توظيف السيرة النبوية في بناء شخصية المتعلم
السيرة النبوية

الأستاذ الدكتور: العبدلاوي العلوي سيدي محمد.

قد يتساءل القارئ لماذا السيرة النبوية وليس غيرها؟ ولماذا يحتاج الطفل المسلم إلى السيرة النبوية وهي أحداث تفوق سنه سيما وهي أحداث كبار؟ وإن كانت السيرة النبوية نموذجا للكمال البشري فكيف يستطيع الأستاذ اليوم الاستعانة بها لبناء شخصية المتعلم خصوصا والطفل عموما؟.

فكان لزاما عليَّ أولا أن أجيب عن هاته الأسئلة على وجه السرعة لأن المقام لا يتسع للتفصيل.

فأقول وبالله التوفيق، إن ظاهرة الانحراف بكل أنواعه وأشكاله التي يعيشها أبناؤنا اليوم، بدءا بالكلام النابي الذي أصبحت آذاننا تعتاده اليوم، مرورا بظاهرة “التشرميل” وحمل الأسلحة البيضاء، أضف إلى ذلك انبهارهم وتقليدهم للمؤثرين الفاشلين الذين تركوا مقاعد الدراسة مبكرا، ولا يعرفون عن المدرسة الا كل نقيصة، ولا يحوزون لا أقول على شواهد تمكنهم من الخوض في أمور العامة بل لا يستطيع أحد كتابة سطر من غير أخطاء إملائية أو نحوية، وإنما أتيح لهؤلاء فضاء مجاني أزرق أو أحمر، فوجدوا ضالتهم للحديث واللغو، بعدما يئسوا أن يستمع إليهم العقلاء والمثقفون، فأصبحت هذه الفضاءات مرتعا لاستقطاب الاطفال والمتعلمين وإلهائهم بما لا حاجة لهم به، فأثر ذلك عليهم سلبا في تحصيلهم الدراسي ومستواهم المعرفي، وهذا لا يحتاج الى دراسة لمعرفة نتائجه، يكفي أن ينظر أحدنا في محيطه ليجد الجواب ماثلا أمامه.

وإذا بحثنا قليلا فإننا نجد أن السبب الرئيس في هذا، هو غياب القدوة أمامهم التي تقرب إليهم المفاهيم الصحيحة، وتجعل قضية تمثل القيم وتنزيلها في حياتهم الخاصة مسألة يسيرة، ولا يخفى أن غياب القدوات من المؤثرين اليوم يبيح لهؤلاء التافهين أخذ مقاعد الكبار، سيما وأنهم متمكنون من وسائل الاتصال والمونتاج وصناعة المحتوى بشكل فردي مع حسن توظيف للمؤثرات الصوتية والمرئية، مما يجعل محتواهم الفارغ جذابا، يستقطب المتعلمين لساعات كثيرة، ويستنفذ جهدهم وأوقاتهم ويشغل بَالَهُم، حتى إذا أراد أحدهم إنجاز واجبات دراسية أو فروض منزلية أو أنشطة موازية كلف بها من قبل أساتذته لم يجد من القوة ما يسعفه، بله أن يجد المعارف الرصينة جوابا لها، إلا ما ألقمه ذلك التافه على وسائل التواصل الاجتماعي لأبنائنا من كلمات لا معنى لها والتي ستشكل قاموسه اليومي ، ومن هنا نفهم أن الكثير من المتعلمين يستعملون كلمات وألفاظا دارجة في أجوبتهم، ظنا منهم أنها من اللغة العربية، واللغة منها براء، فإما أن يسارع المتعلم الى سرقة جهد زملائه وإما أن يلجأ إلى الكذب والاحتيال على أساتذته بدعوى عدم الإخبار وإلقاء اللوم على غيره،  إلى غير ذلك من الأعذار الواهية.

