن تسويتها على حساب فلسطين، بل يجب أن تحل في ميدان أوسع كثيراً من ذلك الميدان”، مستطرداً: “إن الشعب العربي عاش في تلك البلاد منذ قرون عديدة، ولم يؤخذ رأيه عندما صدر وعد بلفور ولا عندما وضعت صيغة صك الانتداب، وقد كان العرب خلال السنوات العشرين التي تلت الحرب يرقبون هذا الاجتياح السلمي الذي يقوم به شعب غريب، ويرفعون عقيدتهم بالاحتجاج الصارخ بين الحين والآخر، حتى أصبحوا يخشون أن يؤول مصيرهم في بلادهم إلى الخضوع لسيطرة هذا الشعب الجديد النشيط من النواحي الاقتصادية والسياسية والتجارية، فلو كنت أنا عربياً لتولاني الذعر أيضاً”.

وبعد هذا البيان تم الإفراج عن المعتقلين في (27 كانون أول/ ديسمبر 1938م)، ليتاح لفلسطين والعرب المشاركة في مؤتمر لندن القادم. وفي غضون ذلك توجه إلى المؤتمر بعض الوفود العربية من مصر والعراق والسعودية واليمن وشرق الأردن.

في (7 شباط/ فبراير 1939م) افتتح مؤتمر المائدة المستديرة الذي انتهى معلناً راية الفشل. وفي (17 أيار/ مايو 1939م) أصدرت الحكومة البريطانية ما عرف بالكتاب الأبيض، وجاء فيه:

1- الدستور:

وجاء في البند العاشر منه إن الهدف الذي ترمي إليه حكومة جلالته هو أن تشكل خلال عشر سنوات حكومة فلسطينية مستقلة ترتبط مع المملكة المتحدة بمعاهدة. 

2- الهجرة:

إن على حكومة جلالته أن تسمح بزيادة توسع الوطن القومي اليهودي عن طريق الهجرة إذا كان العرب على استعداد  للقبول بتلك الهجرة، ولكن ليس بدون ذلك.

3- الأراضي:

جاء في البند (16) من الكتاب الأبيض تقسم البلاد مناطق يمنع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود في قسم منها ويحدد في قسم، ويطلق في قسم ثالث.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية رأت الصهيونية العالمية في بريطانيا تلك الدولة المنهكة القوى، ومن جهة أخرى وجدت أن لها وزنها العالمي في الولايات المتحدة التي احتفظت بقوتها والتي لها مصالحها في الشرق الأوسط، فما كان من الصهيونية العالمية إلا أن ضاعفت من نشاطها السياسي في الأوساط الأمريكية العليا على اعتبار أنها الوحيدة التي بمقدورها ممارسة الضغط على الحكومة البريطانية للتسليم بمطالب الصهيونية، واعتمدت في تنفيذ ذلك عدة وسائل أهمها الوسيلة الدبلوماسية، وكانت على شكل ضغوط مستمرة من قبل الوكالة اليهودية في بريطانيا، والثانية تنفيذ الإستراتيجية الموضوعة على أساس الضغط الأمريكي على الحكومة البريطانية، ومن جهة ثالثة تشكيل ضغط بطرق إرهابية من خلال القيام بتصعيد عمليات إرهابية وتدبير ضربات موجعة لإدارة الانتداب.

وبالفعل هذا ما كان من مؤسسات الصهيونية والوكالة اليهودية حيث دأبوا بالعمل الفاعل والناشط في تنفيذ ما يصبوا إليه وعملوا على كسب ميول القيادات الأمريكية ولا سيما الرئيس الأمريكي “هاري ترومان” الذي ما أن استقر في البيت الأبيض حتى وجه رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني “تشرشل” في (24 تموز/ يوليو 1945م)، كما طلب من رئيس الوزراء البريطاني الجديد “أتلي” في رسالة وجهها له في (31 آب/ أغسطس 1945م) بإدخال مئة ألف يهودي إلى فلسطين.

ورداً على الرسائل والاهتمام الأمريكي المتزايد باليهود اقترحت بريطانيا على الولايات المتحدة الأمريكية في (19 تشرين الأول/ أكتوبر 1945م) أن تشاركها في مسؤولية رسم سياسة فلسطين عن طريق تشكيل لجنة تحقيق أنجلوـ أمريكية لدراسة مشكلة فلسطين.

قرار التقسيم

في أيلول/ سبتمبر (1947م) شكلت لجنة في الأمم المتحدة بناء على طلب من الحكومة البريطانية وأطلق عليها لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين “انسكوب” “UNSCOP”

UNITED NATION SPECIAL COMMITTEE ON PALESTINE.

وتكونت اللجنة من أحد عشر عضواً بعد أن تم استبعاد الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن بحجة أن اشتراكها قد يفضي إلى وضع تقرير متحيز، وتم اختيار الأحد عشر عضواً من دول استراليا والسويد وكندا والهند وتشيكوسلوفاكيا وإيران وهولندا وجواتيمالا وبيرو والأورغواي ويوغسلافيا، وعيّن القاضي “أميل ساندوستروم” السويدي رئيساً للجنة، على أن تقدم تقريرها في أيلول/ سبتمبر ويكون التقرير شاملاً لحل المشكلة بما تراه اللجنة من مقترحات.

واحتج العرب على إرسال لجنة أخرى إلى فلسطين وتم التصويت ضد القرار وكان تشكيل اللجنة في حد ذاته يمثل تحيزاً ضد العرب، لأن بعض أعضائها معروفون بميولهم للصهيونية أو يقعون تحت الضغط الأمريكي.

أنهت اللجنة تقريرها في (31آب/ أغسطس 1947م) وعرضته على الجمعية العامة للأمم المتحدة وكان التقرير قد اشتمل على إحدى عشرة توصية.

ويدعو قرار التقسيم إلى:

– تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية وجزء منها تحت الوصاية الدولية تتولى إدارته الأمم المتحدة، بحيث يكون ما يقارب 56% منها لليهود.

– تصبح الدولتان مستقلتان بعد فترة انتقالية تدوم سنتين، ابتداء من أول أيلول/ سبتمبر (1947م) والموافقة على دستور كل منهما وتوقيع معاهدة اقتصادية وإقامة اتحاد اقتصادي وتوحيد الرسوم الجمركية والنقد.

– كما نص قرار التقسيم على تنظيم الهجرة اليهودية.

وبعد عرض تلك التوصيات كانت الهيئة العربية العليا قد أعلنت رفضها لتلك المشاريع، وفي اليوم التالي من نشر التقرير عبرت “غولدا مايرسون مائير” ممثلة الوكالة اليهودية عن قبولها الضمني بمشروع الأكثرية.

فيما عبّر العرب عامة وعرب فلسطين خاصة عن استيائهم الشديد من هذا المشروع، وكان الاستياء العام قد عبرت عنه الشعوب العربية بكاملها حيث قامت المظاهرات في العراق وسوريا ولبنان ومعظم الأقطار العربية. وعلى أثر ذلك سارعت اللجنة السياسية في جامعة الدول العربية إلى عقد اجتماع لها في صوفر بلبنان في 6 أيلول/ سبتمبر لدراسة محتوى تقرير اللجنة واتخاذ موقف سياسي عربي موحد، وعلى غرار الاجتماع تم اتخاذ القرارات التالية:

1- ترى اللجنة السياسية في تنفيذ هذه المقترحات خطراً محققاً يهدد الأمن والسلام في فلسطين والبلاد العربية، ولذا فقد وطدت العزم على أن تقاوم بجميع الوسائل الفعالة تنفيذ هذه المقترحات.

2- ترى اللجنة السياسية أن تكاشف الشعوب العربية جميعاً بحقيقة المخاطر التي تحيط بقضية فلسطين، وتدعو كل عربي إلى تقديم ما في وسعه من معونة وتضحية.

3- قررت اللجنة السياسية إرسال المذكرات إلى حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا، تعلمها بأن كل قرار يتخذ بصدد قضية فلسطين دون أن ينص على قيام دولة عربية مستقلة يهدد بإثارة اضطرابات خطيرة في الشرق الأوسط.

4- قررت اللجنة أن توصي دول الجامعة بتقديم أقصى ما يمكن من معونة عاجلة لأهل فلسطين من مال وسلاح ورجال.

وعلى أثر قرار التقسيم قام عرب فلسطين بمقاومة الاستيطان الصهيوني بدعم عربي، وكانت هذه المقاومة قد اتسعت وشملت جميع أنحاء البلاد، وقامت معارك طاحنة استخدمت فيها كافة الأسلحة وراح ضحيتها العديد من القتلى والجرحى.

وبسبب هذه الاضطرابات الخطيرة انعقد مجلس الأمن الدولي في 19 آذار/ مارس للنظر في الحالة الخطيرة التي آلت إليها الأوضاع في فلسطين، اتضح أنه وإزاء هذه الأوضاع لا يمكن العمل على تنفيذ مشروع التقسيم بالطرق السلمية، ويجب أن يتم تنفيذ المشروع، وهنا قرر اليهود إحباط كل محاولة يقوم بها مجلس الأمن قد تبطل مفعول قرار التقسيم ولوضع الأمم المتحدة أمام الأمر الواقع بدأ اليهود هجومهم المسلح  في عملية “نخشون” ونجم عنها الاستيلاء على قرية القسطل العربية قضاء القدس.

وفي 9 نيسان/ ابريل استطاع عبد القادر الحسيني والمجاهدين معه في معركة حربية قوية طرد اليهود من القسطل، حيث سقط شهيداً فيها، فعاد اليهود بعد ساعات مستغلين تشييع المواطنين والمجاهدين لزعيمهم واحتلوا القرية بعد أن دمروها كاملة. وفي نفس الوقت وكجزء من خطة الهجوم بادر الصهاينة إلى تدبير مذبحة “دير ياسين” الواقعة قرب القدس، حيث اقتحموا القرية بالأسلحة الثقيلة ومثّلوا بأهلها فراح ضحية هذه المجزرة (250) فلسطينياً أغلبهم من النساء والأطفال، ووصف الكاتب اليهودي “جون كيمي” هذه المذبحة المريعة بأنها “أبشع وصمة في تاريخ اليهود”.

كان الانجليز عوناً لليهود في تحقيق مآربهم، حيث قاموا بتدريبهم خلال فترة الانتداب ومدهم بالسلاح، وكلما انسحبوا من منطقة في عام (1948م) سلموها إلى اليهود. وانتهت هذه الفترة من عام (1948م) والتي سميت بنكبة عام (1948م) باحتلال اليهود لمعظم أراضي فلسطين وتهجير مواطنيها باستثناء غزة والضفة الغربية ومدينة القدس الشرقية.

في غضون ذلك كان البيت الأبيض قد استدعى ممثل الوكالة اليهودية في واشنطن “إلياهو ايشتاين”، وتم إبلاغه بأن الولايات المتحدة قررت أن تعترف اعترافاً واقعياً باستقلال إسرائيل شرط أن تتلقى واشنطن طلباً بهذا الاعتراف. وفي الساعة السادسة تماماً حسب توقيت واشنطن أعلن نبأ نهاية الانتداب على فلسطين، وفي الساعة السادسة ودقيقة واحدة أُعلن قيام دولة إسرائيل. وفي الساعة السادسة وأحدى عشرة دقيقة اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بدولة إسرائيل.

نكبة عام 1948م

بعد انتهاء نكبة (1948م) والإعلان عن قيام إسرائيل في (15آيار/مايو 1948م) والتي على أثرها وقعت معظم المناطق الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية باستثناء بعض المناطق التي بقيت محتفظة بهويتها الفلسطينية إذ أطلق عليها مصطلح “الضفة الغربية” و”قطاع غزة” و”القدس الشرقية – منطقة الأماكن المقدسة”، كما تسببت هذه الحروب بطرد نحو مليون فلسطيني ليعيشوا لاجئين في البلدان العربية المجاورة، كما كان لهذه الحروب أثارها الاجتماعية على المجتمع الفلسطيني حيث أدت إلى تمزيقه وتقطيع أوصاله.

في (30 أيلول/ سبتمبر 1948م) تأسست حكومة عموم فلسطين بمبادرة من الهيئة العربية العليا برئاسة أحمد حلمي باشا والتي لم يكن لها تأثير يذكر.

وفي الأول من تشرين الأول/ أكتوبر (1948م) عقد في الأردن “مؤتمر عمان الأول ” وتم فيه إصدار قرارات تمنح الملك عبد الله حق تمثيل الشعب الفلسطيني والتحدث باسمه وتبعه “مؤتمر أريحا ” الذي انعقد في الأول من كانون الأول/ ديسمبر (1948م) والذي مهد الطريق أمامه ضم الضفة الغربية إلى الأردن.

وفي غضون تلك الفترة ظلت الحياة السياسية راكدة معطلة إلى أن وقع الاحتلال الإسرائيلي الأول لقطاع غزة عام (1956م) وأدى إلى انبعاث المقاومة من جديد والتي كان قد سبقها عمليات فدائية بقيادة ضباط مصريين، ولعل أهم النشاطات الفلسطينية التي اكتنفت تلك الفترة هي بروز بعض المؤسسات والتنظيمات والحركات السياسية التي تنادي باسترجاع الأراضي الفلسطينية ومقاومة الاحتلال الصهيوني ما بين تلك الفترة منذ عام (1956م) وحتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية، ومن هذه المؤسسات:

– الاتحاد العام لطلبة فلسطين عام (1959م).

– حركة الأرض عام (1948م).

– الاتحاد القومي العربي عام (1958م).

كما كانت في تلك الفترة بعض الحركات والأحزاب العربية التي كان لها امتداد في الأراضي الفلسطينية وعملت على دعم ومساندة الفلسطينيين في قضيتهم ومنها حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب.

تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية

بعد كل الظروف التي أحاطت بالقضية الفلسطينية عبر الحقب التاريخية المختلفة، وفي ظل الضعف العربي وإخفاقه في دحر الخطر الصهيوني عن فلسطين والأراضي العربية، كانت هناك نداءات تطالب الفلسطينيين بتحمل مسؤولياتهم إزاء هذا الخطر الداهم، وبات الفلسطينيون بحاجة إلى مؤسسة تمثلهم وتدير شئونهم في مواجهة هذا الإعصار الخبيث الذي يهدد باجتثاثهم.

وبناء على قرار صدر عن مؤتمر القمة العربي المنعقد في القاهرة بدعوة من الرئيس جمال عبد الناصر ما بين (13-16 كانون ثاني/ يناير 1964م) والقاضي بضرورة إنشاء كيان فلسطيني، بادر أحمد الشقيري، وكان من الشخصيات الوطنية البارزة، إلى بلورة أفكار تتصل بإقامة كيان فلسطيني من خلال الدعوة إلى عقد اجتماعات تمهيدية في الأقطار التي تضم تجمعات فلسطينية لاختيار ممثليهم إلى المجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي عقد في القدس في الثامن والعشرين من أيار/ مايو (1964م) وإقامة منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي (28 أيار/ مايو 1964م) انعقد المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول في القدس برعاية الملك حسين ومشاركة كل الدول العربية على مستوى وزراء خارجية باستثناء المملكة العربية السعودية، وقد أقر المؤتمر “الميثاق الوطني الفلسطيني” والنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي ختام أعماله أعلن احمد الشقيري يوم 2 حزيران/ يونيو 1964م ولادة منظمة التحرير الفلسطينية (ممثلة للشعب الفلسطيني وقائدة لكفاحه من أجل تحرير وطنه).

وعملت منظمة التحرير الفلسطينية على إنشاء بعض المؤسسات التابعة لها مثل جيش التحرير الفلسطيني، والإذاعة، ومركز الأبحاث، ومكاتب في معظم بلدان العالم، والاتحادات الشعبية الفلسطينية، والمجلس الوطني الفلسطيني.

كذا تأسست منظمة التحرير الفلسطينية بحس وطني يقوم على فكرة التحرير والمقاومة الوطنية تحت عملية متكاملة تشمل جميع وسائل النضال ونهوض في الجانبين العسكري والمدني، وانطلقت المنظمة نحو تحقيق أهدافها عبر كل الوسائل والدعم المتاحين.

منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام (1967م)

حدثت تطورات مهمة على الساحة الفلسطينية خلال الفترة الواقعة بين الدورتين الثالثة والرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني، ففي هذه الفترة تم إقصاء الشقيري عن رئاسة المنظمة في نهاية العام (1967م) ليتولى يحيى حمودة رئاسة المنظمة بالوكالة، ومن ثم بدأت المنظمة بتكثيف اتصالاتها مع المنظمات الفدائية بهدف دمجها تحت رايتها.

حرب حزيران / 1967

تاريخ فلسطين القديم والحديث 1

حرب 1967م، المعروفة بـ”نكسة حزيران”، أو “حرب الأيام الستة”، هي صدامات عسكرية وقعت بين إسرائيل وكل من: مصر، وسوريا، والأردن.  وبمساعدة لوجستية من: لبنان، والعراق، والجزائر، والسعودية، والكويت؛ في الفترة الواقعة بين الخامس من حزيران والعاشر منه عام 1967م؛ ونتج عنها احتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، وهضبة الجولان. 

وهذه الحرب ثالث حرب ضمن الصراع العربي الإسرائيلي. وقد أسفرت عن مقتل 15,000 – 25,000 عربي مقابل 800 إسرائيلي؛ وتدمير 70 – 80% من العتاد الحربي في الدول العربية.كما نتج عن هذه الحرب صدور قرار مجلس الأمن رقم 242، وانعقاد قمة اللاءات الثلاثة العربيّة في الخرطوم، وتهجير معظم سكان مدن قناة السويس، وكذلك تهجير معظم مدنيي محافظة القنيطرة في سوريا، وتهجير عشرات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني من الضفة الغربية، ومحو قرى بأكملها، وفتح باب الاستيطان في القدس والضفة الغربية.

تاريخ فلسطين القديم والحديث 2

ولم تزل تبعات حرب 1967م حتى يومنا؛ إذ تواصل إسرائيل احتلال الضفة الغربية، كما أنها قامت بضم القدس والجولان لحدودها؛ وكان من تبعاتها أيضًا نشوب حرب أكتوبر عام  1973م، وفصل الضفة الغربيّة عن السيادة الأردنيّة، وقبول العرب منذ مؤتمر مدريد للسلام عام  1991م  بمبدأ “الأرض مقابل السلام”، الذي ينص على العودة لما قبل حدود الحرب، لقاء اعتراف العرب بإسرائيل، ومسالمتهم إياها؛ رغم أن دولًا عربيّة عديدة باتت تقيم علاقات منفردة مع إسرائيل سياسيّة أو اقتصادية.

وحسب مؤرخين عرب وفلسطينيين: فقد شنت القوات العسكرية الإسرائيلية هجومًا مباغتًا على الدول الثلاث (مصر، وسوريا، والأردن)؛ عندما لاحظت (إسرائيل) أن القوة العسكرية العربية بدأت تتعاظم؛ فمن ثورة 14 تموز عام 1958م في العراق؛ إلى انتصار ثورة الجزائر 1962م؛ إلى تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في أيار 1964م الذي كان أبرز العوامل التي دفعت إسرائيل إلى المسارعة بشن هذه الحرب؛ حيث انطلق العمل الفدائي الفلسطيني بـ 35 عملية عام 1965م؛ ثم ما لبثت هذه العمليات أن تزايدت، حتى وصلت إلى 41 عملية في الشهور الخمسة الأولى من عام 1966م. حيث قامت إسرائيل بحرب خاطفة؛ من أجل وضع حد لأي أمل لتضامن عربي.

  جاء في وثيقة كشف عنها (وهي من ضمن الوثائق الأمريكية التي أفرج عنها عام 2001م)، أن الولايات المتحدة الأمريكية دفعت إسرائيل إلى الحرب المبكرة، وبدعم مباشر وفوري: “لقد التقى مدير الموساد الإسرائيلي حينها “أميت” مع الرئيس الأمريكي جونسون، وبعد التداول سأل جونسون رئيس الموساد: لو هاجمتم العرب الآن فكم ستتحمل هزيمتهم معكم؟ فكان جواب أميت: عشرة أيام تقريبا. فقال جونسون:” إذا ماذا تنتظرون؟” ، ولكن الوثيقة الأمريكية الخطيرة والتي وصلت معلوماتها إلى إسرائيل فكانت خطة تدمير الطيران العربي أولا.

