مقالات متنوعة

تقرير نهائي حول الدورة التكوينية بكلية اللغة العربية في موضوع علوم اللغة وتحليل النصوص

تقرير نهائي حول الدورة التكوينية بكلية اللة العربية في موضوع علوم اللغة وتحليل النصوص

مراسلة : رضوان الرمتي / تصوير محمد الشباني

نظم مختبر اللغة والنص بكلية اللغة العربية -جامعة القاضي عياض – مراكش دورة علمية  تكوينية لفائدة طلبة الماستر والدكتوراه في موضوع “علوم اللغة وتحليل النصوص” يومي 18 و19 مارس/آذار 2021م بمدرج الرحالي الفاروق، كلية اللغة العربية.

وقد أطرها ثلة من الأساتذة الأفاضل، وحضرها جمع من الطلبة ونخبة من الباحثين، وكانت فعالياتها كما يلي:

اليوم الأول: 18 مارس 2021م

الفترة الصباحية

الجلسة الافتتاحية:

تيسير: د.مولاي شرف العرب الداودي

كلمة نائب رئيس جامعة القاضي عياض: افتتح السيد “بلعيد بوكادير” نائب رئيس جامعة القاضي عياض كلمته بشكر اللجنة المنظمة لهذه الدورة التكوينية القيمة، مرحبا بالحضور من أساتذة وطلبة، ثم أشاد بما أضافه انضمام كلية اللغة العربية إلى جامعة القاضي عياض من تفرد وتميز، مشيدا بالعنوان الذي تتأطر ضمنه هذه الدورة التكوينية: “علوم اللغة وتحليل النصوص”، منوها بأن قوة اللغة العربية تكمن في تواجدها بين اللغات، وبمسايرتها للعصر، وأن كلية اللغة العربية قد قطعت أشواطا طويلة في هذا التلاقح.

إقرأ أيضا:الآثار المدمرة للأفلام الإباحية على التحصيل الدراسي لأبنائنا

كلمة السيد العميد بالنيابة “أحمد قادم”: بعد التنويه بالدورة التكوينية، والجهود الجبارة المبذولة لإنجاحها؛ نوه السيد العميد بالنيابة بالتعاون بين أطر الكلية، لإنجاح هذا النشاط الوازن، وغيره من الأنشطة المنظمة بالكلية، مبينا ما تكتنزه هذه الدورة التكوينية من أهمية، تتجلى في سعيها لرسم مسار واضح لطلبة الدكتوراه والماستر، في مجال فهم النصوص وتحليلها، لينجزوا على ضوئه بحوثهم الأكاديمية.

كلمة السيد رئيس مركز الدكتوراه “د.عادل عبد اللطيف”: بداية بين الدكتور أهمية التحليل (النحوي، البلاغي، السيميائي، الأصولي، الصواتي…)، منوها بهذه الدورة التكوينية البناءة، وما تشكله من فرصة للتلاقح بين الطلبة والأساتذة المحاضرين، مما يوفر فرصة للتكوين، واكتساب المهارات، والمشاركة في التنظيم، ويعين على صقل قدراتهم، مؤكدا أنّ كلية اللغة العربية تعكس بهذا الاشعاع العلمي وغيره من الأنشطة؛ دينامية تكوينية، أثمرت بإخراج طلبة تفتخر بهم الكلية، طلبة حصدوا جوائز علمية وطنية ودولية.

كلمة اللجنة المنظمة “د. ربيعة العمراني الإدريسي”: بدأت كلمتها بشكر رئيس الجامعة على تشريفه بالحضور، وثنته بشكر وافر لأطر الكلية عميدا وأساتذة وموظفين وطلبة، على جهودهم القيمة التي بذلوها لإنجاح هذه الدورة، ثم أبانت علة اختيار موضوع ‘اللغة وتحليل النصوص’ عنوانا لهذه الدورة، مبينة أن هذا النشاط هو رابع نشاط يحتوي عنوانا مشابها. كما أبانت أن النص مصدر رئيسي في بناء الأطروحة، فالطلبة اليوم يشهدون إشكالا في فهم النصوص واستنباط معانيها، كما أن عددا من الأطاريح تبتغي تحليل النصوص لغويا، أو بلاغيا، أو سيميائيا، فينبغي أن يُزود الطالب بآليات هذا التحليل، مؤكدة أهمية التحليل اللغوي للنصوص، فهو وصل بين التلقي والإبداع، إن التحليل اللغوي للنصوص كما نبهت عليه الأستاذة خطوة أساس في القراءة المنهجية للنصوص، كما أثنت على التعدد الذي تشهده هذه الدورة، مما يُكسبها تكاملا معرفيا وغنى فكريا؛ فلم يقتصر التنوع على أنماط التحليل، بل جاوزه إلى المتن المدروس؛ فشهد تنوعا بين الخطاب القرآني، والحديثي، والشعري، والطرفة.

