تحضر المجتمعات الإفريقية على الطريقة الفرنسية (الجزائر نموذجا)

لقد أحدث الاحتلال العسكري الفرنسي للجزائر شروخا عميقة الأثر في جميع النواحي من الناحية السياسية إلى العمق الروحي والثقافي وتهميش السكان وقضى على مصالح أكثر من 224 قبيلة مشكلة للبنية الاجتماعية لجزء كبير من المجتمع الجزائري الذي يقدر عددهم حسب إحصائيات الفرنسيين لعام 1869م بأزيد من”659 قبيلة أو بقايا قبيلة. كما لا يمكن ونحن نستعرض هذه الحقائق المذهلة، أن لا ينسى المؤرخ وهو يستعرض هذه الحقائق أن يعرف؛ أن الديون التي هي للخزينة الجزائرية على فرنسا قد بلغت رقما قياسيا خياليا إذا ما نحن نظرنا إليها بعين ذلك العصر إذ بلغت ذلك الرقم المدهش:أربعة وعشرين مليونا من الفرنكات الذهبية (24.000.000) استدانتها فرنسا من الدولة الجزائرية عَيْنًا ومواد أولية،وبضائع في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.

      لقد اتبعت فرنسا في الجزائر منذ الأيام الأولى للاحتلال سياسة واضحة منطلقها السلب والنهب؛ حيث قدرت الوثائق المعاصرة أن ما نهبته القوات العسكرية الفرنسية من قصر الداي ومن الخزينة العامة ما حملته أكثر من خمس سفن من النفائس والأموال هي حق الشعب والدولة الجزائرية فقد استولت فرنسا الاستعمارية بمساعدة اليهود الخونة والجواسيس الذين دلوا قادة الحملة على أموال الداي وكنوز القصبة، ويرجح المؤرخون حسب وثائق العصر أن جراد البحر وقادة الحملة استولوا على:

  • 7 أطنان و 312 كلغ من الذهب من قصر القصبة(مقر الداي).
  • 108 طن و 704 كلغ من الفضة من قصر الداي.
  • 24.700.000 فرنك وهي قيمة الذهب الموجود بالخزينة الجزائرية كما شهد بذلك الجنرال بيرتوزان والدكتور بونافون والقبطان بيليسيسي دورينو والرسام المصور فودان.

أما قيمة النقود والفضة الموجودة بالخزينة الجزائرية فهي:

  •    11.000.000 ثمن السلع المتنوعة الموجودة بالمخازن الحكومية والخاصة.
  • 50.000.000 مبلغ ما وجد من عتاد حربي وسلاح ملك الدولة الجزائرية.
  • 80.000.000 من العملات الأجنبية الموجودة بالخزينة الجزائرية (حسب تقديرات دوبوبرمون) و180.000.000 حسب وزير الحربية كليرمون دي تونيرو 150.000.000 حسب السفير الفرنسي دوفال سيئ الذكر.

      استولت القوات العسكرية على 30 ألف بندقية يوم تمكنت من الاستيلاء على القلعة الأمامية التي كانت تحمي العاصمة كما شهد بذلك محمد العنابيصاحب كشف البضائع في ذكر الوقائع.

ويكفي لبيان  مبلغ ضخامة مال الخزينة الجزائرية ما حكاه المؤرخ الجزائري محمد العنابي من أن كنوز الدولة الجزائرية يوم نقلت من قصر الجنينة إلى قصر القصبة فقالوا بأنها حملت على ظهر مائة من البغال في ظرف ثلاث ليال متناسقة”.
وفي غياب الرقابة أثناء النهب والسلب تمكن الجنود
” مغول القرن التاسع عشر” من تحويل ونهب وسرقة أزيد من خمسين مليون فرنك وهو نصف مبلغ تكاليف الحملة الصليبية المقدسة الفرنسية على الجزائر المحروسة.

      ” لقد تعرض المجتمع الجزائري أكثر من غيره إلى عملية تفكيك شاملة جراء الحركة الاستيطانية الأوروبية والسياسة القمعية التي مارستها السلطات الاستعمارية إزاء النخب الاجتماعية العليا ومصادرة الأملاك العقارية الخاصة بأوقاف المساجد والزوايا وأبناء السبيل فأدت هذه الحملة الصليبية “المقدسة” إلى تفقير وانهيار النخبة العالمة والمسيرة العسكرية والمخزنية التقليدية وإلى ذوبانها بصفة نهائية حوالي 1900م.

