حامدُ والِذئْبُ

القصة الخامسة عشر من سلسلة قصصية للكاتب شاكر صبري، رسوم دينا مصطفى، تنشر حصريا على موقع معين المعرفة. (جميع الحقوق محفوظة ويمنع نسخ القصص ونشرها على مواقع أخرى أو طباعتها).

كانَ حامِدُ يَعيشُ في قريَةٍ بسيطةٍ , وكانَ يُوجَدُ بِجوارِ قَرْيَتِهِ مَزارِعٌ كَبيرَةٌ للْمَواشي ومَزارِعٌ للْدَواجِنِ , وحَوْلَ القَرْيَةِ  أَيْضَاً مزارعٌ كَبيرَةٌ لأشجار المانجو والفواكه الأخري  , و كانتْ هَذِهِ القَرْيَةُ تُطِلُّ علَي مِنْطَقَةٍ صَحْراويةٍ وحَوْلَها الجِبالُ ,  ولِهَذَا فِإِّنَ أَهالي هَذِه المِنْطَقَةِ كانوا دائِماً ما يَخافونَ علَي أَوْلادِهِمْ  الصِّغارِ منْ الخُروجِ وَحْدَهُم خَوْفاً عَلَيْهِمْ  منْ الذِّئابِ خَاصَّةً في اللَّيْلِ .
ذَبَحَ والِدُ حامِدُ خَروفاً وأَحَّب أنْ يُهْدي إلَي خالَةِ حامِدَ قِطْعَةً منْ لَحْمِ الخَروفِ  , فَجَهَّزَ قِطْعَةً طَيِّبَةً منْها  , وطَلَبَ منْ حامِدَ أنْ يَحْمِلَها إلَي خالَتِهِ  , وكانَتْ في آَخِرِ القَرْيَةِ بِجِوارِ المِنْطَقَةِ الجَبَلِيَّةِ بَيْنَما كانَ مَنْزِلُ حامِدَ  في أَوَّلِ القَرْيَةِ ….  .

خافَتْ والِدَتُهُ عَلَيْه منْ السَّيْرِ وَحْدَهُ، ولَكِنَّ والِدَهُ قالَ لَها :  إنَّهُ رَجُلٌ، عُمْرَهُ الآنَ قدْ تَجاوَزَ الحادِيَةَ عَشَرَ عاماً، يَجِبْ أنْ يَتَعَلَّمَ تَحَمُّلَ المَسْؤوليَّةِ، كَما  أنَّ  الوَقْتَ قَبلَ المَغْرِبِ، ولمْ يَدْخُلِ الليْلُ بَعْدُ .
ولكِنَّها قَلِقَتْ عَلَيْهِ، وظَلَّتْ تَقولُ لَهُ : كُنْ حَريصاً يا بُنَّي .
أَعْطَتْ لَهُ والِدَتُهُ سِكِّيناً لِكَيْ يُعْطيها لِخالَتِهِ لِكَيْ تَقْطَعَ اللَّحْمَ بِها  , لأَنَّ سِكِّينَها قَدْ ضاعَتْ ,  وطَلَبَتْ منْها  أنْ تُرْسِلَ لَها السِّكينَ مَعَ حامِد  .
خَرَجَ حامِدُ وهُوَ خائِفٌ يَرْتَعِشُ منْ ما يَسْمَعُه منْ الكَلامِ عنْ الذِّئابِ , لَكِنَّه كانَ يَتَذَكَّرُ كلامَ والِدِهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَعَوَّدَ علَي مُواجَهَةِ الصِّعَابِ , فَهُوَ رَجُلٌ  ,  ويَجِبُ أنْ  يَكونَ  علَي قَدْرِ المَسْئولِيَّةِ  , والشَّجاعَةُ منْ شِيَمِ الرِّجالِ .

  كانَ حامِدُ يَعُدُّ الخُطُواتِ وهُو ينَظْرُ إلَي الأَرْضِ حتَّي لا يَدْخُلَ الخَوْفُ إلَي قَلْبِهِ   .