إقرأ أيضا:التدبير الجيد بين القيام بالمهام والتطوع

الجلسة العلمية الأولى

تيسير: د. نور الدين الوكيلي

المداخلة الأولى

“أسس التحليل النحوي وآلياته: تطبيقات على النص القرآني”

تقديم: د.ربيعة العمراني الإدريسي

بعد أن ألمع رئيس الجلسة إلى سياق ظهور علوم اللغة مرر رئيس الجلسة الكلمة للدكتورة ربيعة العمراني الإدريسي؛ لتقدم مداخلتها، وقد مهدت الأستاذة المحاضرة بكلمة لأبي العباس ثعلب، وهي كلمة تركز على الغرض من وضع النحو المتمثل في  فهم القرآن، وكلمة أخرى مقتضبة من مقدمة ابن خلدون تبرز سبب وضع علم النحو، ويستفاد منها اعتماد النحاة القدامى على التكامل بين المنهجين الوصفي والمعياري؛ خلافا لما يشاع من رمي النحو العربي بالمعيارية، وتخليه عن الوصفية، كما يستفاد منها العلاقة الواثقة بين الصناعة النحوية والدلالة.

قدمت الأستاذة للمحاضرة بنصوص لثعلب وابن خلدون في أهمية النحو، ثم تناولت ثلاثة محاور: خصص الأول منها لمفهوم التحليل النحوي كما اقترحه الدكتور فخر الدين قباوة، وجذور هذا التحليل الآيبة إلى أعمال النحاة، من خلال الكتب المؤسسة للنحو العربي وكتب شرح الشواهد، وكتب التفسير، فضلا عن مؤلفات في نقد الشعر وشرحه. أما المحور الثاني فيرتبط بأسس التحليل النحوي؛ وتتجلى في ثلاثة أسس: الأول مراعاة طريقة العرب ومقاصدها؛ وضوابط مجاري كلام العرب تنحصر في استقامة الكلام لفظا ومعنى…. والثاني البنية العاملية وتتمثل في علاقة العامل بالمعمول؛ فحركات المعمول تتغير تبعا لتغير العامل. والثالث الأصل والعدول عنه: التقديم والتأخير، والحمل على المعنى والتحريف… وأما المحور الثالث؛ فقد عنون بآليات التحليل النحوي، وتتمثل في: التحليل الصرفي، والإعرابي، ومعاني الأدوات.

إقرأ أيضا:الأمازيغية بين لغات الأم و لغة الكتابة

وحين انتهت الجلسةافتتحت الورشة التطبيقية بإشارة الدكتورة ربيعة العمراني الإدريسي إلى عنصرين مهمين في نظرية العامل؛ يتعلق الأول بالوصل المتمثل في تسليط العامل على المعمول، ويتعلق الثاني بالقطع والاستئناف، ممثلة لذلك بقوله تعالى﴿ “لَن يَضُرُّوكُمُ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الَادْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ” ﴾ آل عمران: 111. فقوله تعالى﴿ ثم لا ينصرون﴾ ليس معطوفا على الفعل قبله؛ لعدم اشتراكهما في الإعراب فــ (يولوكم) مجزوم و (ينصرون) مرفوع، إضافة إلى أن العطف يفضي إلى معنى غير مراد. هذا مع الانفتاح على تساؤلات الحاضرين.

وختمت الدكتورة الإدريسي بدراسة تطبيقية لسورة الفاتحة اعتمدت فيها على آليات التحليل النحوي من تحليل إعرابي يهتم بالعلاقة بين المفردات، معرجة على التقديم والتأخير في قوله تعالى﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُۖ﴾ الفاتحة الآية 4، وكذا الوقوف عند تحليل معاني الأدوات من خلال الإشارة إلى دلالة (اللام) من قوله تعالى ﴿الحمد لله ﴾ الفاتحة الآية 1 على الاستحقاق؛ ولذا قدر الخبر ( مستحق).