وتشير الوثيقة إلى ما يلي: “رأت روسيا أن حصول إسرائيل على السلاح النووي سيقوي ويدعم النفوذ الأمريكي في المنطقة، وتصبح إسرائيل قوة كبرى نووية ستؤثر حتما وبشكل كبير على مصالح روسيا في المنطقة، وإضعاف حلفائها في المنطقة العاجزين أصلا عن الحصول على أية تكنولوجيا نووية. 

منذ نهاية عام 1964م، ومع تصاعد لغة التهديد العربية بعد أول قمة عربية في مصر؛ كانت إسرائيل تراقب ما يجري من استعدادات عربية؛ ولكن وحسب نص الوثيقة: إن  روسيا هي التي كانت تخطط لمثل هذه الحرب؛ فقد أرسلت طيارين روس بطائراتهم الحديثة إلى مصر ومارسوا تدريبًا مكثفا على كيفيّة تدمير مفاعل ديمونا”.

صعدت إسرائيل عملياتها الاستفزازية ضد سورية بضرب الوسائط والمعدات التي كانت تعمل في المشروع العربي لتحويل روافد نهر الأردن والاعتداء على المزارعين السوريين وزيادة حجم التحديات ضد القوات السورية؛ ما أدى إلى زيادة حدة الاشتباكات التي بلغت ذروتها في الاشتباك الجوي (يوم 7/4/1967)، إذ توالت الأخبار عن التدابير العسكرية التي اتخذتها إسرائيل، وخاصة ما يتعلق بحشد قواتها على الحدود السورية؛ ما دفع مصر إلى الوفاء بالتزامها وفقاً لمعاهدة الدفاع المشترك (المصرية السورية) التي تم التوقيع عليها في (4/11/1966)؛ فأوفدت رئيس أركان قواتها المسلحة (اللواء محمد فوزي) إلى دمشق لتقدير الموقف على الطبيعة وتنسيق التعاون.

  وعندما عاد إلى القاهرة؛ أعلنت مصر حالة من التعبئة القصوى، وأخذت القوات المصرية تتحرك على شكل تظاهرة عسكرية اخترقت شوارع القاهرة يوم (15/5/1967) متوجهة نحو سيناء؛ ثم طلبت القيادة  المصرية يوم 16 أيار 1967 من قائد قوات الطوارئ الدولية في سيناء، سحب قوات الأمم المتحدة؛ وقدم الأمين العام للأمم المتحدة “يوثانت” مجموعة من الاستشارات السريعة قرر على إثرها تلبية طلب مصر سحب تلك القوات يوم 19 أيار1967؛ ثم أعلن الرئيس جمال عبد الناصر يوم 23 أيار1967 إغلاق مضايق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية؛ وهكذا أزالت مصر آخر أثرين تبقيا من العدوان الثلاثي عام 1956م.

وقد اعتبرت إسرائيل إغلاق مضائق تيران إعلان حرب؛ فأخذت تسرع بخطواتها وتجهز نفسها عسكريًا وسياسيًا للبدء بالعدوان بتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية ومباركتها؛ وذهبت جهود الأمين العام للأمم المتحدة في مهب الريح، رغم ما بذله من لقاءات وجولات بين القاهرة وتل أبيب بغية الحد من تدهور الموقف. 

وبدأت طبول الحرب تدق في المنطقة، وبدأت مشاعر الحرب تسيطر على الموقف من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وتوجهت القوات السورية والمصرية نحو جبهات القتال؛ أما إسرائيل فقامت بمجموعة من الإجراءات أظهرت نية قادتها في العدوان، مثل التعديل الوزاري الذي جاء بالجنرال موشيه دايان إلى وزارة الحرب، ولم تمض سوى ساعات قليلة على ذلك، حتى بدأت القوات الإسرائيلية بشن الحرب.

واعتبارا  من منتصف أيار 1967م، بدأت استعدادات الجيش الإسرائيلي لشن العدوان، وذلك بتنفيذ الدعوات الاحتياطية السرية، وحشد القوات على الاتجاهات العملياتية؛ ما زاد في توتر الموقف العسكري في المنطقة.

تاريخ فلسطين القديم والحديث 3

ونتيجة النشاط السياسي الدولي، وبصورة خاصة رغبة الحكومة الفرنسية آنذاك بعدم اللجوء إلى القوة؛ تعهدت الدول العربية المجاورة مصر سورية الأردن بعدم شن الحرب وإيقاف الاستعدادات العسكرية؛ إلا أن القيادة العسكرية الإسرائيلية، وبدعم من  الولايات المتحدة الأمريكية، استغلت هذا الظرف، وقامت بعدوانها المباغت صبيحة 5 حزيران 1967م.     

نفذت إسرائيل خطتها العدوانية بتوجيه ضربة جوية كثيفة ومباغتة للمطارات العسكرية وللطيران الحربي المصري، والسوري، والأردني؛ فمكنت الطيران العسكري الإسرائيلي من توفير السيطرة الجوية على أرض المعركة طيلة مدة الحرب.

تاريخ فلسطين القديم والحديث 4

وفي الفترة بين 5-8/6 انتقلت القوات الإسرائيلية للهجوم، موجهة الضربة الرئيسية على الجبهة المصرية؛ والضربة الثانوية على الجبهة الأردنية؛ في الوقت الذي انتقلت فيه للدفاع النشط على الجبهة السورية مع توجيه الضربات النارية بالمدفعية والطيران لمواقع الجيش السوري في الجولان طيلة تلك الفترة.    

الجبهة السورية: في صباح يوم  8/6 أجرت القيادة العسكرية الإسرائيلية إعادة تجميع لقواتها لتركيز جهودها على الجبهة السورية بحشد مجموعتين قتاليتين قوام كل منها ثلاثة ألوية مختلطة مع وسائط الدعم والتعزيز. غير أن التفوق الجوي والسيطرة الجوية المطلقة قدمت الدعم الحقيقي للقوات، حيث قام الطيران الإسرائيلي بدور المدفعية.

وفي الساعة 12.00/ يوم 9/6؛ انتقلت القوات الإسرائيلية للهجوم على الاتجاه السوري، بعد تمهيد ناري كثيف بوساطة الطيران على كامل ميدان المواجهة، مع التركيز على اتجاه الضربة الرئيسية التي حددت في القطاع الشمالي من الجبهة السورية، وبالاتجاه العام: كفر سلط ، تل القلع، والقيام بهجمات مساعدة في القطاعين الأوسط والجنوبي من الجبهة.

كان تقدم القوات الإسرائيلية بطيئاً حتى يوم 9/6، ولم تحقق  سوى نجاحاً محدوداً على اتجاه الضربة الرئيسية وبعمق 4 إلى 5 كم، ونحو 2كم على بعض الاتجاهات المساعدة (اتجاه الدرباشية وحضر)؛ وذلك بفضل المقاومة التي أبداها مقاتلو الجيش السوري، وخوضهم معارك ضارية في ظروف قتالية صعبة، وسيطرة جوية كاملة للعدو.  وكثيراً ما كانت القوات الإسرائيلة تتراجع أمام مقاومة المدافعين السوريين؛ إلا أن الطيران الحربي الإسرائيلي الذي أوكل بمهمة تحطيم وتدمير المواقع الدفاعية السورية وقصفها، كان سبب تقدم القوات البرية الإسرائيلية.

كانت معركة تل الفخار في ذلك اليوم من أشهر المعارك وأكثرها ضراوة؛ حيث استطاعت سرية مشاة سورية أن تصد هجوم القطاعات الرئيسية للواء مشاة جولاني المعادي، الذي تعده إسرائيل نخبة قواتها الخاصة.  ونتيجة لتكبد إسرائيل خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد؛ أصدرت إسرائيل أوامر أكثر من مرة للتوقف عن متابعة الهجوم لتوجيه ضربات جوية للمواقع السورية، وبعد أن تمكنت إسرائيل من احتلال ذلك الموقع، تمكنت من توسيع قطاع خرقة واحتلال قطاع بعمق  5كم.

تاريخ فلسطين القديم والحديث 5

لقد تابعت إسرائيل هجومها يوم 10/6، على الرغم من صدور قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، وغذت المعركة بقوات جديدة من الاحتياط، وخاصة من القوات التي كانت تعمل على الاتجاه الأردني.  وتتلخص مهمة القوات الإسرائيلية يوم 10/6 بمتابعة التقدم على اتجاهين:

الاتجاه الأول : القلع، القنيطرة، الرفيد.
الاتجاه الثاني : سمخ، التوافيق، العال، الرفيد.

واستخدمت إسرائيل مجموعة قتالية على كل اتجاه؛ واستطاعت حتى نهاية يوم 10/6 من الوصول إلى خط التلال شمال مدينة القنيطرة وجنوبها ومفرق الرفيد.

الجبهة المصرية: قامت الطائرات العسكرية الإسرائيلية في الساعة 8 و45 دقيقة صباح الاثنين، 5 حزيران، لمدة ثلاث ساعات بغارات جوية على مصر في سيناء والدلتا والقاهرة ووادي النيل في ثلاث موجات: الأولى 174 طائرة، والثانية 161، والثالثة 157؛ بإجمالي 492 غارة، دمرت فيها 25 مطاراً حربياً، وما لا يقل عن 85% من طائرات مصر وهي جاثمة على الأرض. وطبقا للبيانات الإسرائيلية: تم تدمير 209 طائرات من أصل 340 طائرة مصرية منها:

 30 طائرة تي يو-16، 27 طائرة اليوشن قاذفة، 12 طائرة سوخوي- في، 90 طائرة مقاتلة ونقل وهليكوبتر.

تاريخ فلسطين القديم والحديث 6

وحول خسائر مصر العسكرية؛ نقل أمين هويدي عن كتاب الفريق أول محمد فوزي: أن الخسائر بين صفوف قوة الطيارين كانت 4%؛ و17% من القوات البرية؛ وكانت الخسائر في المعدات 85% في القوات البرية؛ وكانت خسائر القوات الجوية من القاذفات الثقيلة أو الخفيفة 100%؛ و87% من المقاتلات القاذفة والمقاتلات؛ وأن عدد الشهداء والمفقودين والأسرى هو 13600، عاد منهم 3799 أسيرًا، من بينهم: 481 ضابطًا؛ و38 مدنيًا؛ والباقي جنود وصف ضابط.  واتضح بعد المعركة أن عدد الدبابات مائتا دبابة تقريبا دمر منها 12 دبابة، واستشهد فيها 60 فردًا، وتركت 188 دبابة للعدو.

الجبهة الأردنية/ الفلسطينية(الضفة الغربية)

بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين الأردن ومصر في 30 أيار 1967م؛ وضعت القوات الأردنية في حالة تأهب قصوى، وعين اللواء المصري “عبد المنعم رياض” قائدًا عامًا يساعده اللواء الركن عامر خماش (رئيس هيئة الأركان الأردني)، وجاء سير العمليات العسكرية بين الجيش الأردني والقوات الإسرائيلية على النحو الآتي:

كانت القوات الأردنية موزعة على النحو الآتي: لواء خالد بن الوليد في منطقة جنين، لواء عالية في منطقة نابلس، اللواء المدرع 40 احتياط وكتيبة دبابات مستقلة لتعزيز الألوية الأمامية وتدعيمها.

 أما القوات الإسرائيلية، فقد كانت مؤلفة من خمسة ألوية مشاة ومدرعة، تسندها المدفعية وسلاح الجو.
وكانت القوات الأردنية المناط بها الدفاع عن القدس تتمثل بلواء الملك طلال بوحداته الثلاثة؛ أما القوات الإسرائيلية المعادية فقد تألفت من لواء مظليين يحتل جبل الطور(المطلع)، ويحيط بالمدينة من الشرق؛ ولواءين: أحدهما آلي، والآخر مشاة، يحيطان بالقدس من الشمال. (لواء المشاة معزز بالمدفعية والدبابات، ومهمته احتلال جبل المكبر، ويحيط بالقدس من الجنوب).

اشتبكت القوات الأردنية مع القوات الإسرائيلية في مختلف المناطق التي كانت تسيطر عليها؛ إلا أن  العديد من العوامل أدت إلى إضعاف قدرة الجيش الأردني وأثرت على معنوياته وشتتت جهده.

بدأت القوات الإسرائيلية هجومها صباح يوم 6 حزيران 1967م على المواقع الأردنية في مدينة القدس (الشيخ جراح والمطلع) وجنين وقلقيلية ونابلس وطولكرم ورام الله والخليل وبيت لحم، بواسطة الطيران الحربي والدبابات؛ فتعرضت لها القوات الأردنية المرابطة في تلك المواقع، وأوقعت بها الخسائر، كما كانت المدفعية في منطقة القدس تقصف المواقع الإسرائيلية؛ حيث ووصفت (بالمدفعية المسعورة). 

وتكبدت القوات الإسرائيلية خسائر بين أفرادها وآلياتها، وحاولت استعادة جبل المكبّر الذي وقع بيد القوات الأردنية؛ وقامت بتوسيع هجومها على عدة محاور شملت بقية المواقع الأردنية على طول خط المواجهة؛ وتعرضت القوات الإسرائيلية المؤلفة من (لواء مظليين، لواء عصيوني، لواء هاري إيل الآلي، لواء مشاة محمول ولواء مشاة) للمواقع الأردنية، وباشر اللواء “هاري إيل” بالتعرض للمواقع العسكرية الأردنية المحيطة بمدينة القدس مساء يوم 5 حزيران، وباشر الهجوم من ثلاث جهات بقصد احتلال المناطق الحيوية المسيطرة على طريق القدس وباب الواد، وهي: تل الرادار، وتل الشيخ عبد العزيز، وتل النبي صموئيل؛ وتصدت لها القوات الأردنية وأوقعت بين صفوفها خسائر كبيرة.

تاريخ فلسطين القديم والحديث 7

  وعن مذكرات الرائد في الجيش الأردني نبيه فلاح السحيمات: بدأت المعركة في القدس يوم الاثنين 5/6/1967، الساعة الحادية عشرة والنصف وخمس دقائق قبل الظهر، بالأسلحة الخفيفة، ثم المتوسطة، ثم الأسلحة الثقيلة كمدفعية 25 رطل، والتي كانت ملحقة بالمنطقة الشرقية من القدس وهي كتيبة المدفعية التاسعة 25 رطل بقيادة “المقدم محمد الحصان”، بالإضافة إلى استعمال الطائرات، وقنابل الإنارة ليلاً والأسلحة الأخرى.

حاولت القوات الإسرائيلية الدخول من بوابة “مند البوم”؛ إلا أن القوات الأردنية استطاعت وقف تقدمها من هذه البوابة، وحاول الجيش الإسرائيلي عدة مرات؛ ولكنه فشل فشلاً ذريعاً. 

وبالرغم من وجود عمارة للمتقاعدين العسكريين على البوابة من منطقة إسرائيل، تطلق النار من جميع نوافذ العمارة باتجاه القوات الأردنية، واستعماله لكشافات قوية، واستعماله أيضاً لقنابل غاز تسبب النعاس ورائحتها كرائحة الليمون – إلا انه وفي النهاية استطاعت القوات الإسرائيلية وآلياتها العسكرية اقتحام مدينة القدس من عدة جهات، واحتلت أحياءها وشوارعها الرئيسية، رغم ضراوة القتال واستخدام الأسلحة البيضاء والقنابل اليدوية في العديد من المواقع.  وبرزت بطولات فردية منها فلسطينية دفاعا عن المدينة المقدسة؛ إلا أن المدينة سقطت، ودخل قادة قوات الاحتلال الإسرائيلي باحات المسجد الأقصى وحائط البراق.

تاريخ فلسطين القديم والحديث 8

 وفي الوقت ذاته، كانت المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية تتهاوى الواحدة بعد الأخرى أمام الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية، من جنين وطوباس وطولكرم وقلقيلية ونابلس ورام الله وأريحا وبيت لحم والخليل.


 
نتائج الحرب في الجانب الإسرائيلي 

1 ـ كان للحرب الخاطفة التي شنتها إسرائيل غدراً ضد الدول العربية المجاورة لفلسطين تأثير مفاجئ على الجيوش العربية التي أخذت على حين غرة؛ فتمكنت إسرائيل من الإدعاء أنها تمتلك القوة العظمى في الشرق الأوسط التي تستطيع وقف تأثير الاتحاد السوفييتي، وذلك عن طريق التحالف مع الغرب في الحرب الباردة، واستطاعت إسرائيل احتلال مساحات واسعة من الأراضي العربية وصلت إلى 69.347 كم2.
2 ـ انتهكت إسرائيل اتفاقية وقف إطلاق النار المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن، والتي كانت تهدف إلى وضع حد فوري للعدوان.
3 ـ استغلت إسرائيل خلافاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، مصادر النفط في سيناء ومصادر المياه في سورية.

نتائج الحرب في الجانب العربي

سياسياً: أيقظت النكسة الأليمة الوجدان العربي وهزته، ونبهت الشعور القومي إلى الخطر الذي بات يهدد كل العرب؛ وانعكس ذلك على التحرك العربي الذي أخذ اتجاهات عملية لإزالة آثار النكسة ودعم مواقع الصمود، والاعتماد على الأصالة الذاتية للأمة العربية، وتمت ترجمة ذلك في انطباعات القمم العربية المتتالية التي أتاحت الإعداد للجولة التالية للحرب العربية الإسرائيلية 1973م.

من ناحية أخرى، كشف شكل العدوان وطريقته وهدفه أمام العالم كله المزاعم الإسرائيلية والغربية التي كانت تستجدي العطف الدولي، وتحصل على دعمه بزعم أن إسرائيل ضعيفة أمام العرب الذين يتهددونها؛ ما أكسب العرب عطفاً دولياً ساعدهم فيما بعد على عزل إسرائيل عالمياً، وكان دوره كبيراً في تغيير الأسس الإستراتيجية لطرفي الصراع العربي الإسرائيلي.

عسكرياً: تعرضت القوات العربية لخسائر كبيرة في عدوان حزيران بالقوى والوسائط، غير أن هذه القوات تحركت بسرعة لإعادة تنظيم قدراتها وإمكاناتها واستطاعت خلال فترة وجيزة أن تعود أقوى مما كانت عليه؛ وعلاوة على ذلك، دفعت مرارة النكسة أبناء الأمة العربية وحكوماتها وقواتها المسلحة للعمل الدؤوب من أجل إعادة بناء القدرة القتالية والاستعداد.

أظهر عدوان حزيران عجز الإدارة العسكرية الإسرائيلية عن إخضاع العرب؛ فعلى الرغم من حجم الانتصار العسكري، إلا أن العرب أصبحوا أكثر تصميماً على متابعة النضال، ولم تتمكن إسرائيل من فرض هدفها السياسي، وهو حمل العرب على الاعتراف بها والإقرار بوجودها؛ وكانت هذه النتائج بمجموعها بعض العوامل التي أدت إلى الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة حرب تشرين الأول 1973م.

الأراضي العربية المحتلة عام 1967م

المناطق المحتلةالمساحة / كلم 2
شبه جزيرة سيناء61948
هضبة الجولان1158
الضفة الغربية بما فيها القدس5878
قطاع غزة363
الإجمالي69347

كانت نتائج حرب عام 1967م على الأمة العربية مؤلمة، وما زالت آثارها وانعكاساتها ماثلة أمام الأجيال العربية الحالية؛ فقد خسرت الدول العربية مساحات شاسعة من الأراضي (69347 كلم2) استولت عليها (إسرائيل) في تلك الحرب؛ وإذا قارناها بما استولت عليه عام 1948م وأقامت عليه كيانها  “20700 كلم2 “يتضح أن هزيمة حزيران أضافت لإسرائيل تقريباً 89.395 كيلو متر مربع؛ أي ما يزيد على أربعة أضعاف مساحتها.

لقد حسنت المساحات الجغرافية الشاسعة من وضع إسرائيل الإستراتيجي والأمني وقدرتها على المناورة العسكرية، ومكنتها لأول مرة منذ تأسيسها من الاستفادة من تطوير وتحسين خططها الدفاعية من خلال استيلائها على موانع جغرافية طبيعية، مثل: مرتفعات الجولان، ونهر الأردن، وقناة السويس.