ومن هنا بدا جليا أن أبناءنا اليوم يعيشون فراغا نفسيا ( روحيا)، فلا يعرفون المنهج الأمثل الذي يجب اتباعه، فوجب على الآباء والأمهات خصوصا، والأساتذة عموما ربطهم بالقدوة العظمى والأسوة الكبرى ،وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه نموذج الكمال البشري، ولأن سيرته تمثل التطبيق الأسمى لأعلى درجات الامتثال والخضوع لله تعالى، ولأن حياته تمثل تصورا حقيقيا لأطهر رجل مشى على الأرض، وتبين بما لا يدع مجالا للشك أن المنظومة القيمية التي جاء بها القرآن الكريم ممكنة التنزيل في حياة الناس، وأن صحابي الأمس  كمسلم اليوم قادر على تطبيق وامتثال هذه الأوامر والتوجيهات في حياته الخاصة والعامة.

وذلك لأن السيرة النبوية تمتاز بتضمنها مسيرة أمة بجميع تفاصيلها وحيثياتها وتبين كيفية الانتقال من مجتمع جاهلي يتبع كل ناعق، إلى مجتمع منضبط يلتزم بضوابط الإسلام، ومن عصبية وحمية، إلى تسامح وتعايش، ومن بداوة وقسوة، الى حضارة وتمدن راق.

ولما كانت الناشئة هي عماد كل أمة، وقوام كل حضارة، ونبراس كل جيل، تولدت الحاجة الملحة إلى توظيف المنهج النبوي لبناء شخصية الطفل، وتقريب السيرة النبوية لأبنائنا في المنازل والمدارس، وتمكينهم من الاطلاع على النموذج الأسمى للبشرية جمعاء، ألا وهو اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يكون مرجعا أصيلا في ثقافتهم ومكونا فاعلا في تكوينهم، ومصدرا راسخا في ذاكرتهم، فيسهم بشكل رئيس في تثبيت  إيمانهم وتقويم سلوكهم، ويكون بذلك آلية ذاتية لهم، يستطيعون توظيفها لحل مشاكلهم الحياتية والارتقاء بأنفسهم ومجتمعهم وأمتهم.

لقد أصبحنا اليوم على محك أمام جميع الحضارات الأخرى، وأصبح سلوك الفرد اليوم لا يؤذي فقط نفسه وأسرته، بل ينعكس ذلك سلبا على أمته، فأصبحت الأمم الأخرى تقارن بين سلوك المسلمين اليوم وبين تعاليم دينهم وتوجيهات نبيهم، لما أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي اليوم والتقنيات الحديثة، فصارت فضيحة قرية نائية في مناطق مجهولة تنقل على فضائيات عالمية يعرفها القاصي والداني، وأصبح الفرد يسيء إلى دينه وأمته من حيث لا يدري.

ومن هنا تتجلى أولوية توظيف  السيرة النبوية  في حياة المتعلمين لأن الرجولة إنما تصنع في مرحلة الطفولة، فتجد الطفل الصغير يتحلى بمخايل الشهامة والفحولة والمواقف الشجاعة، ما لا تكاد تجده عند الرجل البالغ، وذلك لأن المحددات الأَصِيلة للشخصية المسلمة تعتمد في بنائها على اعتبارات خاصة ومقاييس دقيقة، تلبي حاجات الطفل الأساسية الآنية، وتزوده بمنابع رجولية مستقبلية لا تنضب، فيصبح الطفل ويمسي على قيم رفيعة شرعية، يحقق من خلالها التوازن النفسي والاستقرار الذاتي، ليعيش هذه الحياة قرير النفس هَانِيهَا.

وإذا ما تشبع الطفل بسيرة النبي المصطفى صلى الله عليم وسلم، استطاع بذلك أن يكون عامل بناء في مجتمعه، فاعلا في محيطه، مؤثرا في زملائه، باعثا للأمل في أمته، فكلما زاد معرفة بسيد الخلق زاد احتراما ومحبة له، وتاقت نفسه للاقتداء به، ومن ثمة أردك لزوم تقوية شخصيته وزيادة تحمله لمسؤولياته الاجتماعية والأخلاقية وفقا لمنهاج النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.

