تامِرُ والكابورْيا

القصة العشرون من سلسلة قصصية للكاتب شاكر صبري، رسوم دينا مصطفي، تنشر حصريا على موقع معين المعرفة. (جميع الحقوق محفوظة ويمنع نسخ القصص ونشرها على مواقع أخرى أو طباعتها).

كانَ تامِرُ  يُحِبُّ أنْ يُشاهِدَ التِليفِزْيونَ كَثيراً .

وكانَ يُحِبُّ مُشاهَدَةْ القَنَواتِ التِّلِيفزْيونِيَّةَ الخارِجِيَّةَ  أَكْثَرَ , ولاحَظَ  تامِرُ أنَّ  بَعْضَ  أَبْطالِ الأَفْلامِ يَقومونَ بِقَصِّ بَعْضِ شَعْرِهِمْ وتَرْكِ البَعْضِ الآَخَرَ ,  وأَحْيانَاً يَقومونَ بِعَمَلِ بَعْضِ الرُّسوماتِ علَي رَأْسَهِمْ ,  وسَمُّوا هَذِهِ الحِلاقَةَ بِالكابورْيا ..

أُعْجبَ تامِرُ بِذَلِكَ كَثيراً وأَرادَ أنْ يُقَلِّدَهُمْ .

ذَهَبَ تامِرُ إلَي الحَلاَّقِ , وَطَلَبَ مِنْهُ أنْ يَحْلِقَ لَهُ شَعْرُهُ كَما يَحْلِقُهُ بَعْضُ النُّجومُ   

قامَ الحَلاَّقُ بِقَصٍ شَعْرِهِ كَما طَلَبَ مِنْهُ ,  وأَعْطَي  تامِرُ  للْحَلَّاقِ أُجْرَةً مُضاعَفَةً 

كانَ والِدُ تامِرَ غَنِيَّاً جِدَّاً , ويُعْطِي لَهُ ما يَطْلُبُ منْ المالِ دونَ  أنْ يَسْأَلَهُ عنْ أَيِّ شَيْءٍ ,   وكانَ يَأْتي كُلَّ يَوْمٍ إلَي المَنْزِلِ مُتَأَخِّراً ,  بَعْدَ أنْ يَكونَ تامِرُ قدْ اسْتَغْرَقَ في نَوْمٍ عَميقٍ .

 وكانَتْ والِدَتُهُ تَعْمَلُ أَيْضاً في أَحَدِ البُنوكِ , ومُنْشَغِلَةً عَنْهُ كَثيراً , ولا تُبالِي بِما يَفْعَلُ تامِرٌ  , ولَمَّا رَأَتْهُ علَي هذَا النَّحْوِ لمْ تَهْتَمْ , ولمْ تَتَكَلَّمْ معَ تامِرَ , بَلْ  ابْتَسَمَتْ لَهُ .

دَخَلَ تامِرُ الفَصْلَ علَي هَذَا النَّحْوِ ,  ولَمَّا رَآهُ مُدَرِّسُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ اشْتَاطَ غَضَبْاً ,  وقالَ لِتامِرَ: لِماذا فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟

  أَلَمْ تَعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهي عنْ القَزَعِ , وهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الشَّعْرِ وتَرْكِ بَعْضِهِ , وطَلَبَ مِنْهُ أنْ لا يَأْتِي في اليَوْمِ التَّالي إلَّا إِذا ذَهَبَ إلَي الحَلاَّقِ وقامَ بِحَلْقِ شَعْرِهِ كُلِّهِ علَي نَمَطٍ واحِدٍ   .

  وذَهَبَ تامِرُ  يَبْكِي إلَي والِدِهِ فَقَالَ لَهُ : لا تُلْقِ  للْمُدَرِّسِ بالاً  .

 ذَهَبَ تامِرُ إلَي المَدْرَسَةِ دونَ أنْ يُنَفِّذَ رَغْبَةَ المُدَرِّسِ .

 ونَظَرَ المُدَرِّسُ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ لَمْ يَقُمْ بِتَنْفيذِ ما طَلَبَهُ مِنْهُ , وسَأَلَهُ لِماذَا لمْ تُنَفِّذْ ما طَلَبْتُه مِنْكَ , ولَكِنَّ تامِرَ لمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ,  فَزادَ غَضَبُ المُدَرِّسُ  , وقالَ لَهُ  : لا تَأْتِ غَدَاً إلَّا بِرِفْقَةِ وَلِيِّ أَمْرِكَ  …

وذَهَبَ تامِرُ إلَي والِدِهِ وهُوَ يَبْكِي  , وحَكَي لَهُ ما حَدَثَ منْ المُدَرِّسِ .

