توقف.. لا تقرأ

إذا توقف الإنسان الكيس عن القراءة قد يموت لهذا هو يختار ما يقرأ بعناية ومن القراءة النافعة ما يجعله يعرف أنه لا عيش إلا عيش الآخرة ولن يحصد إلا ما زرع، ولن يصل إلا لما قدم.

القراءة اليوم غدت مطلبا غير مشروع لأنه زمن طغيان الماديات والتصفيق للانحدار الأخلاقي، ومنح أوسمة ونياشين لمن لا يستحق.

توقف.. وفضلا لا تقرأ البقية لأنك إن قرأت قد تفهم وإن فهمت قد تندم، وإن كان لك وازعا وضميرا حيا فلا بد أن تحزن وقد يبلغ بك الشجن دخول عالم آخر ولعله الرحيل الأخير.

لا تقرأ عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- الذي كان يبكي كلما ذكر فتح تستر، وهي مدينة فارسية حصينة حاصرها المسلمون لسنة ونصف، وتمكنوا من فتحها وحققوا نصرا مبينا بعد شروق الشمس، فقد انشغل جيش المسلمين بالمعركة وفاتهم وقت صلاة الفجر، فكان أنس -رضي الله عنه وأرضاه- يقول:” وما تستر؟ لقد ضاعت مني صلاة الصبح، وما وددت أن لي الدنيا جميعا بهذه الصلاة“.
فكم من صلاة فجر فوتناها ولم نلق لذلك بالا، وكم من نداء علا:” الصلاة خير من النوم” رددنا عليه من غير تورع بتفضيل النوم، فأي وجه شبه سنجده لنتمنى نصرا مثل ما حققه رجال رابطوا لعام ونصف ولما حققوه ما استلذوه لتضيعهم لصلاة واحدة.
لا تقرأ.. عن عدل وورع وزهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وكيف كان يعامل رعيته وهو الذي كان يلبس الخشن من الثياب ولا يفخر بكونه الأمير، وقد فتح القدس وعليه ثوب مرقع، وهو القائل:” لو نادى مُنادٍ: من السماء أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلّكم أجمعون إلّا رجلاً واحد، لخفت أن أكون هو، ولو نادى مُنادٍ: أيها الناس، إنّكم داخلون النار إلّا رجلاً واحداً، لرجوت أن أكون هو.
لا تقرأ عن صمود سعيد بن جبير -رضي الله عنه- عندما واجه الحجاج ابن يوسف الثقفي وحارب ظلمه، فقبض عليه وجيء به ليُقتل فسأله الحجاج: ما اسمك؟، رد: سعيد بن جبير، قال الحجاج: بل شقي بن كسير، فابتسم سعيد وأجاب: بل كانت أمي أعلم باسمي منك، فقال الحجاج: شقيت أمك وشقيت أنت، قال سعيد: الغيب يعلمه غيرك، فانتفض الحجاج: لابد لك بالدنيا ناراً تلظى، فأجابه سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها.
ودار بينهما حوار طويل عجز فيه الحجاج عن مجاراة سعيد -رضي الله عنه- فأمر بقتله، فقال سعيد:” وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين”، فقال الحجاج: اصرفوه عن القبلة فصرفوه عنها، فرد سعيد:” فأينما تولوا فثم وجه الله”، فصرخ الحجاج: كبوه على وجهه، فابتسم سعيد وهو يقول:” منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى”، فأشار الحجاج بيده اذبحوه، فنظر سعيد إلى السماء وهو يقول: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة.. اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، فذبح من الوريد الى الوريد ولسانه رطب بذكر الله وبعده بأربعين ليلة مات الحجاج ولم يسلط على أحد..
لا تقرأ.. عن عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- حينما كان بالطائف وله بساتين، وكان يرتدي أغلى الثياب ولا يتعطر إلا بأجود العطور، ولا يركب إلا أفخم المراكب، وعنده الخدم الكثير، وكانت زوجته فاطمة بنت عبد الملك سليلة الملوك، ولما جاءه خبر توليه الخلافة، باع بساتينه، واعتق خدمه لوجه الله، وأودع كل ما يملكه في بيت مال المسلمين، وقال لزوجته إذا أردت أن تكوني معي فبيعي كل مجوهراتك، فباعتها وضمت مالها لبيت مال المسلمين، ولما وصل إلى دمشق قربوا منه مراكب الخلفاء فقال أبعدوها عنى وركب حماره إلى دار الخلافة، حيث ملأ الدنيا عدلا وأمنا ورد كل المظالم.

لا تقرأ.. في تاريخنا ما سيجعلك تنتحب على حالنا ونحن لا نفقه شيئا من مواقف العظماء وحياة الشرفاء التقاة.
لا تقرأ.. ما من شأنه أن يوضح كم نحن صغار إلى درجة المجهرية أمام كبار بتواضعهم وورعهم وصدقهم الذي لم نعرفه يوما.
لا تقرأ.. لأن مثل هذه الأخبار صارت لا ترقى إلى تطلعات جماهير تهتم بأخبار الكرة والفن، وتقدم خبر وفاة راقصة أثناء عملية إجهاض على مقتل المئات تحت قصف روسي، وتفضل متابعة برنامج ستار أكاديمي على برنامج أكاديمية زاد.
لا تقرأ واكتف بعمود لبوق من أبواق الفساد الذي سيوهمك أنك الأقوى والأرقى والأحسن وقوة ضاربة في المعمورة، بل أنك رقم واحد دون منازع ولا مثيل لك لأنك مواطن مثالي حتى وإن لم يملك سكنا ولا عملا ولا منحة لائقة، ولا يجد علاجا في أحسن منظومة صحية فإنه لا يفوت أي موعد انتخابي ولا ينتمي لجماعة الأيادي الخارجية ولا يخرج أبدا عن الحاكم، ويحفظ عن ظهر قلب ترانيم الولاء.
لا تقرأ.. فالقراءة المفيدة لم تعد مطلبا مشروعا لأنها لن تخلو من التوجيه والإرشاد والوعظ، وذم كل قبيح وانحراف وهذا ما يتنافى مع الحريات الشخصية والمناظرات التقدمية.
لا تقرأ.. لأن ضميرك قد يصحو وعقلك سيفكر، وهذا ما لا يريده من جلسوا على الكراسي جبرا، باعوا الذمم فخرا، ملؤوا الأوطان جورا، والوا الغرب غدرا، سجنوا الأحرار قهرا، وجعلوا الحرية عهرا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!