شبه جزيرة سيناء

فور احتلال إسرائيل لسيناء عام 1967م؛ شرعت السلطات الإسرائيلية بوضع يدها على ما يلي:

• نهب آبار النفط لسد احتياجاتها المحلية.
• الاستفادة من المطارات والقواعد الجوية التي كانت موجودة آنذاك.
• وضع أجهزة إنذار على الجبال والمرتفعات.
• إقامة خط دفاعي على الضفة الشرقية لقناة السويس عرف باسم “خط بارليف”.

وكان لهذه الإمكانيات المادية مجتمعة فوائد كبيرة لإسرائيل من الناحيتين العسكرية والإستراتيجية والإقتصادية؛ فقد حسنت من قدرتها على المناورة بقواتها، وأصبح بمقدورها مهاجمة مصر في العمق؛ فطالت طائراتها الكثير من المنشآت العسكرية والمدنية والاقتصادية (مطارات، مصانع، مدارس،.. إلخ)، إلى أن تمكن الجيش المصري من الحد من هذه الهجمات، وذلك بعد تمكنه من بناء حائط صواريخ على القناة بمساعدة الاتحاد السوفيتي.

وعلى الرغم من استعادة مصر جزءا من سيناء في حرب عام 1973م، والأجزاء الأخرى بالمفاوضات التي أعقبت ذلك سواء في كامب ديفد عام  1978م وما تلاها من توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979م، أو بالتحكيم الدولي عام 1988 م واستعادة آخر ما تبقى (طابا) عام 1989م؛ إلا أن السيادة المصرية على سيناء ظلت غير مكتملة؛ إذ إن هزيمة 1967م لا تزال تلقي بتداعياتها على الشأن المصري حتى الآن. فطبقًا لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وملاحقها (1، 2، 3) فإنه:

• محرم على الجيش المصري تسليح سيناء بالعتاد الحربي الذي يريده، والذي يضمن لها السيادة والحماية الكاملة، وكل ما يوجد هناك بدءا من أعداد الجنود ونوعيات أسلحتهم، مقرر سلفا في المعاهدة، وخاضع لمراقبين دوليين تابعين للأمم المتحدة؛ ومن غير الجائز تغييره إلا بموافقة الطرفين وبتصديق من برلمانيهما.

• وفي عموم سيناء، ممنوع على المصريين إقامة مطارات أو موانئ حربية؛ وإن سيناء كلها مقسمة إلى خطوط ومناطق أمنية.  ويتم وفقا للمعاهدة وضع أعداد معينة بأسلحة محددة من القوات المصرية في كل منطقة أو خط أمني.

وقد التزمت الحكومات المصرية المتعاقبة بتنفيذ ما ورد في هذه المعاهدة، حتى إنه حينما قالت (إسرائيل): إن عمليات تهريب الأسلحة من سيناء إلى الأراضي الفلسطينية عبر غزة قد ازدادت طالبة من الحكومة المصرية زيادة أعداد قواتها لمراقبة الحدود بواقع 750 جنديًا فقط؛ اشترطت مصر أن يتم ذلك بتوقيع بروتوكول إضافي يلحق بمعاهدة السلام وأن يصادق عليه الكنيست؛ وهو ما تم بالفعل في سبتمبر/ أيلول 2005 بأغلبية ‏53‏ صوتا مقابل ‏28؛  أما طابا) كلم2 واحد) الواقعة شمال خليج العقبة، والتي استعادتها مصر بالتحكيم الدولي عام 1988م واستلمتها عام 1989م، فإنه، ووفقا لقرار القضاة الدوليين: مسموح للإسرائيليين بدخولها دون تأشيرة دخول مدة 48 ساعة.  ولا تزال تلك الأوضاع على حالها حتى الآن: أرض غير مكتملة السيادة، ووجود إسرائيلي في منتجع طابا تحت لافتة السياحة بتحكيم دولي.

الضفة الغربية والقدس الشريف

احتلت قوات الاحتلال الإسرائيلية الضفة الغربية، بما فيها القدس الشريف (5878 كلم2) عام 1967م؛ إثر انسحاب القوات الأردنية وعودتها إلى الشرق من نهر الأردن، وقلصت حدودها مع الأردن من 650 كلم إلى 480 كلم (من بينها 83.5 كلم طول البحر الميت).

ونهبت إسرائيل الكثير من ثروات الضفة الغربية لا سيما المائية منها، وباشرت بعمليات تهويد للقدس بطريقة مخططة ممنهجة؛ واستطاعت، باستيلائها على مساحات شاسعة من أراضي الضفة، تحسين وضعها الإستراتيجي والأمني والعسكري، وإزالة أي خطر عسكري كان من الممكن أن يتهددها، أو وجود أي جيش عربي منظم ومسلح في الضفة الغربية، التي تعتبر القلب الجغرافي لفلسطين التاريخية. ومن تداعيات احتلال الضفة الغربية:

تاريخ فلسطين القديم والحديث 9

– السيطرة على الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف (حوالي 70 كلم2) والتحكم في مقدساتها الإسلامية كالمسجد الأقصى وقبة الصخرة.
– إخضاع 2.5 مليون فلسطيني لسيطرتها. (تقديرات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني عام 2006 م).
– مضاعفة أعداد المستوطنين وبناء المستوطنات، بالاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية في الضفة والقدس، حتى وصل عدد المستوطنين فى بداية شهر يناير 2013 حسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية 360 ألف مستوطن. (وهذا الرقم لا يشمل المستوطنين في القدس والذين يزيد عددهم عن 200 ألف).
– ضم القدس الشرقية إلى القدس الغربية في تموز 1967م، ثم إعلانهما عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل في تموز 1980م، بقرار من الكنيست.
– العمل وبالتدريج على تنفيذ سياسة تهويد للقدس بمختلف السبل، كطرد السكان العرب، وهدم المنازل والأحياء العربية، ومصادرة الأراضي، حتى بلغ مجموع ما صادرته من تلك الأرض ما يقارب نصف المساحة التي كانت عليها القدس الشريف في الرابع من حزيران 1967م.

هضبة الجولان

 وعلى الجبهة السورية وبعد هزيمة القوات السورية؛ استولت إسرائيل على 1158 كلم2 من إجمالي مساحة هضبة الجولان البالغة 1860 كلم2.

وحقق استيلاء إسرائيل على هضبة الجولان مزيداً من المكاسب الإستراتيجية؛ وذلك لما تتميز به الجولان من تضاريس تجعلها مرتفعة عن سطح البحر؛ حيث تستند إلى جبل الشيخ من جهة الشمال، ووادي اليرموك من الجنوب، وتشرف إشرافاً مباشراً على الجليل الأعلى وسهلي الحولة وطبريا. وكانت إسرائيل  قبل الخامس من حزيران تعتبر الوجود العسكري السوري في هذه المنطقة مدعاة لتهديد مناطقها الشمالية.
وشرعت السلطات العسكرية الإسرائيلية في تجهيز نقاط عسكرية في تلك الأماكن، ومن أهمها الحصن العسكري الذي أعدته في جبل الشيخ على ارتفاع 2224 متراً عن مستوى سطح البحر؛ كما أقامت كذلك قاعدة عسكرية جنوب الجولان.

وقد أضافت هضبة الجولان لإسرائيل عمقاً دفاعياً أبعد الخطر المباشر عن مدنها ومستوطناتها الحيوية الآهلة بالسكان، وجعل القوات الإسرائيلية نفسها مصدر تهديد للعاصمة السورية دمشق عبر محور “القنيطرة دمشق”، بالإضافة إلى محاور حوران.
ولا تزال إسرائيل حتى تاريخه، تحتل هضبة الجولان، رغم مرور ستة وأربعون عامًا؛ ولم تتمكن سوريا في حرب عام 1973م من تحريرها والسيطرة عليها.

 وما تزال تداعيات هذا الاحتلال تتوالى؛ إذ إن نحو 100 ألف نسمة من أهالي الجولان تم تهجيرهم، وما زالوا يعانون المشكلات الناجمة عن النزوح عن ديارهم، وقد تجاوز عددهم 175  ألف نسمة؛ يسكن معظمهم في العاصمة دمشق. وبقي في هضبة الجولان نحو 25 ألف نسمة يعيشون في أربع قرى رئيسية، ويعمل أغلبهم بالرعي والزراعة، ويخضعون للقانون الإسرائيلي الذي صدر من الكنيست عام 1981م، تحت عنوان “قانون مرتفعات الجولان”. كما فعلت من قبل بالضفة الغربية والقدس، فقد شجعت المستوطنين على الاستقرار في الجولان حيث بلغ عددهم وفقا لمصادر إسرائيلية- حوالي 20 ألف مستوطن يقيمون في 34 مستوطنة حسب مكتب الإحصاء الإسرائيلي 2013.

 ولم تتوقف السلطات الإسرائيلية عن نهب وسرقة موارد الجولان الطبيعية وخيراتها الزراعية؛ فالمستوطنون يزرعون حوالي 80 كلم2، ويستفيدون من معظم المراعي البالغة مساحتها 500 كلم2؛ كما نشطت شركات السياحة الإسرائيلية في استغلال ذلك، لدرجة أن  نسبة إشغال الغرف السياحية المستثمرة لحسابها وصلت حوالي 100 ألف غرفة، وبلغت أعداد السائحين للجولان سنة 2006 قرابة مليوني سائح.
كما تستغل إسرائيل أراضي هضبة الجولان صناعياً؛ حيث أقامت عليها منطقة صناعية يعمل فيها أكثر من ألف عامل إسرائيلي؛ أما عن الثروات المائية، فهي من أهم ما تستغله إسرائيل من موارد الجولان الطبيعية؛ حيث تستولي على مياه نهري اليرموك وبانياس وتستفيد منهما في الشرب والزراعة؛ فالجولان يزود إسرائيل بنحو 25%- 30% من استهلاكها السنوي للمياه.

الخسائر البشرية والمادية لحرب عام 1967م

نوع الخسائرالعربإسرائيل
قتلىمن 15 – 25 ألفًامن 650 – 800
جرحىمن 40 – 45 ألفًا2000 – 2500
أسرىمن 4000 – 500015 – 20
عتاد حربيمن 70 – 80%من 2 – 5%

دور منظمة الأمم المتحدة تجاه حرب حزيران

  يعد العدوان الإسرائيلي على مصر وسورية والأردن في (5/6/1967) بمنزلة تحول خطير في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي، وكانت تلك الفترة هامة ومؤثرة في تاريخ القضية الفلسطينية على المستوى الدولي، انتهت بإصدار مجلس الأمن قراره 242  في 22 تشرين الثاني عام 1967، الذي تضمن مبادئ الحل السلمي وفق وجهة نظر مجلس الأمن.
وفيما يلي نص القرار:

قرار مجلس الأمن الدولي رقم (242) صدر في 22/11/1967

تبنى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة هذا القرار، في جلسته رقم1382، بإجماع الأصوات.
إقرار مبادئ سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط:

إن مجلس الأمن: إذ يعرب عن قلقه المتواصل بشأن الوضع الخطر في الشرق الأوسط، وإذ يؤكد عدم القبول بالاستيلاء على أراض بواسطة الحرب، والحاجة إلى العمل من أجل سلام دائم وعادل تستطيع كل دولة في المنطقة أن تعيش فيه بأمن، وإذ يؤكد أيضاً أن جميع الدول الأعضاء بقبولها ميثاق الأمم المتحدة قد التزمت بالعمل وفقاً للمادة (2) من الميثاق؛

1- يؤكد أن تحقيق مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، ويستوجب تطبيق كلاً من المبدأين التاليين:
أ – سحب القوات المسلحة من أراض (الأراضي) التي احتلتها في النزاع.
ب- إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب، واحترام واعتراف بسيادة وحدة أراضي كل دولة في المنطقة، واستقلالها السياسي، وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة، ومعترف بها، وحرة من التهديد وأعمال القوة.

2- يؤكد أيضاً الحاجة إلى:
أ‌- ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة.
ب‌- تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.
ج- ضمان المناعة الإقليمية، والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة، عن طريق إجراءات بينها إقامة مناطق مجردة من السلاح.
يطلب من السكرتير العام أن يعين ممثلاً خاصاً إلى الشرق الأوسط؛ لإقامة اتصالات مع الدول المعنية؛ بهدف المساعدة في الجهود؛ للوصول إلى تسوية سلمية ومقبولة، على أساس النصوص والمبادئ الواردة في هذا القرار.
يطلب من السكرتير العام أن يبلغ المجلس بمدى تقدم جهود المبعوث الخاص، في أقرب وقت ممكن.

ولم تقبل إسرائيل بمنطق السلام، بل استمرت في ضم الأراضي المحتلة خطوة بعد خطوة، وفي رفض قرارات منظمة الأمم المتحدة وتحدي ميثاقها وانتهاك مبادئها؛ واستمرت الحال على ذلك حتى نشبت حرب ( أكتوبر تشرين) في 6-10-1973م.

محطات تاريخية ما بين العامين 1968-1987

معركة الكرامة  1968

معركة الكرامة وقعت في 21 آذار 1968حين حاولت قوات الجيش الإسرائيلي احتلال الضفة الشرقية لنهر الأردن؛ لأسباب تعدُّها إسرائيل إستراتيجية.    وقد عبرت النهر فعلاً من عدة محاور مع عمليات تجسير وتحت غطاء جوي كثيف؛ فتصدت لها  المقاومة الفلسطينية  وقوات الجيش العربي الأردني بقوةعلى طول جبهة القتال من أقصى شمال الأردن إلى جنوب البحر الميت.
واستمرت المعركة لأكثر من 16 ساعة؛ ما اضطر الإسرائيليين إلى الانسحاب الكامل من أرض المعركة، تاركين وراءهم -ولأول مرة- خسائرهم وقتلاهم.

أهداف المعركة

أثبتت الوثائق التي تركها القادة الإسرائيليون في ساحة القتال أن هذه العملية تهدف إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية واحتلال المرتفعات الشرقية لوادي الأردن.

بداية التوتر

وفي مطلع سنة 1968 صدرت عدة تصريحات رسمية عن إسرائيل تعلن أنه إذا استمرت نشاطات الفدائيين عبر النهر، فإنها ستقرر إجراء عمل مضاد مناسب؛ وبناء عليه، زاد نشاط الدوريات الإسرائيلية في الفترة ما بين 15-18 مارس 1968 بين جسر الملك حسين وجسر داميا، وازدادت أيضًا الطلعات الجوية الإسرائيلية فوق وادي الأردن.
وتمهيدًا للهجوم الواسع؛ قامت إسرائيل بهجمات عديدة ومركزة استخدمت فيها القصف الجوي والمدفعي على طول الجبهة الأردنية أسابيع عديدة سبقت بداية المعركة في 5:25 من فجر يوم الأحد في 21 آذار 1968.   كما مهدت لذلك بإجراءات واسعة النطاق في المجالات النفسية والسياسية والعسكرية عمدت بواسطتها إلى تهيئة المنطقة لتطورات جديدة تتوقعها كنتائج لعملياتها العسكرية شرقي نهر الأردن؛ فقد بنت توقعاتها على أساس:
1- الاستهانة بقوة الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية  عل طول الحدود بين الأردن وفلسطين، والتي تعدُّ أطول حدود برية مع إسرائيل.
2- هزيمة العرب في حرب 1967؛ وبالتالي فالروح المعنوية القتالية لن تكون بالمستوى اللازم لتحقيق مقاومة جدية.
3- لم يتسنَّ للجيش الأردني إعادة تسليح قواته أو تعويض خسائره التي مني بها في حرب 1967
4- عدم تمكن الأردنيين من تعويض طائراتهم؛ ما يعني افتقار القوات الأردنية للغطاء الجوي.
5- خطأ إسرائيل في تقدير قوة المقاومة الفلسطينية والاستهانة بها، وسعيها لكسرها وتدميرها قبل أن تتعاظم. 
6- ظن إسرائيل أن الخلافات السياسية بين فصائل المقاومة والحكومة الأردنية، تحول دون تحقيق أي تعاون بينهما.

محاور القتال

حشد الجيش الإسرائيلي لتلك المعركة اللواء المدرع السابع، وهو الذي سبق وأن نفذ عملية الإغارة على قرية السموع عام 1966، واللواء المدرع 60، ولواء المظليين 35، ولواء المشاة 80، وعشرين طائرة هيلوكبتر لنقل المظليين، وخمس كتائب مدفعية 155 ملم و105 ملم، بالإضافة إلى قواته، وسلاحه الجوي الذي كان يسيطر سيطرة تامة على سماء وأرض المعركة، فضلًا عن قوة الهجوم التي استخدمها في غور الصافي، وهي كتيبة دبابات، وكتيبة مشاة آلية، وسريتا مظليين، وكتيبة مدفعية.   وتم حشد هذه القوات في منطقة أريحا، ودفع بقوات رأس الجسر إلى مناطق قريبة من مواقع العبور الرئيسة الثلاثة.

بدأ الجيش الإسرائيلي قصفه المركز على مواقع الإنذار والحماية، ثم قام بهجومه الكبير على الجسور الثلاثة عبر محاور القتال الرئيسة، في وقت واحد؛ حيث كان يسلك الطريق التي تمر فوق هذه الجسور وتؤدي إلى الضفة الشرقية، وهي طريق جسر داميا (الأمير محمد)، وتؤدي إلى المثلث المصري، ثم يتفرع منها مثلث العارضة- السلط-عمان، وطريق أريحا، ثم جسر الملك حسين –الشونة الجنوبية وادي شعيب – السلط – عمان، ثم جسر الأمير عبد الله (سويمة، ناعور عمان).

وفي فجر يوم 21 آذار 1968 زمجرت المدافع، وانطلقت الأصوات على الأثير عبر الأجهزة اللاسلكية، تعلن بدء الهجوم الإسرائيلي عبر النهر.

يقول اللواء مشهور حديثة: في الساعة 5:25 فجرًا، أبلغني الركن المناوب أن الجيش الإسرائيلي يحاول اجتياز جسر الملك حسين، فأبلغته أن يصدر الأمر بفتح النار المدمرة على حشود الجيش الإسرائيلي؛ لذلك كسب الجيش العربي مفاجأة النار عند بدء الهجوم من القوات الإسرائيلية.  ولو تأخر في ذلك لأتاح للقوات المهاجمة الوصول إلى أهدافها؛ بالنظر إلى قصر محاور الهجوم التي تقود وبسرعة إلى أهداف حاسمة وهامة؛ في ظل حجم القوات التي تم دفعها إلى أرض المعركة، وفي ظل نوعية أفراد هذه القوات وتدريبها، وسرعة وزخم هجومها، بالإضافة إلى سهولة الحركة فوق الجسور القائمة.


إلا أن القوات الأردنية -وخاصة سلاح المدفعية- ومجموعات المقاومة الحاملة لمضادات المدفعية (أر بي جي )، استطاعت حرمان القوات الإسرائيلية حرية العبور حسب المحاور المخصصة لها؛ ودليل ذلك أن القوات الإسرائيلية التي تكاملت شرقي النهر، كانت بحجم فرقة، وهي القوات التي عبرت في الساعة الأولى من الهجوم، وبعدها لم تتمكن القوات المهاجمة من زج أية قوات جديدة شرقي النهر، بالرغم من محاولتهم المستميتة للبناء على الجسور التي دمرت، ومحاولة بناء جسور حديدية لإدامة زخم الهجوم والمحافظة على زمام المبادرة؛ ما أربك الغزاة المهاجمين وزاد حيرتهم وخاصة في ظل شراسة المواقع الدفاعية ومقاومتها الشديدة.

القتال على محور جسر الأمير محمد (داميا)


اندفعت القوات العاملة على هذا الجسر تحت ستار كثيف من نيران المدفعية والدبابات والرشاشات المتوسطة، فتصدت لها قوات الحجاب الموجودة شرق الجسر مباشرة، ودارت معركة عنيفة تمكنت  المقاومة الفلسطينية والقوات الأردنية المدافعة خلالها من تدمير عدد من دبابات الجيش الإسرائيلي، وإيقاع الخسائر بين صفوفه، وإجباره على التوقف.

القتال على محور جسر الملك حسين

لقد كان الهجوم الرئيسي هنا موجهاً نحو الشونة الجنوبية، وكانت القوات الرئيسة المخصصة للهجوم مركزة على هذا المحور؛ الذي يمكن التحول منه إلى بلدة الكرامة والرامة والكفرين جنوباً.  واستخدم الجيش الإسرائيلي في هذه المعركة لواءين (لواء دروع ولواء آلي) تساندهما المدفعية والطائرات.