 فَقَالَ والِدُهُ : لا بُدَّ أنْ أَقومَ  بِإيذاءِ هذَا المُدَرِّسِ  .

وذَهَبَ والِدُهُ مَعَهُ إلَي المَدْرَسَةِ في اليَوْمِ  التَّالي , ودَخَلَ الفَصْلَ دونَ اسْتِئذانٍ  وقامَ بِسَبِّ المُدَرِّسِ وإهانَتِهِ أَمامَ التَّلاميذِ  . 

 وحَزِنَ المُدَرِّسُ حُزْناً شَديداً منْ ما حَدَثَ منْ والِدِ التِّلْميذِ تامِر , و لَمْ  يَعُدْ يَذْهَبْ إلَي المَدْرَسَةِ , والأَغْرَبُ منْ ذَلِكَ أنَّ والِدَ تامِرَ , لمْ يَكْتَفِ بِذلِكَ بَلْ تَقَدَّمَ بِشَكْوَي إلَي وِزارَةِ التَّرْبِيَةِ والتَّعْليمِ .

وجاءَ بِشُهودٍ زورٍ ,  يَشْهَدونَ بِأَنَّ المُدَرِّسِ قَدْ اعْتَدَي علَي تامِرَ خارِجَ المَدْرَسَةِ  ,  وأثَّرَ ذَلِكَ في جِسْمِهِ , وسَبَّبَ لَهُ جُروحَاً كَثيرَةً ,  مِمَّا جَعَلَ الوِزارَةَ تَقومُ بِفَصْلِ المُدِّرِسِ ومَنْعِهِ منْ مُزاوَلَةِ مِهْنَةِ التَدْريسِ ..

  ذُهلَ  جَميعُ  المُدَرِّسينَ منْ ما حَدَثَ .

وتَعاطَفوا جَميعاً مَعَ المُدَرِّسِ، وطالَبوا الوِزارَةَ بِرَدِّهِ إلَي مِهْنَتِهِ الكَريمَةِ .

وغَضِبَ أَيْضَاً جَميعُ التّلامِيذِ منْ تامِرَ وتَجَنَّبوهُ , لِأَنَّهُ تَجنَّي علَي المُدَرِّسِ الذِّي حاوَلَ تَوْجيهَهُ .

 وشَعَرَ تامِرُ ووَالِدُهُ  بالخَطَأِ  والنَدَمِ علَي ما حَدَثَ مِنْهُم , وتَقَدَّمَ الناظِرُ إلَي الوِزارَةِ بِطَلَبٍ يَلْتَمِسُ فيهِ عَوْدَةَ المُدَرِّسِ إلَي عَمَلِهِ , وسانَدَهُ كُلُّ المُدَرِّسينَ وأَوْلياءِ الأُمورِ .

وذَهَبَ والِدُ تامِرَ أَيْضاً إلَي مَنْزِلِهِ ,  واعْتَذَرَ لَهُ عنْ ما بَدَرَ مِنْهُ , وقالَ لَهُ :   سَوْفَ أُقَدِّمُ الْتِماسَاً للْوِزارَةِ اعْتَرِفُ فيهِ بِخَطَئي ,  وبِعَوْدَتِكَ للْعَمَلِ مَرَّةً ثانِيَةً …

و قامَ بِأَخْذِ تامِرَ إلَي الحَلَّاقِ لِيَقومَ بِتَعْديلِ شَعْرِهِ ,  , وجاءَ تامر أيضا إلَي المُدَرِّسِ  وتَأَسَّفَ لهُ عنْ ما حَدَثَ من والِدِهِ .

وعَلِمَ التَّلاميذُ بِما حَدَثَ منْ تامِرَ ووالده فَفَرِحوا جَميعَاً … وعادوا للْحَديثِ مَعَ تامِرَ  …

وأَعادَتْ الوِزارَةُ  المُدَرِّسَ إلَي العَمَلِ ثانِيَةً .

   وأَكْمَلَ تامِرُ العَامَ الدِّراسِيَّ وقدْ أَصْبَحَ  نُموذَجاً يُحْتذَي بهِ في الأَخْلاقِ  والتَّعامُلِ مَعَ الزُّملاءَ والمُدَرِّسينَ ,  وأَصْبَحَتْ عِلاقَتُهُ مَعَ مُدَرِّسِه كَعِلاقَةَ الابْنِ  بِأَبيهِ , يَسْمَعُ نَصائِحَهُ وتَوْجيهاتِهِ باسْتِمْرارٍ  .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!