المداخلة الثانية

” تحليل الخطاب الشعري مقاربة بلاغية “

تقديم: د.عبد العزيز الحويدق

قسم الأستاذ المحاضر مداخلته إلى قسمين: قسم عنونه بمقدمة نظرية ألمع فيه إلى نوعين من قراءة النصوص؛ القراءة الاستكشافية القائمة على ملاحظات الانحرافات والانزياحات الواردة في النص، والقراءة الاسترجاعية التأويلية التي تؤول النص، وتكشف عن معانيه، والقسم الثاني خصه لدراسة تطبيقية لقصيدة من ديوان “طائر التم” للمبدع نبيل مُنصر، وخلص من خلال قراءة قصيدة ” بيننا شاخ الزمن” إلى أن النواة الرحمية التي تقوم عليها القصيدة خاصة والديوان عامة، هي تيمة الموت؛ فهذه التيمة تظهر على مستوى تمطيطي في القصيدة من خلال ملفوظات ( خطوة أخيرة ـ حطبا صامتا ــ نحو نار تشتعل بالأسفل ــ الثلج ــ بين القبور) ولاحظ أن الموت سينتهي بالحياة ( يجري الماء) والماء حياة؛ لأن طائر التم مرتبط في الأسطورة بالغناء في لحظة الموت واتحاده مع إله الحكمة والموسيقى ( أبولو). وختم الأستاذ مداخلته بقراءة القصيدة من جديد لتترسخ معانيها في الأذهان، وتبرز معالم المدخل الذي  اقترح في القراءة.

بعد متم المحاضرة بدأ الأستاذ أشغال الورشة التطبيقية بالتعريج على بعض الآليات الخادمة للتحليل البلاغي، قبل أن يطبق ذلك على نماذج شعرية. هذا التطبيق كان مبعث تساؤلات لدى الحضور أثرت الورشة وفتحت فيها زوايا مختلفة شكلت معارف جديدة لدى بعض الطلبة.

المداخلة الثالثة

” التشكلات اللفظية وبناء السيرورة الدلالية في قصيدة مالك بن الريب”

تقديم: د.مولاي شرف العرب الداودي

افتتح الأستاذ المحاضر مداخلته بالإشارة إلى خلود هذه القصيدة؛ مما يعكس الرغبة في الكشف عن المعاني الثاوية بين أبياتها في مختلف العصور،مبرزا أن الشعر القديم يقوم في معظمه على ثنائية الرحيل والاستقرار، واقترح دراسة القصيدة من خلال تشكلات لفظية؛ تشكلات الحروف ودلالتها، وشكلها الهندسي، مشيرا إلى ضوابط تأويلية تحد من فوضى التأويل كمبدإ التأويل المحلي. وتعامل الأستاذ المحاضر مع القصيدة باعتبارها مجموعة من العلامات المشكلة للمعنى من خلال مبدإ السميوز.

فالبيت الأول( ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة  بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا)  تضمن جملة من الألفات التي تجسد في شكلها الهندسي حاجزا وسجنا يعكس حالة الشاعر، وإلى جانب الألف يحضر النون والياء، وهذه الحروف تشكل كلمة (نأْي) التي تدل على بعد الشاعر، وكلمة (أنَّ) من الأنين. ونجد تكرار كلمة الغضى التي ترمز إلى مقاومة الموت، والحرقة الداخلية التي يحس بها مالك بن الريب، كما يدل الغضى على الاحتماء بالقبيلة.

وخلص الأستاذ المحاضر إلى أن غاية الشاعر إحلال مقومات الماضي في الحاضر؛ لأن ماضيه مفعم بالحياة والبطولة، وحاضره يضج بالموت والغربة والبعد عن الأهل والقبيلة.

توقف الأستاذ الدكتور مولاي شرف العرب الداودي في الورشة التطبيقية بعد المحاضرة عند بيتي بشار بن برد(الهزج):

رَبَابَةُ رَبَّةُ الْبَـــــيتِ       تَصُبُّ الْخَلَّ فِي الزَّيْتِ

لهَا عَشْــرُ دَجَاجَاتٍ       ودِيكٌ حَسَـنُ الصَّوتِ

كاشفا عن الدلالات المضمرة في البيت الشعري، وإن كانت كلماته تبدو تقريرية بسيطة، فاختيار الشاعر اسم ربابة يدل على مشيتها داخل بيتها مشيا يشبه في إيقاعه الموسيقى غير المزعجة، وجملة ( تصب الخل في الزيت) تشير إلى إتقانها الطبخ؛ لأنها تجمع بين ما لا يجمع، وعشر دجاجات ترمز لعشر حسنات، والديك يحيل على أذان الصبح، مما يدل على أن ربابة تصلي الفجر؛ هكذا يقدم بشار مدحة لجاريته ربابة استحضر من خلالها خصال الجارية وفضائلها، ولن يفهم القارئ هذه المعاني لو توقف عند المعاني الحرفية للبيتين. وفي ختام أعمال الورشة ذكر المشرف عليها بالجلسة العلمية الثانية المقررة مساء، وغادر الحضور القاعة وعلامة الاستحسان بادية على محياهم.