      وقد شملت عملية الانتزاع العقاري إلى حد سنة 1899م،حوالي 224 قبيلة وما ينيف عن مليون ساكن ويفيد تحقيق أُجْرِيَ سنة 1895م أن الأهالي فقدوا من جراء عمليات المصادرة والبيع القسري أكثر من 5.056.000 هكتارا كما تخلوا عن ملكية 2.5 مـليون مـن الهكتارات إلى سنة 1920م.

 والأمـر يدل على مؤامرة فرنسية لأن الحملة الصليبية المقدسة لعام 1830م كما دعا إليها شارل العاشر ووزيره تاليران هي من النوايا التوسعية لنهب كنوز “القراصنة” المخبأة في القصبة كما ذهب إلى ذلك جل من درس التاريخ الجزائري المعاصر.

إن عملية احتلال الجزائر بالنسبة للفكر الكولونيالي تعد فاتحة جديدة للهيمنة الغربية على شعب مسالم كانت له علاقات سلمية قوية مع فرنسا ؛إذْ أن العلاقات – الجزائرية الفرنسية-كانت قديمة إلى حد كبير تسمح بإقامة صداقة قوية وتعاون دائم.وقد ظهر التعاون والصداقة في شكل امتيازات؛وقروض؛ومعاهدات سلام بين البلدين”.

      ومع هذا فاحتلال الجزائر كما تناقلته وسائل إعلام العصر يدل على وحدة الصورة الغربية للعملية الاستعمارية التي باركتها معظم الدول المسيحية.

ويمكن أن نقول: أن هناك شبه إجماع غربي لمباركة الاحتلال الفرنسي لـ“جادة الجهاد” كما كانت تُسَمَّى الجزائر المحروسة قديمًا.

لم ينشأ الاستعمار الفرنسي في مجتمع انقسامي تسوده الفوضى القبلية كما تروج الأدبيات الاستعمارية؛ بل هو قطر له مؤسسات اجتماعية وسياسية وهٌوِيَّة ثقافية ثابتة على امتداد قرون عـديدة.

ومع ذلك لم تتعامل السلطات الفرنسية مع الشعب الجزائري ككيان اجتماعي متماسك بل كشتات من الأشخاص والمجموعات المشاغبة، ولعل هذا ما يفسر اعتماد الاستعمار الفرنسي في الجزائر على القوة العسكرية في السيطرة على المجتمع وفرض “الأمن الاستعماري”.

      وتبعًا لذلك أصبح القتل الجماعي للسكان، والتهجير القسري واتباع سياسة الأرض المحروقة سياسة ثابتة من ثوابت العملية الاستعمارية في حد ذاتها وهو ما تفسره كتابات ومذكرات الجنرالات كسانت أرنو وبيجو ولاموريسيير وغيرهم من غلاة وأدوات الاستعمار، وسياسة التهدئة، لذلك فإننا اليوم نسعى لافتكاك وتحرير تاريخنا من هيمنة المدرسة الاستعمارية.

ومن أهم الأعمال التي تدون في سجل تحضر الشعوب على الطريقة الفرنسية في القرن التاسع عشر والعشرين نذكر المجازر والإبادة الجماعة للسكان.

لقد تعرض المؤرخون لعمليات إحصاء سكان الجزائر عند بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر واستنتج المؤرخون النزهاء أن عدد سكان الجزائر يزيد عن 10 ملايين نفس حسب الرقم الذي افترضه السيد:حمدان خوجة صاحب كتاب المرآة.

لقد أصبح من العسير تحديد أعداد سكان البوادي والحواضر في القرن الثامن عشر أو بعده إلا بصعوبة شديدة لأن التعداد والإحصاء ،يصعب التحدث عنه بصفة فعلية أو عن ديموغرافيا تاريخية بالنسبة لبلاد المغرب الإسلامي نظرًا لغياب الأرشيفات الخاصة بالسكان أو الجند أو الضرائب التي يمكن أن تسهل مهمة المؤرخ لأن الآلة الاستعمارية قد استولت على مخطوطاتنا وسجلاتنا وزورت كتبنا على ألسنة مؤرخينا كما فعلت مع القبائل الجزائرية وكنوزنا الخطية.ربما المعلومات القليلة الواردة عند الوزان في وصف إفريقيا من خلال تعداد السكان والنسمة أو العائلة أو البيت تسمى عنده “الكانون”.

