اللغة العربية

جمال التورية في اللغة العربية

التورية

تقديم

التَّوْرِية من أجمل فنون البديع وتعتمد على ظاهرة الاشتراك اللفظي كما في الجناس التام أو استلال بمعنيين أحدهما ظاهر والآخر خفي أو ببعدين قريب وبعيد مما يزيد الكلام سعة وبلاغة.

تعريف التورية

التورية لغة هي الستر والتغطية والإخفاء ومنه وارى التراب أي دفن.

أما اصطلاحاً فهي أن يذكر المتكلم لفظا يحتمل معنيين أحدهما قريب ظاهر غير مقصود ودلالة اللفظِ عليه ظاهرة، والآخر بعيد خفيّ وهو المقصود، ودلالة اللفظ عليه خفيّة.

لما للفظ من إيهام يوحي أن المعنى القريب هو المقصود ولكن لمعنى البعيد هو المراد من من الكلام.
 وتستعمل التورية لتجنب الكذب أو الخروج من مشكل أو تفاديا للعقاب وكذا لجمالية الكلام.

وفي تراث الأدب العربي خزائن نفيسة عن أمثلة راقية للتورية.

أهل بدر

يقول الشاعر :

يا بدر أهلك جاروا … وعلموك التجري
وقبحوا لك وصلي … وحسنوا لك هجري
فليفعلوا ما أرادوا … فإنهم أهل بدرِ

هذا التلميح فيه إشارة إلى قول النبي صلى الله علسه وسلم لعمر بن الخطاب حين سأل قتل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه :”لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم” ولو أتن الظاهر أن الشاعر قصد أهل من يوجه إليه الخطاب في الأبيات إلا أنه ذكر الصحابة الذين شهدوا بدر رضي الله عنهم.

إقرأ أيضا:الحكاية التعليمية :المفهوم و المرتكزات النظرية[1]

جند الحجاج وأبناء الأعيان

يروى أن الحجاج فرض حظرا للتجول، فكان الحرس يطوفون بالليل ومن وجدوه بعد العشاء يضربون عنقه، وذات ليلة قُبِضَ على ثلاثة شبان سكارى، فأحاط بهم الحرس :وقال لهم قائد الجند من أنتم حتى خالفتم الأمير؟

فقال الأول:

أنا ابن من دانت الرقاب له

ما بين مخزومها وهاشمها

تأتي إليه الرقاب صاغـرة

يأخذ من مالها ومن دمهـا

فأمسك عن قتله، وقال: لعله من أقارب أمير المؤمنين.

وقال الثاني:

أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره

وإن نزلت يوماً فسـوف تعـود

ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره

فمنهـم قيـامٌ حـولهـا وقعـود

فأمسك عن قتله، وقال: لعله من أشراف العرب

وقال الثالث:

إقرأ أيضا:طرائف نحوية وأدبية بليغة

أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه

وقومهـا بالسيـف حتى استقامـت

ركابـاه لا تنفـك رجـلاه منهـما

إذا الخيل في يوم الكريهـة ولـت

إقرأ أيضا:النص الأدبي بين الخطابة و الصبابة

فأمسك عن قتله، وقال: لعله من شجعان العرب

وعند الصباح رفع أمرهم إلى الحجاج، فأحضرهم وكشف عن حالهم

فإذا الأول ابن حجام، والثاني ابن فوال، والثالث ابن حائك.

فتعجب الحجاج من فصاحتهم وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب، فوالله لولا الفصاحة لضربت أعناقهم.

ثم أطلقهم الحجاج وأنشد يقول:

كن ابن من شئت واكتسب أدباً

يغنيك محمـوده عن النسـب

إن الفتى من يقول : ها أنـا ذا

ليس الفتى من يقول : كان أبي

والحيلة أن الشبان قصدو مهن أبائهم وأعمالهم ووصفوها بدقة ولكنهم وارووا حقيقتها لفظا ولو أظهروه معنى لكن الأمر الذي تبادر الى ذهن الجند أن الفتية من عليه القوم وأبناء ذوات فخش عقابهم مما منحهم فرصة النجاة.

السابق
“مرض كواساكي” النادر وعلاقته بفيروس كورونا المستجد
التالي
قصة حاطب بن أبي بلتعة

اترك تعليقاً