الفترة المسائية

الجلسة العلمية الثانية

تيسير: د. مليكة ناعيم

المداخلة الأولى

“جوانب من عناية المحدثين بالدرس اللغوي في الشروح الحديثية: المقتفى في شرح مبعث المصطفى لأبي شامة المقدسي أنموذجا”

تقديم: د.أنس وكاك

انطلق الدكتور المحاضر مبينا عناية أبي شامة المقدسي بالدرس اللغوي عموما في شرح الحديث النبوي وتحليله، ممهدا لهذا البيان بفرش نظري عن مصطلح التحليل وما إليه، ممثلا لذلك بتحليل الشعر من لدن النقاد. وقد عرف الأستاد المحاضر بالكتاب موضوع المداخلة، وأطلع الحضور على كون المحضرة تروم بيان المداخل اللغوية في شرح وتحليل الحديث النبوي، من ذلك حمله للفظ الجديث على السياق. أشار الاستاذ إلى أن أبا شامة المقدسي انموذج للدارس الحديثي في عصره فقد قدم العلوم العربية أفصح الوجوه وتتبعه للاستعمال اللغوي للألفاظ” لفظ الفرح مثالا” ووقوفه عند ألفاظ الروايات وتوجيهها لغويا وعند التشبيهات الواردة في الحديث وعند الاختلاف النحوي، أضف إلى ذلك تفسير وتحليل الحديث بالنظائر والأشباه ،وفي ختام المداخلة دعا الأستاذ الحضور إلى ضرورة جمع ما اصطلح  عليه “المعجم النبوي”

أما الورشة بعد المحاضرة فاستهلها الأستاذ المؤطر بالحديث عن قضية الاحتجاج بالحديث النبوي في اللغة والنحو، واستعرض جهود المتقدمين  والمتأخرين للدفاع عن لغة الحديث النبوي، منوها بموقف الباحثة “خديجة الحديثي” في الموضوع، والذي يعد وسطا بين المانعين والمجيزين. بعد ذلك انتقل للحديث عن القضايا الموضوعية والمنهجية في التكامل المعرفي بين الدرس اللغوي والحديث النبوي، مبرزا عناية المحدثين بتقييد ألفاظ الحديث النبوي وضبطها، وأنّ عنايتهم بها تفوق عناية اللغويين أنفسهم.

واختتمت الورشة بذكر نماذج تطبيقية من كتاب “الأمالي” للإمام السهيلي (ت581ه)، مبينا منزلته وموقفه الوسط من الاحتجاج بالحديث النبوي، وبعض الجوانب المنهجية في كتابه، معتبرا كتابه هذا بالإضافة إلى كتاب “مشارق الأنوارللقاضي عياض(ت544ه)، وكتاب “مطالع الأنوار” لابن قُرقول (ت569ه) منظومة أندلسية متكاملة في دراسة الاستشكالات الحديثية في الدرس اللغوي.

المداخلة الثانية

“من قضايا تحقيق النص الشرعي : علوم القرآن والحديث “

تقديم: د. محمد الطبراني

صدرها المحاضر بأن التحقيق هو مقارعة النصوص وممارسة تحليلها مشيرا إلى أن غياب الردود جعل من هب ودب يقتحم مجال التحقيق ،لذلك فمن القضايا الماسة في التحقيق حسب الأستاذ الطبراني: الاحتكام إلى التاريخ لدفع  إشكالات التحقيق ودرء الأوهام التي يقع فيها المحققون وقد فصل القول فيما يخص الاوهام المتعلقة بتواريخ الوفاة والمتعلقة بالألقاب (التصحيف)ومثل لذلك بنماذج كثيرة وفي ختام التفصيل في القول على التحقيق وما يهم قضية الاحتكام إلى التاريخ طرح الأستاذ مجموعة من الإرشادات منها: ضرورة التحرز عند التحقيق والرجوع إلى الأصول والأمهات، والاحتكام إلى العلم المشهور عند وقوع لبس بين لقبين، وإحسان قراءة النص سبيل إلى التمكن من تحقيقه.