      وكانت أول معركة سياسية وتاريخية حاول طرحها السيد حمدان بن عثمان خوجة هي تعداد الإيالة الجزائرية والتي وقف عند 10 ملايين نسمة، ووافقه في ذلك الصحفي والمؤرخ الفرنسي ميشال أبار(6) في كتابه، قصة أو تاريخ نكث عهد(Habart Michel,Histoire d’un parjure)

أما فيما يخص التدقيق الذي قام به“ياكونو” وتوصل فيه إلى تحديد رقم متوسط هو ثلاثة ملايين وتبناه كثير من الباحثين دون مراجعة، فقد تجاوزه البحث، ولذلك فإنه من الضروري مراجعة تلك الأرقام على ضوء الدراسة الراهنة وحتى نتتبع التسلسل التاريخي فإننا نقول أن الإبادة الجماعية للسكان هي جزء لا يتجزأ من السياسة الاستعمارية في حد ذاتها،حيث ذكر قرار البرلمان الفرنسي صراحة ووضح أهداف الحملة الفرنسية الصليبية على الجزائر“أنه لابد من الاحتفاظ بالجزائر باعتبارها كسبًا قوميًّا”، وأمام هذا الكسب القومي لا بد من السيطرة على الجزائر وإبادة سكانها كما فعل الرجل الأبيض مع الهنود الحمر في القارة الأمريكية.

      لقد كان الاستعلاء والتعصب  في خدمة الإبادة العرقية لسكان الجزائر، وهو ما تشهد به وثائق المجرمين كما سوف نتعرض لشهاداتهم كجلادين حاقدين على الجزائر منذ الحروب الصليبية.

إن منطق الحرب وسياسة التهدئة على الطريقة الفرنسية ” التخريب والحرق وهدم البيوت، وقطع الأشجار وفي هذا يقول الكولونيل فوريه(أو فوره) سنة 1843م لقد تركت بعد مروري حريقا هائلا، فقد كانت القرى كلها، وهي قرابة مائتين، وقد احترقت، وعاث الفساد في بساتينها، وقطعت أشجار الزيتون” فلقد كان كما يقول يريد منه بوجو حاكم الجزائر العام بث الذعر بين السكان بإرسالهم إلى فرنسا.

قامت فرنسا الاستعمارية في 26 نوفمبر من عام 1830م من خلال الحامية المرابطة بالبليدة بمذبحة شنيعة ورهيبة ضد السكان العزل- قبل المذبحة التي قامت بها فرنسا في ضواحي الحرَّاش-، ولم يرحم في هذه المذبحة لا الشيخ المسن، والعجوز الهالكة ولا الطفل البريء الذي لا يفهم هذه اللغة والأسلوب في تعامل البشر القادم من ما وراء البحر مع أهله الآمنين في أرضهم، لقد حولت الحامية الفرنسية مدينة البليدة في هذا اليوم الأسود إلى مقبرة جماعية تفوح منها عفونة السلوك البربري القادم من بلاد الغال، وفي ليلة الخامس من أفريل من عام 1832م أعطى دوروفيقو الأمر لقواته بسحق قبيلة العوفية وإبادة أفرادها بالحراش، حيث هاجمتهم قوات فرنسا المتحضرة لكونها اشتبهت فيهم بأنهم قاموا بسلب مبعوثي العميل فرحات بن سعيد أحد المتذبذبين بين الولاء للأمير وفرنسا بمنطقة الزيبان وقد بين التحقيق بأنه ليس لأفراد القبيلة أية مسؤولية في ذلك والجدير بالذكر أن شيخ القبيلة، تمت محاكمته محاكمة صورية وأعدم رغم أن التهمة لم تثبت عليه ولا على القبيلة، وأبشع من ذلك أنهم قطعوا رأسه وحملت هدية إلى الدوق دوروفيقو، فقام هذا الأخير بالتبرع برأس الشيخ الربيعة، ورأس أحد أفراد قبيلته إلى طبيب يدعى بونافون ليجري على الرؤوس تجربة علمية تثبت بأن الإنسان يفقد الحياة مباشرة بعد قطع رأسه، كما يعترف الرائد مونتانياك بجريمة قطع رؤوس العرب عامة وبضواحي سكيكدة ارتكبت مجزرة رهيبة، أيضًا ضد بني صبيح وهي جريمة أشبه بكل الجرائم التي مغزاها الأول والأخير إبادة الجنس الجزائري من أرض إفريقيا(أي الجزائر).