ففي صباح يوم الخميس 21 آذار دفع الجيش الإسرائيلي بفئة دبابات لعبور الجسر، واشتبكت مع قوات الحجاب القريبة من الجسر؛ إلا أن قانصي الدروع تمكنوا من تدمير تلك الفئة.  واستطاع الجيش الإسرائيلي إنزال الموجة الأولى من المظليين شرقي الكرامة، لكن هذه الموجة تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح وتم إفشالها؛ ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى إنزال موجة أخرى تمكنت من الوصول إلى بلدة الكرامة، وبدأت بعمليات تدمير لبنايات البلدة، واشتبكت مع بعض قوات الدفاع الأردنية في قتال داخل المباني. 

وفي هذه الأثناء استمر الجيش الإسرائيلي بمحاولاته في الهجوم على بلدة الشونة الجنوبية.  وكانت  المقاومة والقوات الأردنية المدافعة تتصدى له في كل مرة، وتوقع به المزيد من الخسائر.   وعندما اشتدت ضراوة المعركة؛ طلب الجيش الإسرائيلي -ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي- وقف إطلاق النار؛ ورفض الملك الحسين بن طلال وقف إطلاق النار، رغم ضغط الولايات المتحدة.  وحاول الجيش الإسرائيلي الانسحاب؛ إلا أن القوات الأردنية تدخلت في عملية الانسحاب وحولته إلى انسحاب غير منظم؛ فترك الجيش الإسرائيلي عدداً من آلياته وقتلاه في أرض المعركة.  (حديث اللواء بهجت المحيسن قائد لواء حطين عن هذا المحور)

القتال على محور جسر الأمير عبد الله

حاول الجيش الإسرائيلي القيام بعملية عبور من هذا المحور باتجاه (ناعور – عمّان) وحشد لذلك قوات مدرعة؛ إلا أنه فشل.   ومنذ البداية، لم تتمكن قواته، على هذا المحور، من عبور النهر؛ بعد أن دمرت معظم معدات التجسير التي حاول استخدامها في عملية العبور.  وانتهى القتال على هذا المحور بانسحاب فوضوي لقوات الجيش الإسرائيلي.   وكان للمدفعية الأردنية ونيران الدبابات وأسلحة مقاومة الدروع الأثر الأكبر في إيقاف تقدم الجيش الإسرائيلي ودحره. 

محور غور الصافي

حاول الإسرائيليون تشتيت جهد المقاومة الفلسطينية  والقوات الأردنية بالهجوم على محور غور الصافي برتل من دباباته وآلياته ومشاته؛ تمهيداً لحملة إعلامية نفسية مستخدماً المنشورات التي كان يلقيها على السكان، والتي يدعوهم فيها إلى الاستسلام وعدم المقاومة، كما قام بعمليات قصف جوي مكثف على القوات الأردنية؛ إلا أن كل ذلك قوبل بدفاع عنيف من الجيش الأردني؛ ما أجبر القوات المهاجمة على الانسحاب.

ويذكر أن أول من نفذ عملية استشهادية هو شخص ملقب “بالفسفوري” من حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح- ” حيث قام بتلغيم نفسه، وقفز إلى رتل من الدبابات الإسرائيلية موقعاً بها خسائر كبيرة جدًا.

انسحاب القوات الإسرائيلية

فشل الجيش الإسرائيلي تماماً في هذه المعركة دون أن يحقق أياً من أهدافه على جميع المحاور، وخرج من هذه المعركة خاسراً مادياً ومعنوياً خسارة لم يكن يتوقعها أبداً.  

 وصدرت الأوامر الإسرائيلية بالانسحاب حوالي الساعة 15:00 ؛ وقد استغرقت عملية الانسحاب تسع ساعات؛ نظراً للصعوبة التي عاناها الإسرائيليون في التراجع.

طلب وقف إطلاق النار

طلبت إسرائيل -ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي- وقف إطلاق النار في الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم المعركة؛ إلا أن الأردن أصر -وعلى لسان الملك الحسين (قائد الجيش)- على عدم وقف إطلاق النار طالما أن هناك جنديًا إسرائيليًا واحدًا شرقي النهر؛ وذلك رغم كل الضغوطات الدولية.

الخسائر

خسائر القوات الصهيونية

قتل من الإسرائيليين 250 جنديًا وجرح 450 في أقل من 18 ساعة،  تدمير 88 آلية، وهي عبارة عن 27 دبابة، و18 ناقلة، و24 سيارة مسلحة، و19 سيارة شحن وسقوط طائرة.
وقد عرض الأردن بعض هذه الخسائر الإسرائيلية أمام الملأ في الساحة الهاشمية.
خسائر المقاومة الفلسطينية:
ارتقاء حوالي 100 شهيد، وتدمير مخيم الكرامة تدميرًا كليًا.  
خسائر القوات الأردنية:
1- ارتقاء  78 شهيدًا.
2-  سقوط 108  جرحى.
3-  تدمير 13 دبابة.
4-   تدمير 39 آلية.

نتائج المعركة

– فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أي من أهدافه التي سعى إلى تحقيقها بهذه العملية.
– أثبت رجال المقاومة والجيش الأردني قدرتهم على الثبات، والحفاظ على روح قتالية عالية، رغم الظروف الصعبة. 
 
مبادرة روجرز

مبادرة روجرز هي مبادرة قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في آب سنة 1970، وتقترح وقف العمليات المسلحة التي ينفذها الفدائيون الفلسطينيون المتمركزون في غور الأردن ضد إسرائيل.

وافقت مصر بقيادة عبد الناصر على هذه المبادرة، ثم الأردن بقيادة الملك حسين؛ لكن منظمة التحرير الفلسطينية رفضت الالتزام بها.

أسباب طرح هذه المبادرة:

طرحت الولايات المتحدة الأمريكية هذه المبادرة لإيقاف القتال مدة ثلاثة أشهر، بعد المعارك الجوية التي دارت بين القوات المسلحة المصرية والقوات الإسرائيلية المعادية، التي أسقطت فيها طائرات تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، والتي كان عدد منها طائرات أمريكية الصنع حديثة جداً.   

وجاءت هذه المبادرة لإنقاذ إسرائيل من المأزق العسكري الكبير جداً؛ بعد أن منيت بخسائر بشرية يومية في صفوف قواتها المسلحة. قد جاءت مبادرة روجرز بعد أن تبين أن الهزيمة، رغم مرارتها وقسوتها، لم تجبر العرب على رفع أعلام الاستسلام البيضاء؛ وإنما تواصل القتال تعبيرًا عن رفض الهزيمة؛ إذ كان شهر سبتمبر هو البداية الحقيقية لعودة القتال، عندما قامت معركة بالمدفعية في منطقة القنطرة خسر فيها الإسرائيليون حوالي 80 قتيلًا و250 جريحًا؛ ما جعل يوثانت (أمين عام الأمم المتحدة في ذلك الوقت) يطلب من “أودبول” (كبير المراقبين الدوليين) قطع إجازته والعودة فورًا إلى القاهرة. وفي 25 اكتوبر، أغرقت البحرية المصرية المدمرة الإسرائيلية (إيلات).

ورغم صدور قرار مجلس الأمن في 25 نوفمبر عام 1967 بوقف إطلاق النار؛ قال جمال عبد الناصر: إن ما يفعله الإسرائيليون في الأرض المحتلة يؤكد أنهم لن يخرجوا منها، إلا إذا أجبروا على ذلك، وقال قولته المشهورة: “إن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”.  

 وهكذا تواصل القتال وتصاعد حتى دخول حرب الاستنزاف التي كثفت فيها إسرائيل غاراتها الجوية بغية إصابة النظام بالشلل (كما صرحت رئيسة الوزراء (جولدا مائير))، وفي نفس الوقت ارتفعت روح المقاومة وازداد الإصرار على تحرير الوطن، وارتفعت خسائر إسرائيل بشكل ملحوظ؛ ما دفع جولدا مائير إلى القول إن «كتائب الصواريخ المصرية كعش الغراب كلما دمرنا أحدها نبت بدلها أخرى» ودفعت أبا إيبان (وزير الخارجية) إلى القول: “لقد بدأ الطيران الإسرائيلي يتآكل”.  

تصريح وليام روجرز

قال وليام روجرز في أحد المؤتمرات يوم 9 ديسمبر عام 1969: «سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى تشجيع العرب على قبول سلام دائم، وفي الوقت نفسه تشجع إسرائيل على قبول الانسحاب من أراض محتلة بعد توفير ضمانات الأمن اللازمة؛ وإن ذلك يتطلب اتخاذ خطوات تحت إشراف كونار يارنك وبنفس الترتيبات التي اتخذت في اتفاقيات الهدنة برودس عام 1948.    وكمبدأ عام؛ فإنه عند بحث موضوعي السلام والأمن؛ فإنه يطلب من إسرائيل الانسحاب من الأراضي المصرية بعد اتخاذ ترتيبات للأمن في شرم الشيخ، وترتيبات خاصة في قطاع غزة مع وجود مناطق منزوعة السلاح في سيناء.

رد فعل المحتل

بادرت إسرائيل إلى رفض مبادرة روجرز؛ ويبدو أن حكومة إسرائيل في صلتها مع الحكومة الأمريكية خلال هذه الفترة كانت تركن وتعتمد على هنري كيسنجر الذي كان مستشارًا للرئيس الأمريكي للأمن القومي فقط.  وكان ناحوم جولدمان (رئيس المؤتمر اليهودي العالمي) قد أبلغ أن هنري كيسنجر كان يستخف بوليام روجرز، وأنه يسعى لأن يحل محله، وهو ما حدث فعلًا بعد ذلك.  

وكان جمال عبد الناصر في زيارة للاتحاد السوفيتي خلال شهر تموز عام 1970، عندما قال في اجتماع مع بريجنيف يوم 16 يوليو (وهو اليوم السابق لعودته للقاهرة): إنه قرر قبول المبادرة الأمريكية، موضحًا سبب ذلك في أن القوات المسلحة تحتاج إلى فترة لالتقاط الأنفاس والانتهاء من مواقع الصواريخ على الشاطئ الغربي للقناة؛ بعد أن بلغت خسائر المدنيين الذين اشتركوا في بناء قواعد الصواريخ 4000 شهيد.   وكذلك قال جمال عبد الناصر للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي: إن قبول مصر للمبادرة سوف يحرج إسرائيل أمام الرأي العام العالمي وأمام أمريكا أيضاً. وذكر أنه لا يعتقد أن لهذه المبادرة أي نصيب من النجاح، وأن فرصتها في ذلك لا تتجاوز 1 أو 2 في المائة.

رد الفعل المصري

في البداية قابلت القاهرة تصريح روجرز بالصمت التام، ثم أعلن جمال عبد الناصر قبوله بها يوم 23 يوليو في العيد الثامن عشر للثورة. وتفجرت ردود الفعل في أنحاء العالم؛  فقد كان الإعلان مفاجئا بعد فترة صمت امتدت أكثر من شهر. والظاهرة التي يجب الوقوف عندها طويلًا هي خروج الإسرائيليين إلى الشوارع في مظاهرات رقص وفرح؛ فقد انتهت بالنسبة لهم حرب الاستنزاف التي أرهقتهم نفسيًا وماديًا، وكبدتهم خسائر كثيرة في الأرواح.  

أنقذ قبول المبادرة الإسرائيليين من تكرار ما حدث في ذلك اليوم الذي أطلقوا عليه اسم “السبت الحزين” (عندما وقعت إحدى دورياتهم في كمين للقوات المصرية المتسللة في سيناء، وقتل 40 جنديًا، وعاد المصريون باثنين من الأسرى)، رقص الإسرائيليون تصورًا منهم أن المبادرة هي خطوة أولى نحو السلام فعلا، وهكذا كانت قناعة الرأي العالمي أيضًا.

وقال ناحوم جولدمان: إن قبول مبادرة روجرز خطوة هائلة للسلام من جانب عبد الناصر؛ وإن على الحكومة الإسرائيلية أن تلتقي معه في منتصف الطريق، ومع ذلك تحطم الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بانسحاب ستة وزراء من حزب «جاحال»، وفي مقدمتهم مناحم بيجن.

ردود الفعل العربية

المثير أن قبول المبادرة كانت له انعكاسات مختلفة على الجانب العربي، واندفعت بعض القوى الفلسطينية إلى اتهام الذين قبلوها بالخيانة؛ الأمر الذي أدى إلى إصدار أمر بوقف إذاعة صوت فلسطين، التي كانت تبث من القاهرة يوم 29 يوليو عام 1970.   ووضعت المبادرة موضع التنفيذ في الساعة الواحدة من صباح السبت 8 آب عام 1970 لمدة 90 يومًا.  

النهاية

ولم يمتد العمر بجمال عبد الناصر حتى نهاية المدة المحددة لوقف إطلاق النار، ولم تجد مبادرة روجرز فرصتها لتوضع موضع التنفيذ. وبعد وفاة جمال عبد الناصر؛ تجدد وقف إطلاق النار لمدة ثلاث سنوات وشهرين، حتى قامت حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، وكان وليام روجرز قد ترك منصبه. 

النقاط العشر أو مشروع روجرز

وهي عشر نقاط، وقد قدمت أيضا هذه النقاط إلى الأردن مع إضافة ثلاث نقاط أخرى على المشروع؛ في 9/12 /1969 لكن بعد فترة، وبتاريخ 25/6/1970 تم تقديم مشروع معدل لكل من مصر والأردن وإسرائيل، وتمثل بالنقاط التالية:

نص المشروع المعدل المقدم إلى مصر والأردن وإسرائيل في 25/6/1970 دمت الولايات المتحدة الأمريكية المقترحات التالية:

1.   تتعهد إسرائيل والجمهورية العربية المتحدة بأن تتقيدا بوقف إطلاق النار، لفترة محددة على الأقل.
2.   إن إسرائيل والجمهورية العربية المتحدة، وكذلك الأردن وإسرائيل، تقبل بالبيان التالي، والذي سيكون على شكل تقرير من السفير يارينج إلى الأمين العام يوثانت:
” لقد أشارت كل من الجمهورية العربية المتحدة والأردن وإسرائيل، إلى أنها توافق على:

أ.   أنهم يقبلون ويعلنون رغبتهم في تنفيذ القرار 242، بكل أجزائه، وأنهم سيعيِّنون ممثلين عنهم في مناقشات تجري تحت إشرافي وفي الأماكن والمواعيد، التي أحددها، واضعاً في الحساب ما يلائم كل طرف، في ضوء البروتوكول والخبرة السابقة بين هذه الأطراف.  
ب.   إن الغرض من المناقشات، التي سبق ذكرها، الوصول إلى اتفاق لبناء سلام عادل ودائم بينهم، يقوم على:
1.   الاعتراف المتبادل بين كل من الجمهورية العربية المتحدة والأردن وإسرائيل بالسلطة والسيادة الإقليمية والاستقلال السياسي.
2.   الانسحاب الإسرائيلي من أراضٍ احتلت في نزاع عام 1967 (كلا النقطتين 1و2 وفقاً لقرار 242).
3.   ولتسهيل مهمتي في الوصول إلى اتفاق كما جاء في القرار 242؛ تتقيد الأطراف بحزم بقرارات مجلس الأمن لوقف إطلاق النار اعتباراً من 1 يوليه حتى 1 أكتوبر 1970″.

برنامج النقاط العشر الفلسطيني ( البرنامج االمرحلي)

في عام 1974، أقر المجلس الوطني الفلسطيني برنامج النقاط العشر التي تمت صياغتها من قبل قيادات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والتي تدعو إلى إنشاء سلطة وطنية على أي قطعة محررة من أرض فلسطين، والعمل الفاعل لإنشاء دولة علمانية ديمقراطية ثنائية القومية في فلسطين/إسرائيل، يتمتع فيها كل المواطنين بالمساواة والحقوق، بغض النظر عن العرق والجنس والدين.  

اعتبر برنامج النقاط العشر أول محاولة من قبل م.ت.ف.   لحل سلمي، علمًا بأن الهدف النهائي كان إكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني، وكخطوة على طريق الوحدة العربية الكاملة.

أدى ذلك بفصائل مثل “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامّة” وآخرون إلى الخروج وتشكيل “جبهة الرفض”، والتي تصرفت بشكل منفصل عن منظمة التحرير الفلسطينية في السنوات اللاحقة.  

الشكوك بين الخط العام بقيادة ياسر عرفات وفصائل أخرى تتبنى خطًا أكثر تشددا، داخل وخارج منظمة التحرير، ظلت تسيطر على العمل داخل المنظمة منذ ذلك الحين، مؤدية في كثير من الأحيان إلى تواز أو حتى تضاد في اتجاهات التحرك.  

موقف المحتل

تدعي إسرائيل رؤيتها لبرنامج النقاط العشر كخطر؛ لأنه يسمح للقيادة الفلسطينية بالدخول في مفاوضات مع إسرائيل على نقاط تستطيع إسرائيل تقديم تنازلات فيها؛ ولكن بإخفاء نوايا استغلال التنازلات لأجل تحسين موقعها للهجوم على إسرائيل.   المصطلح الإسرائيلي لهذا البرنامج هو “الخطة المرحلية”(Tokhnit HaSHlabim).   أثناء المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين في التسعينات من القرن الماضي. 

كرر بعض الإسرائيليين هذه الشكوك، مدعين أن رغبة الفلسطينيين بالتنازل هي جدار دخاني مموه لتطبيق برنامج النقاط العشر.   بعد توقيع اتفاق أوسلو، ادعي سياسيو اليمين الإسرائيلي (ولا زالو يدّعون) أن هذا جزء من مخطط لتنفيذ برنامج النقاط العشر، وذلك كما أقر به ياسر عرفات نفسه بالعربية في عدة مناسبات.   ولم يتم إلغاء برنامج النقاط العشر رسميًا من قبل منظمة التحرير.

نص النقاط العشر:

1- تأكيد موقف منظمة التحرير السابق من أن القرار 242 يطمس الحقوق الوطنية والقومية لشعبنا، ويتعامل مع قضية شعبنا كمشكلة لاجئين؛  ولذا يرفض التعامل مع هذا القرار على هذا الأساس في أي مستوى من مستويات التعامل العربية والدولية، بما في ذلك مؤتمر جنيف.
2- تناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل، وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها؛ وهذا يستدعي إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله.
3- تناضل منظمة التحرير ضد أي مشروع كيان فلسطيني ثمنه الاعتراف والصلح والحدود الآمنة والتنازل عن الحق الوطني وحرمان شعبنا من حقوقه في العودة وتقرير مصيره فوق ترابه الوطني.
4- إن أية خطوة تحريرية تتم هي حلقة لمتابعة تحقيق استراتيجية منظمة التحرير في إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المنصوص عليها في قرارات المجالس الوطنية السابقة.
5- النضال مع القوى الأردنية الوطنية لإقامة جبهة وطنية أردنية فلسطينية هدفها إقامة حكم ديمقراطي في الأردن يتلاحم مع الكيان الفلسطيني الذي يقوم بنتيجة الكفاح والنضال.
6- تناضل منظمة التحرير لإقامة وحدة نضالية بين الشعبين وبين كافة قوى حركة التحرر العربي المتفقة على هذا البرنامج.
7- على ضوء هذا البرنامج، تناضل منظمة التحرير من أجل تعزيز الوحدة الوطنية والارتقاء بها إلى المستوى الذي يمكنها من القيام بواجباتها ومهماتها الوطنية والقومية.
8- تناضل السلطة الوطنية الفلسطينية بعد قيامها، من أجل اتحاد أقطار المواجهة في سبيل استكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني، كخطوة على طريق الوحدة الشاملة.
9- تناضل منظمة التحرير من أجل تعزيز تضامنها مع البلدان الاشتراكية وقوى التحرر والتقدم العالمية لإحباط كافة المخططات الصهيونية والرجعية الإمبريالية.
10- على ضوء هذا البرنامج، تضع قيادة الثورة التكتيك الذي يخدم ويمكِّن من تحقيق هذه الأهداف.


جبهة الرفض

جبهة الرفض، واسمها الكامل “جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية”، هي تكتل شكلته سنة 1974 الحركات الفلسطينية المعارضة لـقرارات دورة المجلس الوطني الفلسطيني الثانية عشر التي أقرت بإقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء من فلسطين، وذلك كجزء من برنامج النقاط العشر.  

تزعمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جبهة الرفض، التي تلقت دعماً من العراق وليبيا، وانتخب أحمد اليماني (أبو ماهر) كأمين سر لها.   لعبت فصائل الجبهة دورًا مهما في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت متحمسة إلى التحالف مع الحركة الوطنية اللبنانية.  

أدى التقارب العراقي السوري واتفاقية كامب ديفيد إلى المصالحة مع ياسر عرفات، ومشاركة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الرابعة عشرة التي أقيمت في دمشق في ديسمبر 1979.

فصائل الجبهة

– الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
– الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة.
– جبهة التحرير العربية.
– جبهة النضال الشعبي الفلسطيني.
– منظمة الصاعقة.

مؤتمر جنيف الدولي للأمم المتحدة

بعد أن حققت منظمة التحرير الفلسطينية بعد 1969 مكاسب هامة على الصعيد الدبلوماسي الدولي.   وكان هذا هو الحال بشكل خاص بعد دعوة المجلس الوطني الفلسطيني في 19 شباط/فبراير 1974 ومرة ثانية في 12 حزيران/يونيو 1974 (البرنامج السياسي ذو النقاط العشر للمجلس الوطني الفلسطيني) إلى إقامة “سلطة وطنية محاربة مستقلة للشعب في كل جزء محرر من الأراضي الفلسطينية؛  تم اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها “ممثل الشعب الفلسطيني” (القرار رقم 3210 بتاريخ 14 تشرين الأول/أكتوبر 1974) واعتراف جامعة الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في أي من الأراضي الفلسطينية المحررة” (قرار جامعة الدول العربية بتاريخ 28 تشرين الأول/أكتوبر 1974).   وحصول فلسطين، ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، على العضوية الكاملة في جامعة الدول العربية يوم 9 أيلول/سبتمبر 1976.  

 وفي 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1974، ألقى ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية كلمة أمام النصاب المكتمل للجمعية العامة للأمم المتحدة، تلا ذلك إعادة تأكيد الجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار رقم 2672 بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 1970) على “حقوق [الشعب الفلسطيني] غير القابلة للتغيير، لاسيما حقه في تقرير مصيره” (القرار رقم 3236 بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر1974) ومنح منظمة التحرير الفلسطينية مركز المراقب “خلال الجلسات وعمل الجمعية العامة” (القرار رقم 3237 بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974.

العدوان على لبنان  عام 1978  “عملية الليطاني”

عند الواحدة والربع منتصف يوم 14-15 آذار 1978، بدأت “عملية الليطاني” بعدوان شارك فيه ما يقارب الثلاثين ألف جندي وضابط إسرائيلي اجتاحوا أكثر من 150 بلدة وقرية لبنانية في اقضية: بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا، صور، النبطية، فدمرت ست قرى تدميراً كاملاً بينها بلدة الخيام.

أهداف العدوان الإسرائيلي المُعلنة هي:

1-طرد الفدائيين الفلسطينيّين،بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بعيداً عن الحدود مع إسرائيل.
2- تعزيز حليف إسرائيل في ذلك الوقت، جيش لبنان الجنوبي.
 3-السيطرة على منابع المياه الوفيرة بالمياه في الجنوب اللبناني. 

نجحت العملية عسكرياً، حيث انسحبت قوات منظمة التحرير الفلسطينية شمال نهر الليطاني.   وقد أدت اعتراضات الحكومة اللبنانية إلى تكوين قوة حفظ سلام في جنوب لبنان (اليونيفيل) مع انسحاب إسرائيلي جزئي.

خلفية

مع أن عدوان “عملية الليطاني” أخذت شكل هجومِ عسكري إسرائيليِ على جنوب لبنان، فقد كانت في إطار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الطويلِ.  

بدءً مِن عام 1968 أسّست منظمة التحرير الفلسطينية وجماعات فلسطينية أخرى قواعد عسكرية  في جنوب لبنان ،خاصة بعد الخروج من الأردن، وتدفّق 3000 فدائي من منظمة التحرير الفلسطينية خرجوا من الأردن بعد أحداث (أيلول) ليَتجمّعوا ثانية في جنوب لبنان، حيث مارست منظمة التحرير العمل الفدائي ضد الاحتلال الإسرائيلي من خلال القواعد العسكرية على الأراضي اللبنانية. وكان عددا من بلدات الجنوب (كفرشوبا مثلًا) مقرًا لأعضاء القيادات، وقامت  إسرائيل بهجمات مدمرة ضد القرى اللبنانية وقواعد منظمة التحرير الفلسطينية.  

أحداث بارزة  سَبقت عدوان عملية الليطاني 1978

– في 26 ديسمبر/كانون الأول 1968 سافر مُسلَّحان فلسطينيّان مِن بيروت إلى أثينا، وهاجما طائرة لشركة العال الإسرائيلية في عمليّة فدائيّة هناك؛ ما أدى إلى مقتل شخص واحد.  

– في 28 ديسمبر/كانون الأول 1968، قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بغارة بالقنابل دمُّرت 13 طائرة مدنية في مطار بيروت الدولي.

– في 10 أبريل/نيسان 1973 قام مغاوير (كوماندوز) إسرائيليون (كان من بينهم إيهود باراك الذي نفًّذ العملية متنكراً في زي امرأة) بقتل ثلاثة من زعماء منظمة التحرير الفلسطينية (يوسف النجُّار وكمال عدوان وكمال ناصر) في بيروت (عملية فردان).

– في 11-4-1974 اقتحمت مجموعة من مقاتلي “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين– القيادة العامة”  مستعمرة كريات شمونة شمالي فلسطين، وسيطرت على مدرسة وبناية تتكون من -15- شقة، واحتجزت عدداً من الرهان الإسرائيليين بعد معركة مع قوة إسرائيلية.  وتقدم الفدائيون بطلب الإفراج عن مائة من الأسرى الفدائيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية، ومن بينهم الفدائي الياباني كوزو أوكاموتوا المحكوم عليه بالسجن المؤبد والمشارك في عملية “مطار اللد” عام 1972.  ورفضت سلطات الاحتلال الإسرائيلية مطالب الفدائيين، وعززت قواتها في المستعمرة، ثم شنّت هجوماً على المبنى الذي يحتجز فيه الرهائن. وجرت معركة عنيفة بين مقاتلي الوحدة الانتحارية وقوات الاحتلال؛ لذا نفذّ الفدائيون إنذارهم وقاموا بتفجير المبنى بعد أن زرعوا العبوات الناسفة في أماكن مختلفة منه.  وأسفرت العملية عن استشهاد الفدائيين الثلاثة ومقتل -18- إسرائيلياً وجرح -15- آخرين إضافة إلى الخسائر المادية.

– في 15 مايو/أيار 1974 تسلل أعضاء مِن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في عمليّة فدائيّة إلى بلدة معالوت الحدودية الإسرائيلية مِن لبنان المقامة على أراضي بلدة ترشيحا، وقتلوا خمسة قبل أن يقتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي في ترشيحا.

– في ليلة 4 مارس/آذار 1975، أبحر ثمانية مُسلَّحين مِن حركة فتح مِن لبنان إلى تل أبيب بَحراً في عمليّة فدائيّة في زورق مطاطي، ودَخلوا فندقَ سافوي واحتجزوا عشرات الرهائنِ؛ وأثناء مهمّة الإنقاذ قُتِل ثلاثة جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي وجُرَح ثمانية رهائن؛ ثم تَراجع رجال منظمة التحرير الفلسطينية المُسلَّحون إلى غرفة وحاولوا تَفجير أنفسهم، فقتلوا ثمانية رهائن وجرح 11، بالإضافة إلى استشهاد السبعة مِن فدائيي منظمة التحرير الفلسطينية المُسلَّحين.

– في 11 مارس/آذار 1978؛ قام 11 من أعضاء حركة فتح بقيادة الشهيدة  دلال مغربي البالغة من العمر 18 عاماً مِن لبنان في عمليّة فدائيّة سيطروا خلالها على حافلة على الطريق الساحلي قُرب حيفا؛ وفي الطريق إلى تل أبيب استولوا على حافلة ثانية.  وبعد مطاردة طويلة وإطلاق نار، قتل 37 إسرائيليًا وجُرَح 76.   ويعتقد أن هذا هو السبب المباشر للغزو الإسرائيلي بعد ثلاثة أيام.

 العدوان والقتال

في 14 آذار 1978، بدأت إسرائيل عدوانها “عملية الليطاني”، مُحتلُّة منطقةَ جنوب نهرِ الليطاني، باستثناء صور، بأكثر من 30000 جندي.  
أثناء الهجوم الذي استمر لمدة 7 أيام، احتل جيش الاحتلال الإسرائيلي أولاً حزامًا من الأرض بعمق 10 كيلومترات تقريباً؛ لكنه تَوسّع لاحقاً شمالاً إلى نهر الليطاني.   وقد قدَّرت الحكومة اللبنانية أن حوالي 285000 لبناني قد أصبحوا لاجئين.   وقد استشهد 1100-2000 لبناني، كُلهمّ تقريباً من المدنيين.

نتيجة الحرب

رداً على الغزو؛ أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 425 والقرار رقم 426 داعياً إلى انسحاب القوّات الإسرائيلية مِن لبنان. وشُكِّلَت قوة فصل للأُمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) لفَرض هذا القرار ولتُعيد السلام والسيادة إلى لبنان.   ووَصلت قوات اليونيفيل إلى لبنان في 23 آذارِ 1978، لتتخذ مقراً في الناقورة.

انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلية لاحقاً في 1978، وسلّمت مواقعها داخل لبنان إلى حليفتها (ميليشيات جيش لبنان الجنوبي بزعامة الرائد سعد حداد).  

قرارات الأمم المتحدة: على ضوء العدوان (الليطاني عام 1978)

– القرار(12/7) (الدورة الاستثنائية الطارئة السابعة) بتاريخ 1980/7/29: حول مطالبة إسرائيل بالبدء في الانسحاب قبل 1980/11/15 من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ حزيران 1967.

– القرار(13/35) تاريخ 1980/11/3: حول تأييد مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وتمديد انتداب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى حتى 1984/6/30، والطلب من إسرائيل اتخاذ خطوات فورية لإعادة السكان النازحين.

– القرار(110/35) تاريخ 1980/12/5: حول تأكيد حق الدول والشعوب العربية الواقعة أراضيها تحت الاحتلال الإسرائيلي في السيادة الكاملة الدائمة على مواردها الطبيعية.

– القرار( 122/35) بتاريخ 1980/12/11: حول إدانة إسرائيل لفرضها تشريعاً ينطوي على إحداث تغييرات في طابع ومركز الجولان العربي السوري.

– القرار( 207/35) بتاريخ 1980/12/16: حول إدانة العدوان الإسرائيلي على لبنان والشعب الفلسطيني بشدة، والتأكيد من جديد على الرفض الشديد لقرار إسرائيل ضم الجولان والقدس العربية.

– القرار( 266/36)  بتاريخ 1981/12/17: حول اعتبار الاتفاقيات المعقودة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بشأن التعاون الاستراتيجي، والتي وقعت في 1981/11/30- تشجيعاً لسياسة إسرائيل العدوانية في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس، وتهديداً لأمن المنطقة.

–  القرار( 147/36) بتاريخ 1980/12/16: حول إدانة السياسة الإسرائيلية ضد الطلبة وأعضاء هيئات التدريس الفلسطينية في المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبوجه خاص سياسة إطلاق النار على الطلبة العزل، والإدانة الشديدة لإسرائيل لمحاولاتها وتدابيرها الرامية إلى فرض الجنسية الإسرائيلية بصورة قسرية على المواطنين السوريين في الجولان المحتل.

– القرار( 146/36 ) بتاريخ 1981/12/16: حول السكان اللاجئين النازحين منذ عام 1967 وحقهم غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم.

– القرار(173/36) بتاريخ 1981/12/17: حول التأكيد أن جميع التدابير التي اتخذتها إسرائيل لاستغلال الموارد البشرية والطبيعية والثروات والأنشطة الاقتصادية في الأراضي العربية المحتلة- هي تدابير غير شرعية، ومطالبة إسرائيل بأن تضع حداً نهائياً وفورياً لجميع تلك الإجراءات.

– قرار الدورة الطارئة التاسعة بتاريخ 1982/2/5: حول قرار المقاطعة الكاملة لإسرائيل واستنكار الفيتو الأمريكي نتيجة قرار إسرائيل بفرض قوانينها وإداراتها وقضائها على الجولان السوري المحتل؛ والذي يعد هذا عملًا عدوانيًا باطلًا، ويدعو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى مقاطعة إسرائيل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً، ويستنكر بشدة الفيتو الأمريكي ضد قرار مجلس الأمن بهذا الخصوص.

مشروع السلام السعودي “مشروع الأمير فهد”

من خلال حديث أدلى به الأمير فهد بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي يوم 7/8/1981 لوكالة الأنباء السعودية طرح ثمانية مبادئ قال أنه يمكن الاسترشاد بها للوصول إلى تسوية عادلة لازمة الشرق الأوسط هذه المبادئ هي:

1- انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلت عام 1967 بما فيها القدس العربية.
 2- إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل على الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967.
 3- ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.
 4- تأكيد حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه وتعويض من لا يرغب في العودة.
 5- تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر.
 6- قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.
 7- تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.
 8- تقوم هيئة الأمم المتحدة أو بعض الدول الأعضاء فيها بضمان تنفيذ تلك المبادئ.
 وقد عرفت هذه المبادئ فيما بعد بـ(مشروع فهد للسلام) والذي أعلن في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في مدينة فاس المغربية عام 1982 ، لكن القمة لم تتبناه.

ردود الأفعال على مشروع فهد للسلام

 تفاوتت ردود أفعال الأقطار العربية على مبادرة فهد للسلام بين مؤيد لها ومشكك فيها ومنتظر إلى حين وهناك من رفضها وأدانها:

مواقف الدول العربية: بالنسبة لأقطار مجلس التعاون الخليجي والذي يضم إلى جانب المملكة العربية السعودية، كل من الكويت وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، فكانت من أوائل البلدان المرحبة بالمبادرة وأكدت موافقتها عليها في القمة الخليجية الثانية.
 ومن البلدان المؤيدة للمشروع كل من الأردن ومصر والسودان والتي أكدت على أن الأمر متروك للفلسطينيين وان ما يرضي الفلسطينيين يرضي السودان، كذلك من الأقطار المؤيدة للمشروع : جيبوتي، والصومال، والمغرب، وتونس التي دعت إلى تعديل الفقرات التي تعترض عليها باقي الأقطار العربية حتى يحصل المشروع على إجماع عربي.
أما سوريا واليمن الجنوبي والجزائر وليبيا فقد رفضت المبادرة، في حين صرح العراق بأنه مع الإجماع العربي في قمة فاس أيا كان هذا الإجماع غير أن العراق قد أعلن على لسان وزير خارجيته سعدون حمادي عدم الموافقة على المشروع لاعتبارات مبدئية وان العراق ضد أي قرار يتضمن الاعتراف بإسرائيل.

الموقف الفلسطيني: 

 فقد أعلن عنه فاروق القدومي رئيس الإدارة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية رفض المنظمة لأي قرار يعترف بإسرائيل سواء كان في مؤتمر وزراء الخارجية العرب أو في مؤتمر القمة العربية، أعلن فاروق القدومي ذلك قائلًا: “إن الظروف غير مناسبة لحل سلمي، وإن الفلسطينيين يرفضون النقطة السابعة في المشروع رفضًا قاطعًا”.

موقف المحتل:

كان  الموقف الإسرائيلي بشكل عام رافضاً للمشروع السعودي واعتبرته خطراً عليها، من خلال تصريح لمناحيم بيغن، وأصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانًا جاء فيه: “إن إسرائيل ترى في الاقتراح السعودي خطة لتدميرها على مراحل؛ وبموجب هذا الاقتراح، فإن الاعتراف بإسرائيل تبعاً لذلك ليس سوى وهم؛ وإن هذه الخطة تناقض اتفاقية “كامب ديفيد”. فيما رأت المعارضة الإسرائيلية في المشروع عنصراً ايجابياً ونقطة تحول في السياسة السعودية.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية:  لم تبد الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً يذكر بالمشروع ولكن بعد فترة أصبحت تتحدث عن النقاط الايجابية التي يحتويها المشروع، بالاستعداد للاعتراف بإسرائيل في الوجود، وان تعيش مع جيرانها بسلام، فأعلن الرئيس الأمريكي رونالد ريجان أن خطة فهد يمكن أن تكون خطوة جديدة ومفيدة من أجل التوصل إلى سلام دائم فى الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل وأن أهم جزء فى هذه الخطة هو اعترافها بإسرائيل كدولة تجرى معها مفاوضات وقال ألكسندر هيغ وزير الخارجية الأمريكي أن خطة فهد ذات النقاط الثمانى تنطوى على بعض المظاهر المشجعة ومن بينها الاعتراف الضمنى الصريح للغاية بحق إسرائيل فى الوجود، وبدأ الموقف الأمريكي أكثر وضوحاً عندما حددت النقاط المرفوضة في المشروع في تصريحات لاحقة.

الموقف السوفيتي: 

 وقالت مصادر فلسطينية أن الرئيس السوفيتي ليون يد بري جينيف وصف المشروع السعودي يشكل أساساً لقاعدة الحل السلمي لازمة الشرق الأوسط وان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات قد أطلع خلال زيارته لموسكو على وجهة نظر القادة السوفيت حول المشروع العربي.

موقف أوربا الغربية: فقد رحبت أوربا الغربية بالمشروع ولكن على طريقتها الخاصة التي ترضي الحق العربي، ولا تغضب إسرائيل ولعل مقولة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في مطار الرياض (بأن الصداقة التي مع العرب لا تقلل من صداقته لإسرائيل) يمثل موقف المجبر على التوازن بين الأعداء والأصدقاء.

 كما أعرب وزراء خارجية دول السوق الأوربية المشتركة خلال اجتماعهم في لندن 13/10/1981 عن تأييدهم لمبادرة الأمير فهد وأعلن وزير خارجية بريطانيا رئيس مجلس المجموعة الأوربية انه سيقوم بزيارة للمملكة العربية السعودية لإجراء مباحثات حول المقترحات السعودية الخاصة بتحقيق السلام في الشرق الأوسط. وفي تشرين الثاني/نوفبر 1981 وخلال زيارته للرياض وعلى الرغم من أنه أعلن أن له تحفظات على البند الخامس من المشروع السعودي وهو البند المتعلق باعتبار القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة، إلا أن بانتظار معرفة موقف القمة العربية من مقترحات السلام السعودية.

سحب المبادرة:

قامت السعودية بسحب مشروعها في قمة فاس في نوفمبر 1981؛ وذلك إثر الضغوط التي مورست عليها؛ حيث قال الناطق الرسمي وقتها: “نظراً لإيمان المملكة التام بأن أي استراتيجية عربية يجب أن تحظى بالتأييد الجماعي لكي تستطيع دفع الموقف العربي إلى الأمام؛ فقد قام الوفد السعودي بسحب المشروع مؤكداً لمؤتمر القمة أن المملكة العربية السعودية على استعداد تام لأن تقبل أي بديل يجمع عليه العرب.

العدوان على لبنان( 1982) (أطلقت عليه إسرائيل “سلامة الجليل”)

عدوان  لبنان 1982 ويسمى أيضا بـ”حرب لبنان” أو ما أطلقت عليه إسرائيل اسم ”عملية سلامة الجليل” و”عملية الصنوبر”.

كان هذا العدوان حربًا عصفت بلبنان، وأصبحت الأراضي اللبنانية مرة أخرى ساحة قتال بين منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا وإسرائيل.

زجت إسرائيل إلى لبنان ضعف عدد القوات التي واجهت بها مصر وسوريا في حرب أكتوبر، بالرغم من أن العدوان  الإسرائيلي الذي بدأ يوم 6 حزيران 1982 لم يكن أمرًا غير متوقعا؛ ولكن شدة المعارك والفترة الزمنية التي استغرقتها لم تكن في حسبان أي من الأطراف المتنازعة.  وكان الغزو اختبارًا عصيبًا للمؤسسات السياسية والحكومية المنهكة في لبنان.

