تحديات الدول في تدبير الشأن العام الصحي ومحاربة الأوبئة وعواقبها

          إن الأزمة الصحية المرعبة، كوفيد 19، التي يعيشها العالم في الحقبة الراهنة (2020 – 2021) لم تكن الأزمة الوحيدة التي عرفتها الإنسانية في تطورها، بل هناك أكثر من 20 جائحة ضربت العالم بما فيها المغرب ملحقة أكثر من مئتين وخمسين مليون ضحية عالميا، والتي تولدت عليها أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة، وذلك مند طاعون أثينا 2500 سنة، أول وباء جارف موثق (عن المؤرخ اليوناني توسيديد)٠٠٠ وتجدر الإشارة الى أنه قد تعاقبت هذه الأوبئة من بعد وبصفة مهولة على القرن الأول والثاني والقرن الخامس والقرن السادس والقرن الثامن والقرن العاشر والرابع عشر… وصولا إلى القرن  العشرين ثم الواحد والعشرين، أي أن هذه الأوبئة كانت تقع على الأقل مرتين في القرن وإلا أكثر٠

           إن السؤال المطروح الآن، والذي يطرح نفسه بإلحاح في هذه الظروف الصعبة هو كالتالي: لماذا لم يأخذ بتاتا بعين الاعتبار تكرار هذه الأزمات الصحية والجوائح لا من حيث التدبير العمومي ولا من حيث الأبحاث والدراسات الرسمية؟ إن هذه الأزمات الصحية قد عرفها العالم مرارا واستمرارا ومنها على سبيل المثال الأزمة الصحية التي حصدت نسبة كبيرة من الإنسانية خلال القرن الرابع عشر (1347 -1352)٠٠٠

وإذا اقتصرنا على العالم العربي، أعطي في هذا الشأن مثالا بقصيدة لزين الدين بن الوردي متحديا فيها الطاعون سنة 1349 في بيتين فقط وكان هو نفسه أنذك مصابا بهذا المرض المهول حيث قال:

ولست أخاف طاعونا كغيريفما هو غير إحدى الحسنيين
فإن مت استرحت من الأعاديوإن عشت اشتفت أذني وعيني

وكتب ابن الوردي رسالة في هذا الصدد سماها “رسالة النبأ على الوباء” والتي أصبحت وثيقة تاريخية واجتماعية لهذه المصائب تحدث فيها عن الأزمات، أمراضا ومجاعات، التي دامت 15 سنة متواصلة وضربت كل من الشام والمغرب والجزائر والأندلس…حيث يقول:” هذا الطاعون الذي ترك من السبعين سبعة”٠٠٠ولو شاهدت، وهو يصف مدينة حلب، كثرة النعوش وحملة الموتى لوليت منهم فرارا، إذ يضيف الأديب:” وأدخل هذا المرض الملعون الرعب في النفوس وكثرت خلالها الوصاية وكثرة الأموات والنعوش، والتوسع في الانفاق والزيادة في دقة الميزان في التجارة٠٠٠

        وبالرغم من كل هذه الجوائح والأوبئة التي تعاقبت خلال قرون وقرون، وضربت بقاعا كثيرة من العالم، وهلكت أرواحا عديدة، لم يستعد للأسف الشديد العالم لمثل هذه الأزمات، في حين كان على الجميع الاستعداد بما في ذلك مدبر الشأن العام، وخاصة المدبر للشأن العام، وتعبئته ماديا ومعنويا، كل من العالم والباحث والفيلسوف والمؤرخ والقانوني والاقتصادي…، لكن بخلاف ذلك لم يحدث شيء من هذا القبيل، بل الغريب في الأمر أنه ستتكرر لا محال جوائح أخرى مستقبلا لعلها أخطر وأسوأ، وبالتالي أقول على الجميع الاستعداد الدائم لمثل هذه الحالات المرعبة واتخاذ تدابير عملية.

وكم من مفكر واع، رغم ذلك، أو عالم نزيه صرخ عاليا، وأنذر تاريخيا أو حاليا قبل وقوع الكارثة، ولوح بخطورة هذه المصائب ولكن للأسف لم يلق هذا النذير أذنا صاغية في دائرة الحكم المغلقة٠٠٠ 

     لا حظوا ما يحدث الآن، من كثرة الأرواح والضحايا في إيطاليا وإسبانيا وأمريكا وفرنسا، وآخرها في الهند، وفي المغرب كذلك، التاريخ يعيد نفسه، ومدبرو الشأن العام يتهافتون وراء السلطة وجمع المال غير مكترثين بما وقع أو متجاهلين ما وقع في تاريخ الإنسانية٠

إني أؤكد مرة أخرى على ضرورة التواصل المستمر وغير المنقطع بين المدبر العادل والمسؤول، وبين المفكر العلمي الموضوعي النزيه وعلى تشجيع البحث والعلم والعالم لمعالجة هذه الأزمة والخروج منها، ومن المحتمل أزمات أخرى آتية لاريب فيها، وبالتالي على الدولة أخذ التدابير الضرورية الناتجة أساسا عن المشاكل التي  تعاني منها القطاعات، ولا سيما قطاعات الصحة والتعليم والأجراء والقطاع غير المهيكل والقطاع الاجتماعي عموما الذي يشغل شريحة كبيرة من المجتمع، مع ضرورة خلق نوع من التواصل الدائم مع المواطن لتوعيته، ونقل المعلومة الصحيحة من قبل الأجهزة الرسمية، وامتصاص البطالة والمشاكل المطروحة على مستوى التدريس خاصة التعليم عن بعد، وتشجيع الدراسة والمدرس والباحث والبحث العلمي، ولهذا فأزمة كورونا يجب حتما أن تأخذ بعين الاعتبار وبكل جدية حاليا ومستقبلا وأن تشكل فرصة وعبرة في نفس الوقت لدى المدبر العمومي من أجل حل ومعالجة كل هذه المصائب الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي كانت الأزمة سببا في إظهارها٠

       وبالتالي أهيب بكل المسؤولين أنه لا بد من القيام بدراسة تاريخية علمية لهذه الجوائح للوقوف على أسباب ظهورها وانتشارها ومعالجتها، حتى نتمكن من معالجة عواقب كورونا الراهنة، وما بعد كورونا أكيدا، مستقبلا قريبا أو بعيدا٠

وأشير في الأخير إلى أنه على المفكر النزيه والمدبر المسؤول للشأن العام الرجوع للتاريخ والوقوف على أسباب ظهور هذه الجوائح وانتشارها، وكيف كانت معالجتها في تلك حقب، لنستلهم من الماضي ونجد ونكد في الحاضر لنستعد للمستقبل، بدءا بضرورة توفير بنية تحتية جد مهمة صحيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا وجغرافيا، بحيث أنه للقيام بأي دراسة وأي علاج لمثل هذه الأزمات لابد من الرجوع الى التاريخ لاستلهام الأجوبة والحلول والاستعداد من خلال معرفة أسباب هذه الجوائح وترددها، حتى نستطيع أن نتغلب عليها في المستقبل، خاصة وأنه بالرجوع بالزمن الى مئة سنة فقط من الآن سنلاحظ ظهور العديد من الأوبئة منها الطاعون، الإنفلونزا، الكوليرا، المالاريا، الجدري، إبولا، السيدا، وكورونا فيروس حاليا، واللائحة طويلة٠٠٠

error: المحتوى محمي !!