تسقيف سن الولوج لمهن التربية في 30 سنة اجتهاد سياسي سيهوي بالمدرسة المغربية إلى الحضيض
ولوج لمهن التربية في 30 سنة

مفتاح صيلاني

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي

20 يناير 2022م

لا يخفى على المهتم بالشأن التعليمي بالمغرب، من قريب أو بعيد، وجود فئتين من أطر التعليم ابتداء من السنة الدراسية 2016/2017، السنة التي عرفتْ توظيف أول فوج من أطر الأكاديميات: الفئة الأولى تتمثل في أطر وزارة التربية الوطنية المرسمين، والفئة الثاني في أطر الأكاديميات الجهوية المتعاقدين.

إنهما فئتان متباينتان تباينا واضحا للأسف الشديد؛ ليس فقط على مستوى النصوص الواصفة لمهامهم وحقوقهم خصوصا، ولكن حتى في نظر المجتمع؛ فكم سمعنا كلاما على لسان التلاميذ، حيث تجدهم يقولون مثلا: “كيقرينا استاذ متعاقد”، أو: “هاداك الأستاذ غير متعاقد”… يقولونها بنوع من الاستخفاف والاستهزاء. وكم سمعنا كلاما مثله على لسان العامة من الناس الذين لا تربطهم صلة مباشرة بالمؤسسة التعليمية.

إن هذا التباين لم يكن فقط في أذهان الغير، وإنما تجده حاصلا بين أطر الفئتين مع بعضهم البعض، حيث إن الفوارق، وبالرغم من كل الجهود التي بذلت وتبذل في سبيل تذويبها، تطفو على السطح بين الفينة والأخرى خالقة نوعا من الشنآن وعدم الانسجام.

والحق أن هذا التباين صار يخبو شيئا فشيئا مع مرور المواسم الدراسية، وتوطّدِ العلاقات الأخوية والزمالة بين المدرسين في المؤسسة الواحدة على الأقل، وأيضا مع اقتناع التلاميذ ومن ورائهم الأسر وباقي المجتمع، بأنه لا فرق بين أستاذ وأستاذ، وبأنه مهما كانت النعوت والتصنيفات التي يمكن أن تطلق على المدرس، فهو مدرس أولا وأخير، وهو موجود من أجل التلميذ.

ولكن، تأبى الوزارة إلا أن تنفخ على النار الخامدة التي تسير إلى الاضمحلال، بل تأبى إلا أن تشعل نارا إلى جانبها هي أكبر وأعظم، نار ستلتهم الأخضر واليابس بداية من الموسم الدراسي القادم.

فابتداء من الموسم الدراسية 2022/2023 سنجد أنفسنا أمام فئة ثالثة، وهي فئة أطر الأكاديميات الأقل من 30 سنة، والذين يتم نعتم منذ الآن بـ”الخونة”، خصوصا أن تقدمهم لاجتياز مباريات التوظيف (دجنر 2021) تزامن مع الاحتجاجات العارمة التي عرفتها كثير من مدن المغرب رفضا لشرط تسقيف السن في 30 سنة.

لا أريد أن أطيل عليك في تصوير حال السنة الدراسية القادمة والسنوات التي ستليها في ظل هذا المعطى، فلا شك أنك قادر على ذلك بقليل من التأمل والتدبر؛ إنه باختصار وضع سيجعل هذه الفئة الثالثة في موقع لا تحسد عليه، بل سيجعل البيت التربوي المغربي كله في حال سيئة، حال أكثر تصدعا وتآكلا، وسيجعل أهله جميعا أكثر تشرذما وتيها.

إنه واقع ليس لهذه الفئة الثالثة ذنب فيه، كما لم يكن لمن سبقهم ذنب فيه كذلك، على الأقل ليس بشكل مباشر؛ اللهم السعي إلى لقة العيش التي هي حق مكفول بما  شئت من أعراف وقوانين.

ولكنه يبقى واقعا أسود لا يرتفع إلا بتظافر الجهود؛ فإن كنت قلت بأنه لا ذنب مباشر لأي فئة من هاته الفئات الثلاث، فإن هذا لا يعفيها من النضال لرفع هذا الواقع المفروض عليها كلها؛ فإن التعاقد، إذا تأملت، لم يفرض على فئة دون أخرى، وإنما فرض على جميع الفئات الماضية والقادمة. ويبقى قول القائل حكمةً بالغة: “إنما أكِلت يوم أكِل الثور الأبيض”.

error: المحتوى محمي !!