في الورشة التطبيقيةركز الأستاذ المحاضر على كون علم التحقيق علم ممارسة أكثر منه علم تنظير وتأصيل، فلا يتوصل إلى البروز فيه إلا بمحاورة المخطوطات، ومجاورتها أمدا مديدا، وفي سبيل ذلك لا بد من معرفة خريطة الفن الذي نحقق فيه، والإلمام بأصوله الكبرى ومصطلحاته، فمن مزالق التحقيق أن يشتغل الشخص بفن لا علاقة له به، ولا دراية له بمداخله، ومن هذا الباب ما يقع فيه كثير من المحققين من تصحيف أسماء وتحريف أبيات شعر، بل وتحميل المصطلح دلالة فن آخر بعيد عنه كل البعد، ولا مخرج من هذه المزالق بعد التحقق في الفن الذي نحقق فيه، من الاحتكام إلى البحث التاريخي، أو البحث بدلالة الحديث لتصحيح اسم راو، ولا مناص من التسربل بنوع من الشك المنهجي، إذ لا ينبغي للمحقق أن يثق بكل ما يقرأ، بل يجب عليه التعامل مع المقروءات تعامل ناقد خبير، يصطفي منها الجيد، وينفي منها كل مدخول، وقد يكون للسياق أثر في بيان ما يصطفيه وما يستبعده. وفي ختام الورشة، أكد الأستاذ الدكتور محمد الطبراني على ضرورة الاسترشاد بأعمال المحققين الكبار، فهم القدوة في الميدان، والأسوة التي يأتسي بها كل مبتدئ حيران.

المداخلة الثالثة

“المنهج الأصولي في تحليل النص الشرعي”

تقديم: د. ريحانة اليندوزي

أشارت الأستاذة في البدء إلى أن منهجية التحليل الأصولي للنصوص حاضرة عند علماء الأصول، فمهمة العالم الأصولي هي إثبات الحكم المفضي للعمل .وفي هذا المقام نبهت الدكتورة إلى أن ماوصل إليه علماء اللغة لايسعف أحيانا  في بناء المعنى وهنا يظهر ما قام به الأصوليون وما تفردوا به من ذلك تفردهم ببعض المصطلحات (الاستثناء من غير الجنس مثالا ) فعلماء الأصول وفي هذا السياق لايقفون بالخلاف عند ما هو نظري بل يتجاوزون ذلك إلى ماهو إجرائي، فإذا تزاحمت المعاني لايقفون  عند المعنى والدلالة بل ينظرون الى الراجح والمرجوح.

لم تقف الأستاذة عند القول النظري بل قامت بتطبيق المنهج الأصولي في التحليل على قوله تعالى من سورة البقرة (والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ…الآية) (البقرة: 233)فذكرت أقوال بعض العلماء الفقهاء على هذه الآية ووجهت بعض الألفاظ من الآية بالعموم والخصوص مثل لفظ “أولادهن” لفظ عام يشمل كل مولود. فعلماء الأصول وحسب ما بينته الأستاذة في ختام المداخلة ينظرون إلى ما يتقوى به معنى على آخر داخل النص الشرعي.

أما بخصوص الورشة فقد أشارت الأستاذة المؤطرة في مستهلها إلى التكامل المعرفي بين علوم اللغة العربية وعلم أصول الفقه ونوهت بالدور الذي تؤديه مختبرات كلية اللغة العربية لتحقيق ذلك خاصة مختبر اللغة والنص.

لقد آثرت الأستاذة أن تكون الورشة امتدادا لمداخلتها “المنهج الأصولي في تحليل النص الشرعي ” لذلك واصلت تحليلها لقوله تعالى من سورة البقرة “والوالدات يرضعن أولادهن …الأية ) تحليلا يراعي خطوات المنهج الأصولي. ومما تجدر الإشارة إليه أن الورشة أخذت مسارا آخر وأثمرت نقاشا مفيدا حول الخلاف الفقهي خاصة ما يتصل بالعرف انطلاقا من قاعدة :ما لا حد له في اللغة ولا في الشرع مرده إلى العرف  وفي هذا المقام بينت الأستاذة المؤطرة أن قاعدة : هل النهي يقتضي الفساد؟ وفي ختام النقاش العلمي الذي عرفته الورشة طرحت الأستاذة خلاصة مفادها أن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.

اليوم الثاني: 19 مارس 2021

الفترة الصباحية

الجلسة العلمية الثالثة

تيسير: د.ربيعة العمراني الإدريسي

المداخلة الأولى:

“آليات تحليل النصوص: مقاربة صرف-صواتية”

  تقديم: د. فاطمة أخدجو

استهلت الأستاذة مداخلتها بالحديث عن شروط ائتلاف الكلمة العربية في جانبها الصرفي والصوتي؛ فجانب الصواتة يعتمد الفصاحة والسلامة الصوتية من خلال مبدأين أساسيين هما: مبدأ اللاتماثل ومبدأ اللاتجانس، فكلما تباعدت مخارج الحروف حسن التأليف وظهرت الفصاحة. وجانب الصرافة يعتمد مبدأ الخفة والتخلص من الثقل باعتماد ظواهر صرفية كالإعلال والإبدال والإدغام والقلب وغيرها. مقررة أنّ اللغة العربية لغة اشتقاقية تنغيمية، وأنّ ما وُجد أحيانا في الشعر العربي من تنافر صوتي مخالف للقواعد الصوتية والصرفية معفو عنه لضرورة النظم. متمثلة بكلمة “مستشزرات” الواردة في بيت امرئ القيس (الطويل):