 وأَثْناءَ اقَتِرابِ  حامِدَ منْ مَنْزِلِ خالَتِهِ  , فوجِيَء بِوجودِ ذِئْبٍ أَمامَهُ يُكَشِّرُ لَهُ عنْ أَنْيابِه , لمْ يَكَدْ يُصَدِّقُ حامِدُ ما حَدَثَ  ,  ظَنَّ أنَّهُ يَحْلُمُ  , وتَسَمَّرَ مَكانَهُ وفَكَّرَ ماذا يَفْعَلُ ؟
تَذَكَّرَ حامِدُ أنَّ الذِّئْبَ يُحِبُّ اللَّحْمَ  , ولِهَذا رَمي نَحْوَهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ كَبيرَةٍ منْ اللَّحْمِ الذِّي مَعَهُ ,  واتَّجَهَ الذِّئْبُ نَحْوها علَي الفَوْرِ وشَمَّها , ولِكِنَّهُ سُرْعانَ ما عادَ إلَي حامِدَ , وحينَئِذٍ تَذَكَّرَ حامِدُ أنَّ مَعَهُ سِكِّيناً  فَأَخْرَجَها علَي الفَوْرِ وأَخْفاها خَلْفَ ظَهْرِهِ  , واتَّجَهَ إلَي مَنْزِلِ خالَتِهِ مُسْرِعاً  , وجَرَي الذِّئبُ خَلْفَهُ  .

 وصَعَدَ حامِدُ علَي سُلَّمِ مَنْزِلِ خالَتِهِ  , ولَكِنَّ الذَّئْبَ كانَ قدْ وَصَلَ إِلَيْهِ  , واقْتَرَبَ مِنْهُ  , وبِمُجَرَّدِ أنْ وصَلَ الذَّئْبُ إِلَيْهِ لمْ يَكنْ حامِدُ يُصَدَّقُ ما حَدَثَ  , ولمْ يَكُنْ يَدْري بِنَفْسِهِ ,  فَأَخْرَجَ السِّكينَ منْ الحَقيبَةِ التِّي مَعَهُ  , وطَعَنَ الذِّئْبَ بِها في رَقَبَتِه التِّي كانَتْ قَريبَةً مِنْهُ جِدَّاً ,  وقدْ أَوْشَكَ أنْ يَفْتَرِسَهُ .  

لَمْ يَشْعُرْ حامِدُ بِشَيْءٍ بعد ذلك , فَقَدْ خارَتْ قُوَيَ  الذِّئْبِ  ,  فَهرَبَ حامِدُ والسِّكينُ مُعَلَّقَةً في رَأْسِ الذِّئْبِ ,  أَمَّا الذئْبُ فَقَدْ ابْتَعَدَ عنْ  المَنْزِلِ مُتَرَنِّحاً منْ  شِدَّةِ الطَعْنَةِ . 

نَظَرَ حامِدُ للذَّئْبِ فَوَجَدَ أنَّهُ قدْ طَعَنَهُ طَعْنَةً قَوِيَّةً ,  والسِّكِينُ مُعَّلَقَةٌ بَرَقَبَتهِ , فَشَعَرَ بالرَّاحَةِ والهُدوءِ ,  ثُمَّ عادَ واتَّجَهَ إلَي مَنْزِلِ خالَتِهِ ,  وصَعَدَ إلَي أَعْلَي السُلَّمِ وهُوَ يَصْرُخُ  مُسْتَغيثاً بِخالَتِهِ .
كانَتْ خالَتُهُ قدْ فَتَحَتْ البابَ هِيَ وَزْوجُها  , لأَنَّهُمْ سَمِعوا صَوْتاً غَريباً يَأْتي منْ الخَارِجِ, ولمْ يَعْلَموا أَنَّهُ  صُراخُ حامِد ,  وفَتَحوا البَابَ في نَفْسِ الوَقْتِ الذِّي وَصَلَ فيهِ حامِدُ إلَي البَّابِ , وفوجِئوا ِبهِ  أَمامَهُمْ , وقامَتْ خالَتُهُ  علَي الفَوْرِ باحْتِضانِهِ ,  ونَظَروا إلَي الذَّئْبِ  فَوجَدوهُ قدْ سَقَطَ علَي الأَرْضِ  والدِّماءُ تَسيلُ منْهُ  ,   بيَنْما حامِدُ قدْ وَصَلَ إلَي البابِ  .

شرَحَ لَهُمْ حامِدُ ما حَدَثَ .
فرِحَتْ الخالَةُ والأًسْرَةُ كُلُّها بِشَجاعَةِ حامِدَ المُبْهِرَةِ ,  وصارَتْ قِصَّةُ حامِدَ مَعْروفَةً للْقَرْيَةِ كُلِّها , وأَصْبَحَ حامِدُ رَمْزاَ في القَرْيَةِ للْشَجَاعَةِ والإِرادَةِ .
وقالوا إنَّ الشَّجاعَةَ الحَقيقيَّةَ لا تَظْهَرُ إلاَّ حينَ وُجودِ الضَّرورَةِ لَها  .
وتَمَرُّ الأَيَّامُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُصْبِحَ حامِدُ ضابِطاً في الجَيْشِ  , ويَحْصُلْ علَي أعْلَي الأَوْسِمَةِ في الشَّجاعَةِ والفُرُوسِيَّةِ .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!