ومن هنا يمكنني أن أشير إشارات سريعة، إلى كيفية توظيف السيرة النبوية في بناء شخصية الطفل.

لا شك أن الطفل يمتاز في صغره بقوة الخيال، ومن هنا نفهم إعراض الطفل عن بعض ما يقدم له لفراغه من عنصري: التخيل والاثارة، فكلما كان عرض السيرة النبوية عن طريق: القصة والاثارة، كان وقعها أكبر في حياته وتكوينه، ويتضح الآن كيف أن الغرب في تكوينهم لعقلية وشخصية أطفالهم، يعتمدون القصص المختلفة لكتاب وأدباء لهم كــ:روسو و كوت وذو لا فونتين، لما في قصصهم من الجاذبية والإثارة.

وقد سبق المسلمون الغربَ في هذا الصدد حتى قال الإمام أحمد بن حنبل :”ما أحوج الناس الى قاص صدوق” وذلك لما لأثر القصة في النفوس، فإذا صيغت السيرة النبوية في صورة تراثية إخبارية وحكائية، يغلب عليها طابع التشويق والاثارة لمراحل السيرة النبوية  المختلفة، كان لذلك الأثر البليغ في تكوين شخصية الطفل.

ولا زال الواحد منا يذكر القصص القصيرة التي كانت الجدات تحكيها لنا في الصغر عند الايواء للفراش، ولا زال الواحد منا يستحضرها في حله وترحاله، علما أنها قصص متخيلة غير واقعية، فكيف لو كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العطرة لمليئة بالأحداث الحقيقية المبهرة.

لكن يجب الانتباه عند توظيف السيرة النبوية لهؤلاء الصغار إلى مجموعة من الأمور:

أولا: الانطلاق من تصوير شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من باب النبوة، بما يجب له من التعظيم والتوقير والاحترام، لا من جهة كونه مصلحا اجتماعيا أو بطلا قوميا، أو زعيما حضاريا، فلا بد من التركيز على  أن أفعاله صلى الله عليه وسلم منضبطة بالوحي لا بالاجتهادات الشخصية، حتى لا يقع في فخ المستشرقين والمنصرين.

ثانيا: توظيف الوجدان في تلقي الطفل للسيرة النبوية، وإثارة مكامن المحبة لهذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فيزداد محبة إلى محبته لهذا النبي الأمين، دون إغفال إعمال العقل في تحليل الأحداث وبيان مواقف الصحابة رضوان الله عليهم في تعاطيهم مع الوقائع.

ثالثا: صياغة الأحداث والوقائع على جهة التسلسل والواقعية، حيث تكون قريبة من مدارك المتعلمين فتستوعبه عقولهم.

رابعا: تحري الدقة في النقل باعتماد المصادر العلمية الموثوقة لا الأفلام والمسلسلات الدينية، وهذا أمر خطير جدا، لأن وُقوفَ الطفل على معلومة خاطئة قدمت له، يجعله متشككا في جميع ما قدم له.

خامسا: التركيز على الاقتداء لأنه باب الأمر وسنامه، مع إغرائه بجمال شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام وفعاله، مما يستحيل على غيره منازعة مكانة النبي في قلب الطفل.

سادسا: التركيز على القضايا المعاصرة والانحرافات السلوكية وضرب الامثال من سيرته صلى الله عليه وسلم كلما مررت بموضع أو موقف شبيه بقضايا عصرنا تحصينا وتثبيتا.

ومن ثم فإن توظيف السيرة النبوية في خدمة الشخصية المسلمة الأصيلة للطفل، سيوفر علينا عناء الانحراف من جهة ومن جهة أخرى سيوفر على الدولة برامج وأموال طائلة لإعادة تأهيل المنحرفين الذين ليسوا إلا ضحايا بُعدهم عن معرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فما خاب من اتبع هدي النبي عليه الصلاة والسلام وولج أعظم مدرسة في تاريخ البشرية، ليتخرج منها بشهادة الامتياز التي تؤهله للنجاح في الدارين.

error: المحتوى محمي !!