بداية عام 1982 كانت بداية كالسنوات التي سبقتها منذ عام 1975؛ فلم تكن هناك في الأفق بوادر نهاية قريبة للحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت قبل 6 أعوام؛ وكان هناك صراع مستمر بين كتلة اليسار اللبناني المسلم والمقاتلين الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة- واللبنانيين المسيحيين وحزب الكتائب اللبنانية وإسرائيل من جهة أخرى، واستمرت خلال النصف الأول من عام 1982 صراعات عنيفة بين هذه الأطراف.

أحداث سبقت العدوان

سبق غزو لبنان 1982 تصاعد للقلق الإسرائيلي من تجمع قوات منظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان منذ وقف إطلاق النار الذي تم إبرامه في تموز 1981 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بوساطة المبعوث الأمريكي فيليب حبيب؛ واعتبرت إسرائيل تجمع أعضاء منظمة التحرير في الجنوب اللبناني تهديداً لأمن حدودها الشمالية.

وفي 21 نيسان1982 قصف سلاح الجو الإسرائيلي موقعًا لمنظمة التحرير في جنوب لبنان، وفي 9 أيار/مايو 1982 قصفت منظمة التحرير الفلسطينية بالصواريخ  شمال إسرائيل؛ ردًّا على ذلك؛ وتلا هذا القصف المتبادل محاولة لاغتيال سفير إسرائيل في بريطانيا (شلومو آرجوف) في 3 حزيران 1982؛  فقامت إسرائيل، بقصف منشآت ومواقع تابعة لمنظمة التحرير في قلب بيروت.   ومن الجدير بالذكر أن منفذي محاولة اغتيال شلومو أرجوف كانوا من جماعة أبو نضال المناهضة لياسر عرفات، والتي كانت تعرف باسم “فتح-المجلس الثوري” (توفي شلومو أرغوف عام 2003).  

في اليوم التالي لمحاولة الاغتيال والقصف الإسرائيلي لبيروت؛ قامت منظمة التحرير بقصف شمال إسرائيل مرة أخرى؛ وقتل في هذا القصف إسرائيلي واحد.

 في 5 – 6 حزيران 1982 بدأت إسرائيل حملة قصف جوي ومدفعي كثيف على صيدا والنبطية والدامور وتبنين وعرنون وقلعة شقيف؛ ودخل الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية في 6 حزيران 1982 مجتازًا المواقع التي كان يشغلها 7000 جندي تابعين لقوات الأمم المتحدة بكل سهولة.

الأهداف والدعم الأمريكي

قدم رونالد ريغان (الرئيس الأمريكي وقتها) الغطاء لإسرائيل في هجومها؛ حيث أعطى لإسرائيل الضوء الأخضر لتدمير منظمة التحرير، وأكدت إسرائيل للأمريكيين أنها ستدخل لبنان لمسافة لا تتجاوز 30 كيلومترا لتحقيق أمنها والدفاع عن نفسها.   وكان ريغان لا يمانع في القيام بعملية سريعة تكون بمثابة درس قوي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولسوريا حليفة الاتحاد السوفيتي الشيوعية؛ حيث صرح دافيد كمحي بأنه لم يكن لدى واشنطن مقاومة قوية لخطط أرئيل شارون، وأن الولايات المتحدة لم تستطع منع إسرائيل من الهجوم.   وفي مقالة في واشنطن بوست مع شارون قال هيج: إننا نفهم أهدافكم، ولا نستطيع أن نقول لكم لا تدافعوا عن مصالحكم.   وقام وزير الخارجية الأمريكي (الجنرال الكسندر هيغ) بإخبار شارون عن الحاجة إلى استفزاز واضح كذريعة للعدوان يعترف بها العالم؛ بهدف شنّ الهجوم.   ويرى البعض أن عملية أبو نضال في محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن جاءت في اللحظة المناسبة تماما بصورة غريبة، وشكلت ذريعة إسرائيلية للهجوم على المقاومة في لبنان. 

قاد العمليات الإسرائيلية أرئيل شارون (وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت) في الحكومة التي رأسها مناحيم بيغين، وأعلن وقتها أن السبب هو دفع منظمة التحرير الفلسطينية وصواريخ الكاتيوشا إلى مسافة 40 كيلومترًا عن حدود إسرائيل. 


تعدلت الأهداف لاحقًا؛ حيث أعلن الناطق الرسمي للحكومة الإسرائيلية (آفي بارنز) أن أهداف إسرائيل هي:

• إجلاء كل القوات الغريبة عن لبنان، ومن ضمنها الجيش السوري. 
• تدمير منظمة التحرير الفلسطينية. 
• مساعدة القوات اللبنانية على السيطرة على بيروت، وتنصيبها كحكومة لبنانية تملك سلطة وسيادة على كامل التراب اللبناني. 
• توقيع اتفاقية سلام مع الحكومة اللبنانية؛ لضمان أمن المستوطنات الإسرائيلية الشمالية.

المقاتلون الفلسطينيون

كان معظم المقاتلين الفلسطينيين مسلحين تسليحا خفيفًا؛ ما جعلهم يستعملون أسلوب المقاومة وحرب العصابات.

بيروت المحاصرة

تفاجأ ياسر عرفات بوصول برقية من الجنوب تنبئ بأن القوات الإسرائيلية تعدت صور شمالا؛ وبسرعة جورج حاوي نقل عن عرفات قوله: ده مش ممكن، لا، مستحيل، واتصل مع الحاج إسماعيل ليستفهم منه عن الأوضاع؛ إلا أن الحاج إسماعيل كان منشغلاً بإخراج القوات من صيدا بسبب محاصرة الإسرائيليين لها.  

تفاجأ الجميع بحجم الاجتياح، بالرغم من أن بشير الجميل كان قد أكد في أكثر من مرة أن القوات الإسرائيلية قادمة.( يعزى ذلك التوقع في تفاجأ أبو عمار ، إلى خطاب ريغان الذي أكد أن الاجتياح  سيكون محدودًا بثلاثين كيلومترًا.)

تشكل في 14 يونيو 1982 ما عرف باسم “القيادة المشتركة للقوات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية” أو “هيئة الإنقاذ الوطني في بيروت” بدعوة من الرئيس اللبناني (الياس سركيس) ضمت زعماء الطوائف الرئيسية في لبنان وكتيبتين سوريتين استمرتا في القتال،  على الرغم من توقيع سوريا اتفاقية الهدنة.   وكان هدف هيئة الإنقاذ هو منع تفاقم أزمة المواجهة المسلحة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ ولكن وبصورة تدريجية أصبحت هيئة الإنقاذ هذه عاجزة عن إنجاز أي نتيجة ملموسة؛ وبعد 9 أيام من تشكيلها انسحب وليد جنبلاط منها واصفا إياها “بهيئة دفن القتلى”.

مع اقتراب نهاية فترة حكم الرئيس اللبناني الياس سركيس؛ تم تنظيم انتخابات رئاسية في بيروت، وقام البرلمان اللبناني في 23 أغسطس 1982 بانتخاب بشير الجميل رئيسًا بإجماع 57 صوتًا وامتناع 5 عن التصويت، وعدم اشتراك أغلبية الكتلة المسلمة في البرلمان الذي اعتبر الجميل حليفًا لإسرائيل؛ وقبل 9 أيام من تسلم الجميل مهامه الرئاسية وفي 14 سبتمبر 1982؛ تم اغتياله بقنبلة موقوتة؛ وبعد أسبوع وفي 21 سبتمبر 1982؛ انتخب البرلمان اللبناني شقيقه (أمين الجميل) رئيسًا الذي قام بتوجيه دعوة إلى زعيم الكتلة المسلمة ورئيس الوزراء شفيق الوزان (1925 – 1999) بالبقاء في منصبه كرئيس للوزراء؛ في محاولة من الجميل لتضييق الفجوة وتوحيد الصفوف.  وعلى الصعيد الاقتصادي؛ انخفضت قيمة الليرة اللبنانية إلى مستويات متدنية، وظهرت بوادر عجز الحكومة اللبنانية في فرض الضرائب، ووصلت نسبة التضخم إلى مابين 20% و30%؛ وتم تدمير البنية التحتية في لبنان بشكل واسع النطاق. 

وفي 13 يونيو قامت القوات الإسرائيلية ومليشيا بشير الجميل بمحاصرة بيروت، حتى 28 أغسطس.  وطوال فترة الحصار؛ قامت القوات الإسرائيلية بقصف بيروت من البر باستعمال المدفعية ومن الجو والبحر؛ ما أدى إلى تسوية معظم المدينة بالأرض، وقتل أكثر من 30000 مدني لبناني، وإصابة أكثر من 40000 شخص، ونزوح أكثر من نصف مليون شخص عن بيروت؛ وفي فترة الست وسبعين يومًا استمرت إسرائيل بمنع المعونات الدولية والإنسانية عن بيروت.   وصرحت إسرائيل أن مسؤولية الوفيات والدمار الذي أصاب البنية التحتية والخسائر البشرية هو استعمال منظمة التحرير الفلسطينية المدنيين كدروع بشرية، واستعمال منازل المدنيين كمعاقل للقتال؛ ما اضطرها (إسرائيل) مرغمة على القصف لتدمير البنية التحتية التي يمكن أن يستعملها المقاتلون (المخربون حسب تعبير إسرائيل).  

استعملت إسرائيل في هجومها على بيروت أسلحة محرمة دوليًا، بدءًا من القنابل العنقودية والفسفورية، ومرورًا بالنابالم وألعاب الأطفال المفخخة، وانتهاء بقنابل بخار الوقود.   وأعاد كل من رونالد ريغان وهنري كسنجر التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.   وتم منع جميع المبادرات التي قدمت لإيقاف القتال.  وانتهى الحصار بمسح كامل لثلث بيروت من الخارطة.

الجيش اللبناني

لم يتدخل في الصراع نهائيًا وبقي على الحياد.  

الجيش السوري

لم تدخل القوات السورية القتال إلى أن قام سلاح الجو الإسرائيلي بقصف 14 بطارية للصواريخ من طراز سام 2، 3، 6 روسية الصنع، من أصل 19 بطارية كانت سوريا قد نصبتها في لبنان، ولحقت أضرار بأربع بطاريات أخرى؛ على أثر ذلك تم صدام في الجو بين ما يقارب 200 طائرة سورية، وما يقاربها من الإسرائيلية، وتم تدمير قرابة 40 طائرة سورية في يوم واحد؛ ما أمن السيطرة الجوية لإسرائيل بعد معركتين أرضيتين سريعتين، وقامت سوريا بتوقيع هدنة في يوم 11 يونيو معلنة توقفها عن القتال.

 نتائج العدوان

قدم رونالد ريغان ضماناً شخصياً للمقاتلين الفلسطينيين بالحفاظ على أمن عائلاتهم إذا ما غادروا إلى تونس، واضطرت إسرائيل إلى الموافقة على خروج المقاتلين تحت حماية دولية مكونة من 800 جندي مارينز أمريكي، و800 جندي فرنسي و400 جندي إيطالي. غادر 14,614 مقاتلًا فلسطينيًا بيروت إلى تونس تحت الحماية الدولية.

 على الجانب الآخر قُتل في الفترة ما بين 5 يونيو 1982 وحتى 31 مايو 1985 1,216 جندي إسرائيلي. على الصعيد السياسي، أوفت إسرائيل بوعودها وبضغط أمريكي لبشير الجميل حيث أصبح رئيسًا للبنان إلا أنه في 14 سبتمبر تم اغتياله هو و25 من طاقمه بتفجير ضخم استهدف مقره.

تغيرت الخريطة السياسية اللبنانية بصورة جذرية بعد الغزو الإسرائيلي؛ فبالرغم من أن الميليشيات المسيحية اللبنانية لم تشترك فعليا في القتال إلى جانب الجيش الإسرائيلي؛ إلا أنها انتشرت وهيمنت على المناطق التي كانت تحت سيطرة إسرائيل، وخاصة في الجنوب اللبناني الذي هيمنت عليه حزب الكتائب اللبنانية.

 وقامت إسرائيل أثناء الغزو بنزع سلاح المجموعات الدرزية التي كانت في صراع مسلح مع حزب الكتائب.
عمل حزب الكتائب اللبنانية بقيادة بشير الجميل جاهدا على نزع سلاح الفلسطينيين في سائر أنحاء لبنان.
تمكنت حركة فتح من أسر ستة جنود إسرائيليين، تمت مبادلتهم لاحقًا بخمسة آلاف معتقل لبناني وفلسطيني تم احتجازهم في معتقل أنصار في جنوب لبنان.

استناداً إلى أرقام وزارة الخارجية الأمريكية توزع مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية على الشكل التالي:
970  مقاتلًا إلى تونس.  
261  مقاتلًا إلى الأردن.  
136  مقاتلًا إلى العراق.  
1، 93مقاتلًا إلى اليمن الجنوبية
841  مقاتلًا إلى اليمن الشمالية
448  مقاتلًا إلى السودان.  
588  مقاتلًا إلى الجزائر.  
3900 مقاتل إلى سوريا.  

قمة فاس الثانية

في 6 سبتمبر 1982 عاد مجلس الجامعة العربية ليعقد قمته الخامسة عشر الطارئة في فاس، بعد أشهر من الاجتياح الإسرائيلي؛ وشاركت بالقمة 19 دولة عربية، بغياب كل من ليبيا ومصر؛ وتم إقرار مشروع السلام الذي تقدمت به السعودية باعتماد المبادئ التالية:
1. انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 بما فيها القدس العربية.
2. إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية بعد عام 1967.
3. ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.
4. تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي والوحيد، وتعويض من لا يرغب في العودة.
5. تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة إنتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة، ولمدة لا تزيد على بضعة أشهر.
6. قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.
7. يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات السلام بين جميع دول المنطقة بما فيها الدول الفلسطينية المستقلة.
8. يقوم مجلس الأمن الدولي بضمان تنفيذ تلك المبادئ”.

مذبحة صبرا وشاتيلا

بعد صمود القوات الفلسطينية والقوات الوطنية اللبنانية لمدة شهرين، قام المبعوث الأمريكي فيليب حبيب بالتوسط بين الطرفين، وقد توصل الأطراف إلى اتفاق نص على انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت تحت إشراف قوات متعددة الجنسية والتي ستحل مكان قوات المنظمة.

 وقد تضمنت اتفاقية حبيب تسليم بيروت الغربية للجيش اللبناني، وتعهد حبيب باسم دولته ( الإدارة الأمريكية) بضمان سلامة المدنيين الفلسطينيين في المخيمات بعد خروج القوات الفلسطينية منها. انتهت عملية إخراج عناصر منظمة التحرير من بيروت في 1 أيلول 1982 .

في 10 أيلول 1982 تركت القوات متعددة الجنسية بيروت، في اليوم التالي أعلن شارون أن” 2000 إرهابي قد بقوا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في منطقة بيروت.”

في يوم الأربعاء 15 أيلول، اليوم الذي تلا اغتيال الرئيس بشير جميل، قامت القوات الإسرائيلية باحتلال بيروت الغربية ومحاصرة مخيمات صبرا وشاتيلا، بعد أن اخرج جميع أعضاء المقاومة المسلحة وتعدادهم تقريبا 14000 مقاتل من بيروت وضواحيها، والذين كانوا يضمنون امن وأمان أهالي المخيمات.

يتفق المؤرخون والصحفيون أن الاتفاق بين القيادة العسكرية الإسرائيلية وحزب الكتائب اللبناني لتنظيف المخيمات الفلسطينية تم في اجتماع بين ارئيل شارون وبشير الجميل في بكفيه بتاريخ 12 أيلول.

صرح شارون في 9 أيلول انه كان ينوي إدخال قوات الكتائب إلى بيروت الغربية، ويؤكد في كتاب مذكراته انه ناقش العملية مع الجميل في اجتماع بكفيه.

في تصريحاته للكنيست بتاريخ 22 أيلول 1982، صرح شارون أن قرار دخول الكتائب للمخيمات تم يوم الأربعاء 15 أيلول 1982 في الساعة الثالثة والنصف عصرا. صرح شارون أيضا للجنة كاهان الإسرائيلية التي قامت بتقصي حقائق المجزرة انه قد اصدر القرار التالي للقيادة العسكرية الإسرائيلية  ” يمنع على الجيش الإسرائيلي دخول المخيمات؛ لأن الكتائب والقوات اللبنانية ستقوم بعملية تنظيف المخيمات.”
عندما حل فجر يوم 15 أيلول 1982، حلقت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي على ارتفاعات منخفضة في سماء بيروت الغربية، وقد أعلنت القوات الإسرائيلية دخولها المنطقة وإحكام السيطرة عليها.

بدءا من الساعة التاسعة صباحا تواجد الجنرال شارون شخصيا لإدارة العملية وتوجيه القوات الإسرائيلية. وقد كان متمركزا في المنطقة العسكرية على مفرق السفارة الكويتية على حواف مخيم شاتيلا في الطابق السادس من عمارة مطلة على مخيمي صبرا وشاتيلا المجاورين.

عندما حل منتصف النهار، كان المخيمان محاصرين تماما من قبل القوات الإسرائيلية بجنودها ودباباتها والتي وضعت الحواجز لمراقبة كل من يدخل ويخرج من منطقة المخيمات، ومع بداية عصر اليوم قامت القوات الإسرائيلية بقصف المخيمات بمدفعيتها.

في 16 أيلول 1982، كان الجيش الإسرائيلي مسيطرا على بيروت الغربية بالكامل، اصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بيانا صحفيا أعلن فيه أن ” الجيش الإسرائيلي يسيطر على جميع النقاط الإستراتيجية في بيروت وان مخيمات اللاجئين المليئة بالإرهابيين محاصرة.”

في ساعات الصباح قامت عناصر الجيش الإسرائيلي بالقصف المدفعي للمخيمات من مناطق مرتفعة محيطة بها، وقام القناصة الإسرائيليون بقنص من تواجد في شوارع المخيم.

في منتصف النهار سمحت القيادة العسكرية الإسرائيلية لقوات الكتائب أن تدخل المخيمات. في الساعة الخامسة مساء دخل ما يقارب 150 عنصر مسلح من حزب الكتائب اللبناني إلى مخيم شاتيلا من الجنوب والجنوب الغربي.

عندما دخلت قوات الكتائب، اتصل الجنرال دروري بآرئيل شارون واخبره ” ان أصدقاءنا يتقدمون في المخيمات، بعدما رتبنا لهم دخولهم.” فرد عليه شارون: ” مبروك! عملية أصدقائنا موافق عليها “.

في الأربعين ساعة التي تلت، قام عناصر الكتائب باغتصاب وقتل وجرح عدد كبير من المدنيين اغلبهم من الأطفال والنساء وكبار السن المحاصرين في المخيمات.

ترافقت هذه الجرائم مع عمليات اختطاف جماعية دعمتها القوات الإسرائيلية والتي أدت إلى اختفاء العشرات والذين لا يزالون في عداد المفقودين.

كانت قيادة الجيش الإسرائيلي على اطلاع كامل بما يجري داخل المخيمات حتى صباح يوم السبت 18 أيلول 1982. وكان الضباط المسؤولون يتواصلون بشكل مستمر مع قيادة ميليشيا الكتائب الذين ارتكبوا المجزرة، لكنهم لم يتدخلوا لإيقافها؛ بل على العكس تماما فقد منعوا المدنين من الهروب من المخيمات وساعدوا قوات الكتائب بإضاءة السماء لهم خلال ساعات الليل والصباح الباكر من خلال الانارات العسكرية.

تقديرات عدد ضحايا المجزرة تترواح ما بين 700 (حسب التقرير الرسمي الإسرائيلي)، و3500 حسب تقديرات توصل لها تحقيق الصحفي الإسرائيلي ” آمنون كابليوك ” .

يصعب معرفة عدد الضحايا بدقة لأن هناك 100 شخص تقريبا  تم دفنهم في قبور جماعية من قبل الصليب الأحمر في مقابر بيروت من قبل أهاليهم، ولان هناك عددا كبيرا من الجثث التي دفنت تحت ركام البيوت المهدومة من قبل ميليشيا الكتائب أنفسهم، هذا بالإضافة إلى مئات الأشخاص الذين اختطفوا وهم على قيد الحياة إلى أماكن مجهولة ولم يعودوا ولم يعرفهم مصيرهم.
 