      لقد كانت قبيلة العوفية الهادئة تعيش ليلها في حالة من الغفلة، حتى كان قدرها مع مغول القرن التاسع عشر والعشرين، فكانت عملية إبادة السكان بصورة واضحة للعيان كما شهد الجزارون أنفسهم. فقد قاموا بقتل كل من كان بالقبيلة التي كانت يومًا حليفة  للمجاهدين في المتيجة.وعَدَّ المؤرخون الجزائريون أن الحلقة الأولى من حلقات السلسلة الطويلة لعمليات الإبادة التي دشنتها فرنسا الاستعمارية منذ 1832م عندما قامت بعملية إبادة رسمية ضد مشاتي قبيلة العوفية في السادس أفريل من السنة المذكورة أعلاه والتي وصفها دي روفيقو: بشماتة المنتصر وصفا لا يليق بالشرف الإنساني ولا الشرف العسكري.

وقتلوا شيخ القبيلة أمام الملأ وباعوا أشياءهم للسفير الدانمركي ولم تتأكد هذه العملية، حتى بدأت سلسلة نكدة من التاريخ الأسود للآلة الجهنمية التي وقعها الاستعماريون وقادتهم الذين فاقوا البرابرة والهمج عبر التاريخ الطويل للإنسانية بسلوكهم الوحشي.

أما المأساة التي فاقت كل مآسي المجتمع الجزائري في القرن التاسع عشر فهب مذبحة غار الفراشيش وهي عنوان فرنسا الاستعمارية التي تدعونا بعض الأصوات الناعقة للمصالحة معها ونسيان هذه الصفحات المشينة في التاريخ.

توصف مأساة مغارات الظهرة من قبل العسكريين والمؤرخين الفرنسيين بأنها إحدى الحلقات الرهيبة في حرب إفريقيا، ويعترف الجلادون بحقد صليبي بأن حرق قبائل الظهرة كان لها صدًى واسعًا في وقتها حيث لقي ما يزيد عن 732 شهيد أُحْرقوا بالنار وماتوا اختناقًا بالدخان وهي من أبشع الجرائم التي توصف بها جرائم الإبادة الجماعية للسكان، وقد لا أشفي غليل القارئ، وقد يتصور بعض السذج من الذين يتهموننا بالمبالغة في وصف عمليات القتل والإبادة الجماعية للسكان في الجزائر هي صورة كاملة للإنسان الأبيض الغربي وحضارته المتوحشة كما وصفها الفيلسوف رجاء غارودي في كتابه حوار الحضارات، ومن حسنات التسجيل والتدوين أننا نملك نسخة من تقرير  الكولونيل المجرم بيليسييه المرسل إلى الماريشال الجزار بوجو حاكم الجزائر العام وقد أرسل التقرير يوم 22 جوان 1845م ووصل عبر بريد 12 جويلية 1845م  كما قام الضابط رين بتقديم تقرير كامل عن “أسباب المأساة ونهايتها القاسية”، وذلك أثناء جلسة لفرع التاريخ التابع لمجمع  الجغرافيا بالجزائر سنة 1903م.

هذا قليل من ليل الاستعمار الطويل حتى لا نصدم القارئ الكريم ما هو أبشع من خلال قطرة من محيط تحضر المجتمعات الإفريقية والآسيوية على الطريقة الفرنسية، والجزائر من النماذج النادرة في هذا السلوك الفرنسي الذي يعبر عن حقد دفين من فرنسا البنت المدللة للكنيسة الكاثوليكية، وأول أرض انطلقت منها أول حملة صليبية على الشرق انطلاقًا من مدينة كليرمون فيرون. ومن ميناء طولون انطلقت البوارج الحربية الفرنسية لتحقيق حلم الساسة والقساوسة والبرجوازية المتعفنة لتحقيق الحملة الصليبية المقدسة على الجزائر المحروسة، فكان الثمن غاليا، وكان النهب والسلب والقتل الجماعي هو عنوان فرنسا المتحضرة، ولا تزال باريس أم مشاكلنا، فهي أم الشرور كلها لمن قرأ التاريخ بوعي رسالي وفطنة وذكاء.


بقلم: الدكتور المؤرخ: محمد الأمين بلغيث/ القراءة من المصدر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!