غَدَائرُهَا مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى الْعُلَا       تَضِلُّ الْعقَاص فِي مُثَنّى ومُرْسلِ

مبرزة ما حدث في الكلمة من نفور صوتي لتقارب مخارج حروفها، وطول مقطعها، مما تسبب في ثقلها. واختتمت المداخلة بذكر القواعد العامة للتحليل الصرف-صواتي، القائم على مراعاة شروط الفصاحة والخفة.

بعد المحاضرةاستهلت الأستاذة المؤطرة أعمال الورشة بالإجابة عن أسئلة الطلبة؛ فأزالت الإشكال حول الفرق بين علم الأصوات والصوتيات والصواتة، مذكرة بجهود علماء التجويد في خدمة الصواتة العربية، وأنّ اللغة العربية لغة تنغيمية وليست لغة نبرية.

وقد تناولت نماذج شعرية مما تنافرت فيه الأصوات لتقارب أصواتها في المخارج، الشيء الذي شكل ثقلا في النطق بها فجانبت الفصاحة بذلك. وقد شهدت الورشة إثارة كثير من التساؤلات عن ارتباط كل من الصوت والصرف، وعن تكامل المستويات في تحليل النصوص.

المداخلة الثانية:

“التحليل الحجاجي للخطاب: مقاربة تطبيقية”

                                                                        تقديم: د. عادل عبد اللطيف

افتتح الأستاذ المحاضر مداخلته بالحديث عن تاريخ بلاغة الحجاج من الخطاطة الأرسطية إلى آخر النظريات الغربية في الحجاج، مرورا بجهود الجاحظ في البلاغة العربية. مؤكدا أنّ الحجاج جهد إقناعي، وأنّ البلاغة تطورت حجاجيا إلى بلاغة إقناع بعدما كانت للإمتاع فقط.

ثم انتقل للحديث عن أنواع الخطاب، مقسما الخطابات إلى قسمين: خطاب ذي غرض حجاجي صريح، وآخر ذي بعد حجاجي ضمني، مركزا على مستويات التحليل الحجاجي للخطاب المتمثلة في الأسناد الحجاجية، وآليات الاستدلال الحجاجي، والروابط الحجاجية، والأساليب الحجاجية.

واختتمت المداخلة بمقاربة تطبيقية لخطبة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، الواردة في “العقد الفريد” لابن عبد ربه، اعتمادا على استراتيجية حجاجية محكمة هي: أولا: النظر في السياق العام للخطبة، ثانيا: استخراج البنيات الدلالية المركزية، ثالثا: تحديد الأساليب اللغوية الحجاجية.

المداخلة الثالثة:

مقاربة موضوعاتية لشعر السياب: نماذج مختارة من ديوان “أنشودة المطر”

                                                                                    تقديم: د. عبد العلي قدا

ميز الأستاذ بداية بين الموضوع والأدب الموضوعاتي، وذلك بقوله: الموضوع يدل على الشيء الذي عُيّن للدلالة على معنى، أما الأدب الموضوعاتي فيصطلح على شبكة من الدلالات التي تنتظم داخل موضوع رئيسي.

وأشار الدكتور إلى أن المنهج الموضوعاتي يندرج ضمن الصناعة النقدية التي تأثرت بتيارين؛ تيار سياقي خارجي اهتم بتحليل الجانب النفسي والتاريخي والاجتماعي لصاحب النص. وتيار بنيوي نسقي اهتم بالتحليل البنيوي والسيميائي والأسلوبي للنص. في حين تميز التحليل الموضوعاتي بدمج التيارين؛ فاستحضر النص ومعطياته الخارجية.

كما أشار إلى كون التحليل الموضوعاتي يعتمد على استقراء الموضوعات المتكررة في عمل أدبي؛ انطلاقا من إحصاء دلالي للمعجم المهيمن على النص، إلى تشكيل الحقول الدلالية، وتحديد العلاقات القائمة بينها، من أجل بناء شبكة مفهومية تساعد على استكشاف الخيط الناظم لكل الأعمال الأدبية لمؤلف ما. وهو ما حاولت هذه المداخلة تقريره، نظريا وتطبيقيا من خلال نماذج مختارة من ديوان “أنشودة المطر” للسياب.