لم يقم المجتمع الدولي أو دولة لبنان أو إسرائيل بتحقيق رسمي في تفاصيل المجزرة. بعد أن خرج 400.000 إسرائيلي ليتظاهروا عند سماع خبر المجزرة من مصادر الاعلام الدولية، عينت الكنيست الإسرائيلي لجنة تحقيق تحت إشراف إسحاق كاهانا في أيلول 1982. ورغم تقليص صلاحيات هذه اللجنة التي أخذت طابعا سياسيا وليس قانونيا كونها همشت أصوات الضحايا، توصلت إلى استنتاج مفاده أن وزير الدفاع يتحمل مسؤولية شخصية عن المجزرة.
 
بعد إصرار اللجنة، وعلى اثر المظاهرات الحاشدة، استقال شارون من منصبه كوزير دفاع ولكنه بقي في الحكومة كوزير دون ملف.
رغم الإدانة الفاضحة عما سماه مجلس الأمن بالمجزرة الإجرامية واعتبار مجزرة صبرا وشاتيلا من أفظع جرائم القرن العشرين في الذاكرة الجماعية للإنسانية، الا انه لم يتم محاكمة الرجل الذي وجدته حكومته مسؤول بشكل شخصي عن هذه الجريمة، ولا أولئك الذين شاركوه والذين ارتكبوا المجزرة بشكل مباشر، على جريمتهم.

معارك “القرار الوطني المستقل”

بذور انشقاق “فتح”

إن العلاقة التنظيمية الفكرية لبعض الفصائل الفلسطينية مثل  (منظمة الصاعقة وبعض الشخصيات الوطنية القيادية والقيادة العامة وبعض الشخصيات والمجموعات مع الحزب الحاكم في سوريا (حزب البعث السوري) والنظام في سوريا سياسيًا وأمنيًا- دفع بأن تظل العلاقة ما بين م ت ف وبين النظام السوري ما بين الفتور والقوة؛ أي “علاقة ملتبسة”.

إقامة سوريا و”م ت ف” يوم 27/2/1982عام 82 اتفاقًا مثَّل (تحالفًا استراتيجيًا ضد أي عدوان). كانت سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية قد حققتا انجازا هاما بإقامة “التحالف الاستراتيجي السوري- الفلسطيني” وفق تمثل  وفد حركة “فتح” برئاسة أبو إياد، ووفد حزب البعث برئاسة عبد الحليم خدّام؛ حيث تم التوافق على”تعزيز التلاحم السوري- الفلسطيني لمواجهة الخطة الأمريكية التي تستهدف ضرب جبهة الصمود، والقضاء على م.ت.ف عبر ضرب سورية”.   ولم تشارك القوات السورية في الحرب وفق ما توقع الفلسطينيون؛ وبالرغم من مشاركة جادة وسقوط مئات الشهداء من الجيش السوري،غير أن سوريا التزمت بوقف إطلاق النار بالرغم من تواصل العدوان وإطلاق النار من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ ما خيب آمال الفلسطينيين.

أدى الموقف السوري إلى ارتياب القيادة الفلسطينية؛ ثم تطور الجفاء إلى خصومة تعززت عندما “أخذت وسائل الإعلام السورية ومنذ وقف إطلاق النار في 25/6/1982 بتجاهل أخبار الحصار ونشاطات قيادة “م.ت.ف”؛ الأمر الذي خلق بدوره أجواءً متوترة على صعيد العلاقات الفلسطينية-السورية”.

بالرغم من أن رموز قيادة فتح، مثل أبو إياد، تفهمت مطالب المعرضين من حركة فتح (قبيل الانشقاق)إلا أن قيادة فتح احتجت على الشكل والأسلوب الذي قدمت فيه هذة الانتقدات والمطالب على اعتبار أن هذه الطريقة من عرض المطالب تساهم في إذكاء بذور الخلافات الفتحاوية الفتحاوية في مرحلة الثورة الفلسطينية، التي هي في غنى عن هذه الخلافات وهي “الثورة “في أمس الحاجة إلى الوحدة والتماسك.

وكانت الرموز الموالية لسورية في “فتح” معروفة، وكانت اتصالاتها مع سورية مكشوفة، وكان في مقدمتها الأربعة: نمر صالح (أبو صالح)، وسميح كويك (قدري)، ومحمد سعيد مراغة (أبو موسى)، وأبو خالد العملة.  ولم يكن صعباً على سورية إقناع هذا الاتجاه بموقفها من الحرب، ومفاده أن أحد أهداف إسرائيل من حرب 1982 يتمثل في “إسقاط النظام التقدمي في سورية”، وأن “المحاولات المتكررة لياسر عرفات لتوريط سورية في الحرب يراد منها تحقيق هذا الهدف، وتعبيد الطريق أمام ياسر عرفات وأتباعه للانخراط في عملية التسوية الأمريكية والقضاء على إرادة المواجهة والصمود والتصدي التي تمثلها سورية”.

وذكر خليل الوزير (أبو جهاد)، نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية أن “هناك خلافات في وجهات النظر بين م.ت.ف وسورية بشأن بعض المسائل التكتيكية”.  ولكنه، في سياق تصريح له نشرته جريدة السفير البيروتية (14/1/1983) “ندّد بالذين يريدون بذر الشقاق بين سورية وم.ت.ف، وألمح إلى وجود تفسيرات مختلفة بين السوريين والفلسطينيين بشأن التحرك السياسي في المنطقة”.

وقد ألقى أبو موسى كلمة أمام المجلس المركزي لحركة فتح الذي انعقد في دمشق بتاريخ 17/1/1983؛ حيث تضمنت نقداً صريحاً للقيادة، إضافة إلى عدد من المطالب السياسية منها: وقف الحوار الفلسطيني- الأردني، ووقف الاتصالات مع النظام المصري، ورفض مشروع ريغان، ووقف الاتصالات مع القوى والأحزاب الإسرائيلية التي تتم بمسوغ؛ كونها تقدمية وديمقراطية وترفض الاحتلال.  وبالرغم أن مداخلته نوقشت جديًا غير أن نشرها في كتيب وتعميمها خارج اطر فتح كان بمثابة شرارة تضاف إلى لهيب الانشقاق الذي بدا يتفجر.

وبعد حوارات طويلة من أبو إياد وأبو جهاد وآخرون لرأب الصدع فقد دفعت فتح ثمنًا غاليا نتيجة رحابة الصدر في التعامل مع التسيب والتجاوزات التنظيمية وخاصة التي كان يقودها  نمر صالح؛ ما اضطر الحركة إلى فصل نمر صالح “أبو صالح”من قائمة مندوبي الحركة للدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني؛ وذلك لإمعانه في التسيب التنظيمي منذ خروج قوات الثورة من بيروت صيف 1982، وشروعه في التحضير للتمرد في السر والعلن.  وكان نمر صالح يعتز بانحيازه إلى موقف سورية في معادلة الخلافات الفلسطينية-السورية.

وقائع الانشقاق

في التاسع من أيار- مايو 1983 جاء الإعلان الرسمي للانشقاق على شكل تعميم موقع باسم “القيادة العامة لقوات العاصفة”، وموجه إلى كافة الأجهزة والأقاليم.  وتضمن التعميم عدداً من المسوغات التنظيمية والسياسية التي استوجبت التمرد؛ لأنه “لم يكن هناك سوى هذا الأسلوب من أجل لجم اندفاعة التسوية السياسية داخل قوات العاصفة ولتصحيح مسيرة الثورة على كافة الأصعدة”.

 وأعلن في البقاع اللبناني انشقاق حركة “فتح” عملياً ورسمياً من قبل مجموعة من كوادر حركة “فتح” التي رفضت الالتزام بقرار التشكيلات العسكرية الجديدة لإعادة تنظيم القوات وفق متطلبات بنية الجسم العسكري للحركة في إطار قوات الثورة الفلسطينية في مرحلة ما بعد بيروت 1982. 

كانت حركة فتح بعد عام 82 تشهد مراجعات نقدية جادة، ولم يكن إصلاح وضع حركة “فتح” همّ المنشقين  دون غيرهم، ويذكر في هذا السياق مثلاً أن صلاح خلف (أبو إياد)، (عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”) أعرب عن “تأييده للفكرة بقوله: “كل كوادر فتح تريد الإصلاح والتطوير، وكل مطالب مجموعة العقيد أبو موسى، وقدري، وأبو صالح حقيقية وصحيحة، ولكن الأسلوب الذي اختاروه للتعبير عن مطالبهم ليس صحيحاً، وقد يستفيد منه أعداء الثورة الفلسطينية”. 

لقيت المطالب التي طرحها المتمردون في معظمها تعاطفاً من أوساط واسعة داخل حركة “فتح” وفصائل العمل الوطني، ومن قطاعات عديدة في المجتمع الفلسطيني؛ ولكن جميع المتعاطفين انتقدوا الأسلوب الذي تم اتباعهُ لتحقيق هذه المطالب، خصوصاً عندما بدأت المجموعة تصعّد في تحركها لتبلغ درجة الانشقاق، وعندما بدؤوا يستخدمون القوة للسيطرة على بعض المواقع العسكرية للحركة في البقاع، وبعض المراكز والمكاتب الحركية في دمشق، حيث أدان المتعاطفون الوسيلة، وتوجسوا خيفة من المصير الذي يمكن أن تؤول إليه الحركة ومنظمة التحرير في هذه الظروف.

تسبّب لجوء المنشقين إلى اعتماد “فتح الانتفاضة” اسماً رسمياً لهم، وإلى استخدام السلاح لحسم الوضع لصالحهم بدءاً من مطلع حزيران – يونيو 1983 في تفجير الخلاف بين قيادة حركة “فتح” والقيادة السورية ومعها القيادة الليبية بسبب دعمهما للانشقاق وتمويله وتسليحه والدفاع عنه. 

وفي سياق المواجهة السياسية والإعلامية بين منظمة التحرير والحكومة السورية اتخذت القيادة السورية بتاريخ 24/6/1983 قراراً بإبعاد ياسر عرفات وخليل الوزير عن أراضيها، واعتبارهما “شخصين غير مرغوب فيهما”؛ الأمر الذي فاقم سوء العلاقات بين الأشقاء، وارتفعت حدة الاتهامات المتبادلة واتسع نطاقها بشكل غير مسبوق.

وبدءاً من أواسط حزيران- يونيو 1983، أخذت الفصائل الفلسطينية تحدد موقفها بصيغة واضحة؛ فحيث هي “تدعم مطالب الإصلاح الديمقراطي، فإنها تحذر في الوقت نفسه من خطر اللجوء إلى الاقتتال، وتؤكد على أهمية وحدة حركة “فتح” ووحدة م.ت.ف” وترفض بأي شكل حسم الخلافات بالقوة المسلحة أو التحرك بناء على أجندة غير فلسطينية (في إشارة إلى دعم سوريا وليبيا للانشقاق). 

فقد أطلق الدكتور جورج حبش (أمين العام الجبهة الشعبية) مطالب الجبهة الإصلاحية لمنظمة التحرير منطلقاً من هذا الموقف كقاعدة نحو التأكيد على “أن الأساس في أزمة أي تنظيم هي العوامل الداخلية وبعد ذلك تأتي العوامل الخارجية…  وإن أي إصلاح ديمقراطي يأخذ شكل الانشقاق سيؤدي إلى نتائج عكسية؛ وبالتالي لا بد أن تتم عملية الإصلاح في صفوف فتح على قاعدة وحدة فتح”.
واقترب موقف الحزب الشيوعي الفلسطيني من الانشقاق من موقف الجبهة الشعبية؛ وحدد الشيوعيون موقفهم بشكل أدق بقولهم: “إننا نقف ضد أي انشقاق في صفوف حركة “فتح”، ونرفض بشكل قاطع الاحتكام إلى السلاح لحسم الخلاف”.

حصار طرابلس

دعمت سوريا علنًا الانشقاق، وهاجمت معسكرات فلسطينية رفضت الانضمام للمنشقين، وعند تصاعد الاشتباكات؛ انعقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير في تونس (3-7/8/1983) لمناقشة الوضع المتفجر في الساحة على ضوء أحداث الانشقاق وموقف سورية من “فتح” ومنظمة التحرير الفلسطينية.  وكان من بين ما اتخذه المجلس تشكيل: “لجنة 18” التي عهد إليها عمل ما يلزم من أجل استعادة وحدة “فتح”، وحماية م.ت.ف من خطر الانشقاق الداهم، وتطبيع العلاقات الفلسطينية-السورية.

وبعد محاصرة عنيفة لقوات فتح في طرابلس من قبل المنشقين، حيث كان أبو جهاد من بين المحاصرين، وصل الرئيس ياسر عرفات إلى طرابلس في شمال لبنان فجأة بعد ظهر يوم 16/9/1983، وصرّح على بأن “الثورة الفلسطينية هي ثورة عملاقة، ولا يستطيع أن يحتويها أحد، ولا يستطيع أن يسيطر عليها أحد.  وسنحافظ على قرارنا الوطني المستقل، ولسنا إقليميين، ونحن ندعم القرار الوطني اللبناني”.   وكان وجود أبو عمار بين الفتحاويين عامل كبير في ارتفاع الروح المعنوية لديهم.  بالرغم من ذلك انتقدت سوريا مجيء أبو عمار المفاجي إلى طرابلس وعززت دعمها للمنشقين.

 قاد ياسر عرفات المعركة عسكرياً وسياسياً من مقر قيادة أركانه في مخيم نهر البارد، عبر مطبخه السياسي الذي يؤلفه في العادة وفق فهم خاص به.  وحرص، كما في كل معركة يخوضها، على تعزيز غرفة عملياته بآلية عملانية خاصة تستدعي بناء أجهزة ميدانية تكاملية مع الأجهزة المركزية، مثل: الصحة، والشؤون الاجتماعية، والمالية، والإعلام.

استمرّت الحرب على الشرعية الفلسطينية في طرابلس شمال لبنان متواترة على امتداد الربع الأخير من عام 1983، وكانت، كلما خبا صوت المدافع فيها ترتفع نبرة الشعار حول “المرجعية البديلة” و”منظمة التحرير الفلسطينية الأخرى الثورية” واتهام ياسر عرفات مرة بالخيانة، ومرة بالتنسيق مع الأردن وإسرائيل.  ..(“فلسطين الثورة” 12/11/1983) 

وفي الوقت الذي كانت فيه العمليات الحربية تزداد ضراوة، قامت القوات الإسرائيلية بعمليات قصف بحري على المواقع الفلسطينية في طرابلس، وترافقت تلك العمليات بمحاولة إنزال بري من قبل القطع البحرية الإسرائيلية نهار يوم 14/12 وليل 15/12/1983.  وقام الرئيس عرفات على أثر ذلك بتوجيه نداء عاجل إلى سورية يدعوها للتعاون لمواجهة العدوان الإسرائيلي؛ وتساءل عرفات حينها بمرارة: “هل يقبل الرئيس السوري والعرب حصارنا منهم ومن الإسرائيليين في وقت واحد!”.

بدأت تحركات الوساطة لفك الحصار وإنهاء حالة الحرب بتوافد عدد من الوفود والشخصيات الفلسطينية والعربية على مقر عرفات في طرابلس.  وكان من أبرزها زيارة وفد المعارضة المصرية الذي أعلن أنه “جاء ليعلن عن مساندته الكاملة لشرعية قيادة م.ت.ف ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني”.  وأجرى الوفد اتصالاته مع الحكومة المصرية حول إمكانية مشاركتها في المساعي الجارية لرحيل عرفات والقوات الفلسطينية بسلام وحماية دولية من طرابلس.  وكان موقف الحكومة المصرية إيجابياً على هذا الصعيد، إذ أبدت استعدادها لتوفير حماية مصرية بحرية وجوية لهذه العملية.

انقسام المنظمة، زيارة مصر، وإعادة لحمة م- ت – ف

لم يعلن أبو عمار عن وجهته حين غادر  ورفاقه ميناء طرابلس على متن الباخرة اليونانية أوذيسيوس إيليتس؛ لكنه أعلن لاحقًا  من على متن الباخرة أنه سيزور القاهرة.  وعندما دخلت أوذيسيوس قناة السويس صباح يوم 22/12/1983، كانت أخبار وصول أبو عمار إلى القاهرة بعد طرابلس حديث الدنيا، وكانت استشرافات الخطوة التالية للوصول كثيرة ومتباينة؛ ولكنها تشي جميعها بتحول ما في موقف عرفات من الاصطفافات العربية.  وحسم الشك باليقين في اليوم نفسه (22/12) عندما قام أبو عمار بزيارة إلى القاهرة، واستقبله الرئيس مبارك وعقدا اجتماعاً منفرداً استغرق ساعة وخمسين دقيقة، خرج بعدها الرئيس مبارك ليبلغ الصحافيين “أنه اجتمع مع عرفات بصفته زعيماً معتدلاً للفلسطينيين، ومشيراً إلى أن مصر لن تتردد في دعم القضية الفلسطينية بكل إمكانياتها”. 

مواقف من زيارة أبي عمار للقاهرة

صعقت زيارة أبو عمار للقاهرة كل الأطراف وأثارت الجدل حول دوافعها ومراميها ونتائجها وتداعياتها.  وكانت المواقف منها متفاوتة ومتناقضة وملتبسة ومبهمة. 
– رأتها إسرائيل خرقاً لاتفاقية كامب ديفيد.
– الولايات المتحدة، رحبت بها ورأت فيها خطوة قد تساعد على إحياء مبادرة الرئيس رونالد ريغان للسلام في الشرق الأوسط.
– الدول الأوروبية وخصوصاً فرنسا وبريطانيا استقبلت الزيارة باهتمام كبير، ورأت فيها تأسيسا لمنظومة استقطاب معتدل في المنطقة العربية يمكن العمل معه بإخلاص لتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه.

   سوريا: هاجم الإعلام السوري الزيارة متهما عرفات “بالخيانة الوطنية والالتحاق بنهج كامب ديفيد”.  وطالب “بتصعيد مواجهة الخط العرفاتي وامتداداته وتمثلاته على الساحة الفلسطينية”.  وانحازت ليبيا إلى الموقف السوري من عرفات ومن الزيارة.

– الساحة الفلسطينية:  أحدثت الزيارة تأثيراً صاعقاً على الساحة الفلسطينية؛ فاللجنة المركزية لحركة “فتح” عقدت اجتماعاً مكرساً لهذا الحدث في تونس (31/12/1983-4/1/1984) صدر عنه بيان انتقد الزيارة بشدة.  وقد رأى محللون  وسياسيون لاحقًا أنها خطوة حكيمة وجريئة ساهمت لاحقًا ببقاء الحضور السياسي والوطني ل م –ت-ف وقد أيد كثيرون الخطوة في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 87  بعد أن عارضوها في حينها.
وقد تسببت هذه “الصعقة” في حدوث تفاعلات هائلة في الساحة تركت، وبسرعة آثارًا عميقة على تماسك منظمة التحرير الفلسطينية تمثلت ببروز ثلاثة تيارات فلسطينية متمايزة: 
1- الأول تنظيم “المنشقين” ومنظمة الصاعقة والجبهة الشعبية – القيادة العامة وجبهة النضال الشعبي.  وقد انضم إليهم خالد الفاهوم، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، وأسسوا ما عرف باسم “التحالف الوطني”. 
2-  الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والحزب الشيوعي الفلسطيني، وجناح طلعت يعقوب في جبهة التحرير الفلسطينية، وأسسوا في عدن بتاريخ 26/3/1984 “التحالف الديمقراطي”.
3- التيار الثالث حركة “فتح”، وجبهة التحرير العربية، وجناح أبو العباس في جبهة التحرير الفلسطينية.
 وانقسمت الساحة الفلسطينية عموديًا بظهور هذه التيارات وتبلورها؛ كما انقسمت أفقيًا  المؤسسات والاتحادات والمنظمات الشعبية؛ الطلاب، والعمال، والفلاحين، والمحامين، والكتاب والصحافيين، والمهندسين…الخ.  وقد كان لهذا الانقسام تأثيره السلبي على مكانة ودور منظمة التحرير الفلسطينية في المحافل العربية والإقليمية والدولية. 
عاشت منظمة التحرير الفلسطينية بسبب الانقسام الكبير بين فصائل العمل الوطني خطر التصفية الجدية برغم ما كانت تبديه الأطراف الوطنية من حرص على حماية المنظمة من ذلك الخطر، عبر أطروحاتها التي تبدو أحيانا متناقضة، أو مختلفة بشأن الانقسام وكيفية معالجته.  وربما كان الدرع الذي حمى المنظمة جدياً هو ذلك التطوير الشعبي لمفهوم الوحدة الوطنية التقليدي من وحدة الفصائل لحماية شرعية القيادة إلى وحدة الجماهير حول قيادة الشرعية.
كانت زيارة أبو عمار إلى مصر والتحرك الفلسطيني الأردني قد ساهما في إعادة الحضور السياسي للقضية الفلسطينية محليًا ودوليًا؛ ما ساهم في تخفيف أعباء الانقسام في الساحة الفلسطينية، وفي التقدم بشجاعة أكثر نحو إعادة لحمة ل م–ت –ف

المجلس الوطني(الدورة السابعة عشر) مقدمة إلى لم الشمل

 بالرغم من بقاء العلاقة الفلسطينية السورية متوترة؛ إلا أن العلاقات العربية الفلسطينية التي نشأت بعيد زيارة أبو عمار للقاهرة ساهمت إلى حد كبير في تقريب وجهات النظر الفلسطينية الفلسطينية وعقد المجلس الوطني الفلسطيني لدورته السابعة عشرة في عمان خلال الفترة من 22-29/11/1984 بنصاب قانوني لم تحل دونه مقاطعة التحالفين “الوطني” و”الديمقراطي”.  