أما الورشة التطبيقية فبدأت بالتذكير بالمقاربة الموضوعاتية التي تهتم بالتيمات المهيمنة في النص الأدبي، وهي مقاربة تعتمد على التوفيق بين المناهج السياقية والمناهج النسقية، ويعد التكرار صفة لازمة لهذه المقاربة.

وبعد التذكير بمعالم هذه المقاربة وزعت على الحاضرين قصيدة (قافلة الضياع) لبدر شاكر السياب من أجل إحصاء جذر الكلمات المكررة والمشتقات المرتبطة به، فضلا عن الكلمات ذات الصلة ، وبعد الجرد والإحصاء تبين أن الجذر المهيمن هو الموت الذي تكرر في القصيدة تسع مرات، وارتبطت به ألفاظ (الدم، اللاجئيين، والنازحين..) وخلص الأستاذ من خلال هذه الورشة إلى أن موضوعة القصيدة تمثلت أساسا في الموت، والموضوعات الفرعية كـ (الضياع واللجوء) تخدم الموضوعة الريئيسة. هذا مع تدخلات الحاضرين التي تبين مع نقاشها مجمل الإشكالات المنهجية التي تعترض الباحث، وطرق التعامل معها.

الفترة المسائية

الجلسة العلمية الرابعة

تيسير: د. سناء السميج

المداخلة الأولى

“التحليل التداولي لنص شرعي”

تقديم: د. إبراهيم أمغار

         بدأ الدكتور بتعريف التداولية بكونها دراسة استعمال اللغة في الخطاب، مشيرا إلى أنها نشأت في ارتباط بالسيميائيات: الرمز التركيبي، والرمز الدلالي، والمعنى التداولي.ليشير بعد ذلك في أسس التداولية إلى: الربط بين اللغة وبين الفعل وهو ما يسمى بسلوكية اللغة، والقواعد التداولية تراكيب وضعية وسياقية مرتبطة بالمخاطب وليس بالتركيب بحد ذاته، والتمييز بين نوعين من اللغات : اللغات الصورية (التقنية والرمزية والعلمية ..) واللغات الطبيعية، فالتمييز بين الجملة والملفوظ، الجملة: موضوع الدرس اللغوي، والملفوظ: التركيب متلبسا بالوظيفة والاستعمال والسياق وشروط الخطاب. ثم تناول الدكتور في خطوات تحليل نص تداولي قوة تكميلية حرفية: ملازمة للملفوظ، قوة تكميلية استلزامية: تأخذ وضعية ثانوية بالنظر إلى دلالة الحرف أو الجملة، فمستويات الفعل اللغوي: الفعل الكلامي (البناء السليم للتركيب)، والفعل التكميلي الإنجازي ( عمل ينجز بقول ما)، والفعل التكميلي التأثيري: ( الأثر الواقع الذي يحققه الخطاب).

في النهاية، قام الأستاذ بتطبيق التحليل التداولي على آيتين من كتاب الله : الأولى قوله تعالى: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (البقرة 275) والثانية قوله تعالى : ( وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ )، (البقرة 282). وركز فيه على تطبيق مبدأ الاستلزام التداولي في خطاب الآية، الانتقال من الدلالة على خبر (أحل / وحرم) إلى الدلالة على فعل إنشائي طلبي، وصياغة أفعال الكلام على صيغة خبرية، ثم دلالة فعل الأمر (وأشهدوا) على فعل كلامي إنجازي يتطلب التنفيذ، إضافة إلى حضور مبدأ القصدية أو السياقية في تحليل الآيتين.

عرض الأستاذ في بداية الورشة نماذج للتحليل وفق أدبيات المنهج التداولي وقد تنوعت تلك النماذج بين أربعة أحاديث نبوية شريفة وآية قرآنية كريمة. بعد ذلك انتقل المؤطر إلى تحليل الحديث النبوي الأول،  فعمد إلى تحديد الأفعال وبيان قوتها الإنجازية وإظهار قوتها الاستلزامية، والوقوف عند مفهوم المخالفة خاصة عند قوله صلى الله عليه وسلم:كل معروف صدقة. وشرط السياق، سياق القول وشرط الملاءمة، ملاءمة مقام القائل لمقام المقول له ، لبيان مقصدية الشارع من الكلام.

وقبل الانتهاء من الورشة اختبر الأستاذ تفاعل الطلبة مع ماقدمه وامتحنهم لمعرفة مدى تمكنهم من الآليات التداولية التي عرضها في مداخلته العلمية واشتغل بها في ورشته التكوينية ،وقد اختار لذلك قوله تعالى: “يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ ومَا يُدْرِيك لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا). (الأحزاب: 63)

المداخلة الثانية:

“طرائف جحا: مقاربة سيمائية”

تقديم: د. هشام فتح.

تناول الأستاذ في مداخلته تعريف النوادر والطرائف والمصطلحات المرتبطة بهما، ثم إشكالية السؤال الأدبي حول الجنس الأدبي لهما في الثقافة العربية، وما نسب منها لجحا مندرج ضمن السرد العربي، خاصة عند الجاحظ واوبن النديم. وأشار الدكتور إلى أن جحا رمزية فنية وأدبية ساخرة، ونصوصه مهمشة في الثقافة والأدب. ثم عرض الدكتور هشام فتح في مقدمات منهجية: إشكالية تلقي النصوص والأدب والمؤلفات المجهولة النسبة في الثقافة العربية، وضرورة التفريق بين السرقة العلمية، والانتحال العلمي، مع الإشارة إلى نشاط حركة النسابين والمزيفين في فترات من التاريخ الإسلامي. كما نبه الأستاذ إلى ضرورة التفريق بين الكاتب: ( ذات وجودية معلومة)، وبين المؤلف: (ذات جمعية ومعرفية)، وكذا التنبيه إلى أنواع النوادر ( شفافة / معتمة/ نموذجية).

وبعد هذا الفرش النظري قدم الدكتور نموذجا تطبيقيا: تحليل طرفة منسوبة لجحا (مَثَّل الورشة التطبيقية) يتمحور نص الطرفة حول حيلة جحا في الحصول على حذاء جديد بعد خروجه من المسجد. أجرى السيد المؤطر التحليل وفق المكونات السردية: ( الفضاء / الزمن / الأحداث )، والمستوى الرمزي: ( عالم الأشياء / الأشخاص)، والأبعاد السيمائية:( بعد مركزي : الأب والمسجد/ وأبعاد حافة: رمزية الحذاء ).

الجلسة الختامية

تيسير: د. أنس وكاك

بعد يومين زاخرين بالمحاضرات التأصيلية والورشات التطبيقية لفائدة طلبة الدكتوراه والماستر في موضوع ( علوم اللغة وتحليل النصوص)، أسدل الستار على فعاليات هذه الدورة بجلسة ختامية، يسرها الأستاذ الدكتور أنس وكاك، حيث ركز في استهلاله على التلازم الشديد بين التحليل اللغوي وقراءة النصوص بمختلف أنماطها وأجناسها، مما يغني الأنظار توضيحا وترشيحا وتوشيحا، ثم انتقلت الكلمة إلى الطالب “أبو الحسني الحضرمي”، نيابة عن الطلبة المستفيدين من الدورة، إذ أشاد بالقائمين عليها، وقدم لهم باقة شكر وعرفان، موجزا بعض مخرجات الدورة، من تعرف على آليات اشتغال النصوص، والأجناس المتنوعة للخطاب، مشيرا إلى البعد الشمولي للمحاضرات والورشات التطبيقية، فمع تنوع طرق الاشتغال، إلا أن هناك نقطة تتلاقى عندها كل العلوم، وتهتمم في مجملها باكتساب آليات محاورة النصوص وقراءتها.

ثم عادت الكلمة من جديد إلى ميسر الجلسة الأستاذ الدكتور أنس وكاك؛ ليلخص أهم مقاصد الدورة، في الإلمام بمقتضيات البحث العلمي الرصين وآلياته المتعلقة بتحليل النصوص، المفضي إلى الجدة والتميز.

واختتمت الجلسة بقراءة استمارة الدورة، من لدن الأستاذة الدكتورة ربيعة العمراني الإدريسي (مسؤولة الدورة)، بعد أن نوهت بالأساتذة والطلبة المؤطرين والمنظمين وجددت لهم الشكر الجزيل. وتضمنت استمارة الدورة معطيات عن عدد المشاركين في الدورة، ذكورا وإناثا، من الكلية وخارجها، كما اشتملت على نسب الطلبة المشاركين، سواء من سلك الماستر أو من سلك الدكتوراه، دون إغفال المختبرات البحثية التي أثثت فضاء الدورة، إضافة إلى رغبات الطلبة في عقد دورات علمية أخرى تتهمم أساسا منهجية إنجاز أطروحة جامعية وإعداد مقال علمي.

وفي نهاية الجلسة جدد الميسر شكره للحاضرين الفاعلين في الدورة، أساتذة وطلبة، راجيا أن تكون هذه الدورة مفتاحا لدورات أخرى، تتناول بالدرس والتحليل، هموم الطالب الباحث في مسيرته العلمية.

السابق
تحديات الدول في تدبير الشأن العام الصحي ومحاربة الأوبئة وعواقبها
التالي
السعودية تختار اللون البنفسجي لسجاد مراسم الاستقبال