انبثق “الحوار الوطني الشامل” كمفهوم آلية أو كتوجه أسلوبي (وقبل أن يتحول إلى “ثابت وطني” يتمتع بمسوح القداسة) عن اجتماع إعلان التحالف الديمقراطي بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي في عدن الذي انعقد خلال الفترة بين 22و26 آذار(مارس) 1984م برعاية الحزب الاشتراكي اليمني وبحضور الحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني ، وجاء طرح ذلك المفهوم كأحد القرارات التي جرى التوصل إليها بعد مناقشة بنود جدول أعمال ذلك الاجتماع التي كان من أهمها ” حماية وحدة منظمة التحرير وصيانة خطابها الوطني”.

كان من نتائج الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني:

1- العمل الحثيث على استعادة فتح عافيتها وإعادة اللحمة للحركة. 
2-  وضرورة الاتصال مع مختلف الأطراف حول “برنامج الجبهة الوطنية العريضة” التي ستقوم في إطار منظمة التحرير الفلسطينية لحماية وحدتها وصيانة خطها الوطني بالتصدي لنهج الانحراف والاستسلام.
3- ورفض قيام قيادة فلسطينية بديلة، وعدم إقامة مؤسسات موازية لمؤسسات منظمة التحرير.
4- وعدم الاعتراف بفتح الانتفاضة ممثلة لمجموع حركة فتح.
5- حل الخلافات بين سورية واللجنة المركزية لحركة “فتح” على أسس تحالف كفاحي، وتوطيد علاقات التنسيق والتعاون الكفاحي بين سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية على أساس الاحترام المتبادل القائم على مبدأ المساواة والاستقلال والنضال المشترك.

وعقدت لقاءات وجرت اتصالات كثيرة في أكثر من عاصمة عربية وأجنبية بين “التحالف الديمقراطي” وحركة “فتح” منذ بداية الانشقاق ومعركة طرابلس سنة 1983؛ وعلى أثر زيارة عرفات للقاهرة بعد ذلك. 

وقد وَضعت نتائج حوارات عدن- الجزائر بين 28/6-13/7/1984 المنطلق التأسيسي لإعادة الوحدة الوطنية للساحة الفلسطينية.  كما مثلت “وثيقة عدن- الجزائر” الإطار القاعدي للحوارات الوطنية الشاملة، أو شبه الشاملة بعد ذلك.  وتذكر مجلة “فلسطين الثورة” أنه “بقدر ما كان يعول على الاتفاق على “وثيقة عدن-الجزائر” في أن تكون عامل استحثاث لعقد دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الموعد المقترح لها من قبل حركة “فتح” لإنهاء حالة الشلل التي صارت تعاني منها المؤسسات التمثيلية لمنظمة التحرير، حتى ولو لم تتوافر فرصة إجراء الحوار الوطني الشامل حتى حينه”، فإن تمنعاً أبداه التحالف الديمقراطي بحجة عدم توفر شروط البدء بحوار وطني شامل يتوصل إلى قاعدة سياسية وتنظيمية مشتركة…  يضمن الحفاظ على الإجماع الوطني في حال عقد المجلس…” عبر عن ظهور اختلافات في الرؤى بين أطراف “وثيقة عدن-الجزائر”.

 انتصار الوحدة وإعادة اللحمة لـ “م – ت- ف”

 أن القيادة الفلسطينية قد تسلحت بقرارات الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني للسير في كل الاتجاهات التي يمكن تودي إلى ما فيه خدمة القضية الفلسطينية.  كما أنها فتحت آفاقاً على اتصالات جديدة بكيفيات جديدة، خصوصاً مع الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية، وبدون تقديم أي تنازلات، حتى عندما تستدعي اشتراطات هذه الاتصالات توضيح المواقف الفلسطينية المبدئية من قضايا يرفضها ويعاديها العالم كالإرهاب مثلاً؛ فقد كان شرط الولايات المتحدة الأمريكية للحوار الفلسطيني- الأمريكي رفض وإدانة الإرهاب. 

 وكان جواب م.ت.ف متضمناً في “إعلان القاهرة” (16/11/1985) الذي ألقاه الرئيس ياسر عرفات، وجاء فيه: “إن الأحداث تؤكد قناعة المنظمة بأن العمليات الإرهابية التي ترتكب في الخارج تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني وتشوه كفاحه المشروع في سبيل الحرية….

وحققت القيادة الفلسطينية نجاحات ملحوظة على صعيد إعادة اللحمة للجسم الفلسطيني الموحد (م – ت- ف ) تمثل في نجاح اجتماع “براغ” الذي عقد خلال الفترة من 1-5 أيلول 1986 برعاية الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي بين حركة “فتح” والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي الفلسطيني، وصدر عنه بتاريخ 6/9/1986 “إعلان براغ” الذي أقر فيه المجتمعون “الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية وبقرارات المجالس الوطنية التي كانت محصلة إجماع الفصائل والقوى والشخصيات الوطنية”؛ كما اتفقوا على أن “التمسك بالثوابت والأسس الوطنية يزيل العقبات التي تعرقل دفع عجلة الحوار الوطني لاستعادة الوحدة”؛ وحثت الأطراف المجتمعة القوى الوطنية على “الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية والمباشرة من خلال حوار وطني مفتوح بين جميع الفصائل والقوى الوطنية من أجل التوصل إلى اتفاق وطني شامل يكون أساساً لانعقاد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني تستعاد فيها الوحدة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية”.

عكس “إعلان براغ” توجهاً توحيدياً عالياً؛ فقد اتسم بالمرونة والانفتاح؛ ما سهل الاتصال مع مختلف أفرقاء الساحة الفلسطينية ومحاورتهم حول قضايا الخلاف بالاستناد إلى المصالح الوطنية العليا.  وبرغم ما برز في الحراك على هذا الصعيد من عقبات ومواقف تشدد لدى البعض، فإنه وجد قبولاً وترحيباً لدى بعضها الآخر، ومكّن هذا الأمر الأطراف الفلسطينية من الإمساك بمتطلبات قبول الأطراف “وتأييدها وترحيبها بمبادرة الأخ الرئيس المناضل الشاذلي بن جديد للدعوة إلى لقاء وطني فلسطيني على أرض الجزائر الشقيقة لاستعادة وترسيخ الوحدة الوطنية”.

 ونجحت القيادة الفلسطينية رغم كل العراقيل، في الانطلاق بمسيرة الحوار الوطني الفلسطيني بدءاً من يوم 14/4/1987 في مدينة الجزائر بين الفصائل الأساسية.  وسادت الحوار، طيلة جلسات أيامه السبعة، روح المسؤولية الوطنية التي أوصلته إلى محطة النجاح؛ حيث تكللت جولات الحوار بعقد الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (20-26/4/1987) التي خرجت منها منظمة التحرير الفلسطينية موحدة وقوية متفقة على برنامج سياسي وتنظيمي واضح. 

الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة 1987)

بدأت الانتفاضة في الثامن من كانون الأول “ديسمبر” 1987 حينما كانت حافلات تقل العمال الفلسطينيين من أماكن عملهم “في إسرائيل” العائدة مساءً الى قطاع غزة المحتل، على وشك القيام بوقفتها اليومية المقيتة أمام الحاجز الإسرائيلي للتفتيش حينما داهمتها شاحنة عسكرية إسرائيلية، مما أدى الى استشهاد أربعة عمال وجرح سبعة آخرين (من سكان مخيم جباليا في القطاع) ولاذ سائق الشاحنة العسكرية الإسرائيلية بالفرار على مرآى من جنود الحاجز، وعلى أثر ذلك اندلع بركان الغضب الشعبي صباح اليوم التالي من مخيم جباليا حيث يقطن أهالي الضحايا الأبرياء ليشمل قطاع غزة برمته وتتردد أصداءه بعنف أيضاً في الضفة الغربية المحتلة، وذلك لدى تشييع الشهداء الأربعة، وقد شاركت الطائرات المروحية قوات الاحتلال في قذف القنابل المسيلة للدموع والدخانية لتفريق المتظاهرين، وقد استشهد وأصيب في ذلك اليوم بعض المواطنين، وفرضت سلطات الاحتلال نظام منع التجول على بلدة ومخيم جباليا وبعض أحياء في قطاع غزة.

انتفاضة الأقصى- أيلول 2000

اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي سميت اصطلاحا “انتفاضة الأقصى” في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 2000 احتجاجا على الزيارة الاستفزازية التي قام بها زعيم المعارضة اليميني المتطرف آنذاك ارئيل شارون لباحة المسجد الأقصى بحماية زهاء ألفين من الجنود وحرس الحدود الإسرائيليين وبموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود باراك. وكان ردّ الجنود المرابطين بنوايا تصعيد مبيّته في الحرم القدسي عنيفا ضد المحتجين على الزيارة، مما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى من المدنيين الفلسطينيين.


وكانت هذه الواقعة بمثابة الشرارة التي ألهبت الأراضي الفلسطينية بسلسلة من المواجهات الدامية امتدت لتشمل المدن والبلدات الفلسطينية وراء الخط الأخضر.بعد يومين من المواجهات، وفي الثلاثين من الشهر نفسه قتل الطفل الفلسطيني محمد جمال الدرة بعد أن حاصرته النيران الإسرائيلية بين يدي أبيه وأمام كاميرات التلفاز، فهزت صورته ضمائر البشر في كل أرجاء المعمورة وصار بذلك رمزا للانتفاضة الفلسطينية في كل مكان .في الأول من أكتوبر/ تشرين أول امتدت المواجهات إلى داخل الخط الأخضر، إذ نفذ الفلسطينيون هناك إضرابا شاملا وقاموا بالاحتجاج والاشتباك مع وحدات الشرطة الإسرائيلية التي اعتقلت 18 من المشاركين وقتلت عمر احمد جبارين (21 عاما) قرب أم الفحم، وأصابت سبعة متظاهرين بالرصاص الحي، وثلاثة وخمسين بالطلقات المطاطية.

في الثاني عشر من أكتوبر / تشرين أول من العام نفسه قالت إسرائيل إن اثنين من جنودها دخلا بطريق الخطأ إلى مدينة رام الله وقتلا بأيدي الفلسطينيين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، وردت إسرائيل بشن هجمات صاروخية بالطائرات العمودية على بعض مقار السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

في 15/10، وبحلول اليوم الثامن عشر للانتفاضة استشهد الشاب رائد حمودة متأثرا بجراحه، مسجلا الرقم 100 في سجل شهداء الانتفاضة.
 
في السابع عشر من تشرين أول/ أكتوبر اتفق ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود باراك على وقف إطلاق النار وسحب القوات الإسرائيلية وذلك خلال قمة عقدت في منتجع شرم الشيخ المصري بإشراف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون.

ولكن استشهاد تسعة فلسطينيين وجرح أكثر من مائة آخرين في قتال عنيف نشب في الحادي والعشرين من أكتوبر/ تشرين أول جدّد المواجهات التي ازدادت وتيرتها كما ونوعا بانفجار سيارة مفخخة في أحد أسواق مدينة القدس في 2/11 أدى إلى مقتل عدة إسرائيليين في أول هجوم انتحاري داخل المدن المحتلة.

في التاسع من نوفمبر/ تشرين ثاني أطلقت الطائرات العمودية الإسرائيلية صواريخها باتجاه سيارة في بيت لحم فقتلت ناشطا ميدانيا فلسطينيا هو حسين عبيات، وكان ذلك الاعتداء بمثابة الفاتحة في سلسلة عمليات الاغتيال الإسرائيلية في حق الناشطين الفلسطينيين البارزين.

بموازاة الأعمال الحربية على الأرض واستمرار المواجهات العنيفة بين القوات الإسرائيلية والمنتفضين الفلسطينيين استمرت المفاوضات بين الجانبين في مكان آخر. ففي الثالث والعشرين من ديسمبر /كانون أول أنهى المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون محادثات بالقرب من واشنطن دون التوصل إلى اتفاق، ولكن المحادثات اختتمت بمقترحات محددة لحل القضايا العالقة بين الجانبين قدمها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون.

وفي الحادي عشر من يناير / كانون ثان من العام 2001 استأنف فريقا التفاوض الفلسطيني والإسرائيلي محادثات السلام في اجتماع متأخر من الليل عند نقطة تفتيش بين إسرائيل وقطاع غزة، كما انتهت محادثات سلام بين الجانبين جرت في منتجع طابا المصري في السابع والعشرين من الشهر نفسه دون أي اتفاق.

في السادس من فبراير / شباط 2001 فاز أرييل شارون على أيهود باراك بفارق كبير في انتخابات مبكرة، وشكل، بصفته رئيسا للوزراء حكومة وحدة وطنية قوية بمشاركة حزب العمل.

في السابع من مايو /أيار قتل طفل فلسطيني عمره أربعة أشهر إثر قصف الدبابات الإسرائيلية أحياءا بمخيم للاجئين في رفح، ليفجر شاب فلسطيني نفسه بعد حوالي عشرة أيام انتقاما في مركز تجارى بمدينة ناتانيا الساحلية ويقتل خمسة إسرائيليين.

وجاء الردّ الإسرائيلي في اليوم نفسه (18/5)؛ إذ دخلت طائرات أل اف 16 المقاتلة معترك الانتفاضة لأول مرة وقصفت مقرات للشرطة الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة فقتلت عشرة فلسطينيين.
 
تفاقمت الأوضاع في كل أرجاء الأراضي الفلسطينية المحتلة على نحو لا يطاق وكان صدى القتل والتدمير والفظاعات يصل عبر وسائل الإعلام إلى كل أركان المعمورة فهبت المدن والبلدات العربية والإسلامية في مظاهرات احتجاج على ما يحدث وانتصارا للدم الفلسطيني المسفوك في دروب التوق إلى الحرية والاستقلال.

ولم يعد يحتمل المجتمع الدولي ما يجري. وتحت ضغط النداء المنتشر في كل مكان والمطالب بوقف دورة العنف المتفاقمة أخذت مراكز صنع القرار في العالم باقتراح المبادرات الهادفة إلى صنع التهدئة.

في هذا السياق وضعت لجنة دولية برئاسة السيناتور الأمريكي السابق جورج ميتشل تقريرا دعت فيه إلى إنهاء أعمال العنف وبدء فترة تهدئة واتخاذ إجراءات بناء للثقة واستئناف محادثات السلام، وقد قبل كلا الطرفين بنتائج التقرير، ولكن بتفسيرات متباينة لما ورد به.

ثم أجرى جورج تينيت رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “سى آي إيه” مفاوضات مع مسؤولي الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي) للتوصل إلى إطار لوقف إطلاق النار، وعلى إثره انخفضت أعمال العنف غير أن تلك الهدنة لم تتماسك.

توالت المبادرات الدولية والإقليمية الهادفة إلى وقف هذه الدوامة التي توجها ارئيل شارون بالشروع بتشييد جدار الفصل العنصري وسلب آلاف الدونمات من أراضي المواطنين، واجتياح المدن الفلسطينية في ما سمي بعملية السور الواقي التي انتهت بإقامة مئات الحواجز العسكرية بين المدن والقرى حولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم. فضلا عن الحصار الذي ضربته قوات الاحتلال على الفلسطينيين وزعيمهم الراحل ياسر عرفات الذي حوصر لسنوات في رقعة ضيقة من مقره في مدينة رام الله لينتهي به الحصار إلى الموت مسموما.

فرضت انتفاضة الأقصى نفسها في فلسطين و الكيان الإسرائيلي والمنطقة العربية فظهرت مواقف الأطراف متباينة إذ اعتبر الكيان الإسرائيلي أن استمرار الانتفاضة عناد فلسطيني لابد من القضاء عليه فلجأت إلى استخدام آلات الحرب مثل طائرات الاباتشي وال اف 16 والدبابات، ولم تقف عند رد أحجار الأطفال الفلسطينيين بل تجاوزتها إلى هدم البيوت وجرف الأراضي الزراعية وإغلاق المعابر، ومنع أكثر من 120 ألف عامل فلسطيني يعملون داخل الخط الأخضر من الوصول إلى أماكن عملهم.

واعتبر الفلسطينيون، سلطة وشعبا أن انتفاضتهم إنما قامت صدا للعدوان، وبرغم محاولات السلطة الفلسطينية مد يدها باستمرار للإسرائيليين بقصد استئناف مفاوضات عملية السلام إلا أن الإسرائيليين لم يكترثوا بتلك الأيادي الممتدة وكان آخرها في 23 سبتمبر/ أيلول 2001 عندما منع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وزير خارجيته من الاجتماع إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

أما الشارع العربي فقد تفاعل مع الانتفاضة لدرجة أن دولا لم تعرف المظاهرات منذ نشوئها مثل دول الخليج انطلقت على أراضيها مظاهرات تأييد لانتفاضة الأقصى، الأمر الذي أحرج الأنظمة العربية التي عقدت بعد ما يقرب من شهر على اندلاع الانتفاضة القمة العربية الطارئة في القاهرة وخرجت ببيان لم تصل فيه إلى مستوى آمال الشارع العربي، وإن كان فيه دعم وإعطاء صبغة شرعية أعمق لانتفاضة الأقصى. وبالمثل تحرك الشارع الإسلامي في مظاهرات حاشدة ودفع نحو تسمية مؤتمر الدوحة الإسلامي المنعقد في نوفمبر/ تشرين الثاني بقمة الأقصى وخرج بيان القمة ناقما على الكيان الإسرائيلي ومنتقدا، لأول مرة الموقف الأميركي المتسامح مع القمع الإسرائيلي.

أحيت الانتفاضة جوانب منسية في المجتمع العربي فعادت من جديد الدعوة إلى مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية، ونشط مكتب المقاطعة العربية وعقد اجتماعا في العاصمة السورية دمشق وإن لم يسفر الاجتماع عن كثير يذكر. كما شهدت الحركة الفنية عودة الأغنية الوطنية وشعر المقاومة وامتلأت الفضائيات العربية بمواد غزيرة عن انتفاضة الأقصى واحتلت الانتفاضة المساحة الأكبر في أغلب الفضائيات العربية. حتى المجتمع الدولي خرج عن صمته وأدان الاعتداءات الإسرائيلية والاستخدام غير المتوازن للقوة العسكرية وصدرت العديد من القرارات والمقترحات الدولية التي تعتبر وثائق إدانة للجانب الإسرائيلي.

لم تتوقف الانتفاضة نظريا، أو انه لم تعلن أي جهة، رسمية أو غير رسمية عن نهايتها. وعلى الرغم من استئناف المفاوضات الجزئية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وانتظام الحياة العامة بشكل شبه روتيني؛ وعلى الرغم من انخفاض وتيرة المواجهات الحربية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وندرة العمليات التفجيرية في العمق الإسرائيلي إلا أن تداعيات الانتفاضة لا زالت ماثلة أمام أعيننا بدءا باستمرار الاعتقالات والحصار المفروض على القطاع ومئات الحواجز المقامة على مداخل المدن والبلدات والقرى وانتهاء باعتداءات المستوطنين على المواطنين، مرورا بتدمير المنازل ونهب الأراضي عبر سياسة منهجية ترمي إلى التضييق على السكان ومعاقبتهم على  “جريرة” المطالبة بالحرية والاستقلال أسوة بكل بني البشر.

المصدر: وفا وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!