حروب الجيل السادس.. الإمبراطوريات الجديدة للقرصنة والإعلام!

القرصنة الالكترونية ودورها في الانتخابات الأمريكية

بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية سنة 2016 ضد هيلاري كلينتون، والذي أحدث مفاجأة بالنظر لكل التحليلات والقراءات التي اتفقت على فوز مرشحة الديمقراطيين، كتب البعض أن الإعلام لم يعد بتلك القوة التي تسمح له بالتنبؤ بنتائج الفوز (نظرا للدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية في توضيح ملامح المرشح المحتمل للفوز من خلال سبر الآراء، والمناظرات التلفزيونية، والاستبيانات وغيرها)، لاسيما في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية والتي تعد انتخابات محورية ينتظرها كل العالم لرسم معالم السياسة الأمريكية (والتي لا تتغير في منظورها العميق وإنما تتغير شكلياً فقط).

إلى أن ظهرت حقائق جديدة تخص هذه الانتخابات وما تعلق بقرصنة اللجان الانتخابية في أمريكا من قبل قراصنة ينتمون للاستخبارات الروسية، وكذا قرصنة ونشر مئات الايميلات الخاصة بمرشحة الحزب الديمقراطي، ليكون في النهاية الفوز لدونالد ترامب أين خالفت النتيجة كل التوقعات السابقة.

تراكمت نتيجة ذلك تداعيات خطيرة على المستوى الداخلي لأمريكا وكذا على المستوى العالمي خاصة ما تعلق بالدول الإسلامية، الهجرة، والحق الفلسطيني، لتكشف لاحقا حقائق أخرى عن دور وفعالية القرصنة الإلكترونية في تغيير النتائج، فهل هو إعلان لأولى حروب الجيل السادس التي انطلقت بشكل فعلي بين روسيا والولايات المتحدة، خاصة مع اللغط الذي واكب نتائج انتخابات الدولة التي تصنف كقائدة للعالم في مختلف المجالات وفي التكنولوجية والحماية من الاختراقات الخارجية خاصة، وهل هو الإعلان الرسمي عن ميلاد قياصرة جدد يحركون العالم بالترسانة التكنولوجية، خاصة وأن الشركات الأربع العملاقة والتي تتحكم في أهم التكنولوجيات ولواحقها (GAFA غوغل، أمازون، فايسبوك، وآبل) باتت بمثابة غيلان تكنولوجية تتحكم في المعلومة والأخبار، وقد تساهم في صناعة الوهم، وبناء الحقائق وفق منظورهم المبني على مفاهيم ليبرالية غربيةّ.

القرصنة فاعل جديد في حروب القوة الناعمة

من جهة أخرى شكلت أنباء القرصنة الروسية في تبديل النتائج الخاصة بالانتخابات الأمريكية بعملية مرتبطة بالاستخبارات العسكرية الروسية صدمة لدى الشعب الأمريكي حيث استهدفت القرصنة شركات أمريكية خاصة تؤمن خدمات لتسجيل الناخبين حسب الوثائق التي سربت لاحقا لتؤكد التسريبات ما تم تداوله من أخبار عن احتمالية التلاعب بنتائج الانتخابات ليصبح بهذا التدخل الأول، المباشر والمعلن عن بروز إمبراطوريات موازية للدول تقوم بمصادرة حق الشعوب والأمم، وليكون أيضاً الإعلان الرسمي عن بدء عصر حروب الجيل السادس التي تعتمد على التحكم عن بعد وعن طريق الانترنت بهدف تحطيم العدو، كما تدار عن بعد دون تحريك جندي واحد بل جنودها يجلسون في “المكاتب” عدتهم أجهزة “الكمبيوتر”.

المؤكد أن الدول تتسابق نحو التحكم في هذا السلاح الجديد الذي يتحدى الآليات القديمة في الحروب كالولايات المتحدة بأجهزتها الاستخباراتية والتي تستقطب تجنيد قراصنة من مختلف أنحاء العالم وبعروض مغرية بغرض التجسس على الدول والحكومات، فحروب الدعاية لم تعد مجدية وباتت أدواتها مفضوحة غير أن العالم التكنولوجي والافتراضي أصبح ساحات للقتال وفضاءات للمعارك والحروب الدامية والتي لا يترتب عليها موت جنود وتدمير مباني وإنما إسقاط دول بأكملها والتحكم في مصائر الأمم والإنسانية، والتاثير في القرارات السيادية.

هل نعيش الوهم أم الحقيقة؟

قد يعتبر البعض أنه يعيش الحقيقة لكن الواقع يخبرنا عكس ذلك، فالتحكم الكبير في الأخبار والتدفق المعرفي غير العادل هو دليل على “تدفق الوهم” نحن الدول التي لا تتحكم في التكنولوجيات، وما قام به فايس بوك أثناء العدوان الأخير على غزة وحجب التغريدات المؤيدة لفلسطين والمناهضة للكيان هي دليل ملموس على محاولة دحض حقيقة الواقع واقتراح الزيف والتلفيق.

وهنا نشير إلى أن هذه السياسة من فايسبوك كانت منتهجة قبل العدوان باتفاق بين مارك زوكنبرغ وحكومة الكيان الصهيوني على حجب كل الصفحات التي تساهم في نشر الحق الفلسطيني وتصنيفها ضمن الصفحات الإرهابية رغم أن هذه الصفحات صفحات مليونية، كما أن أغلبها كانت تابعة لمؤسسات إعلامية، إلا أنَّ هذه الإجراءات تسببت في وئد أي صوت يناهض الإبادة الممنهجة، التهجير، والتهويد الذي تمارسه قوات الكيان على الإنسان الفلسطيني وعلى الأرض أيضاً.

ولعل معادلة الوهم والحقيقة في عصرنا الحالي من أكثر الثنائيات صعبة الحل في ظل التطور التكنولوجي الضخم والتغول الإعلامي لكبريات المؤسسات الإعلامية العالمية العابرة للقارات، والتي قد تركز على حدث وتهمش حدثاً أكثر أهمية حسب السياسة التي تتحكم في هذه المؤسسات العملاقة التي تخلت عن دورها التاريخي المتمثل في نقل الخبر لتصبح اليوم “تصنع الحدث وتجعل منه الخبر الرائج عالميا” دون غيره.

الأنترنت… النافذة التي تهدد الأنظمة في العالم

التحكم في الأنترنت هو ما تتمناه كل الأنظمة والتي من الطبيعي أن يكون لها معارضين سواء في الدول التي تصنف ديمقراطية أو في الأنظمة الشمولية أو حتى الديكتاتورية.

ففي النموذج الديمقراطي يحاول المحركون الفعليين التحكم في المحتوى من خلال القوانين حتى تعطى الشرعية لهذا الإقصاء والتحكم، وأما في البلدان الديكتاتورية أو الشمولية فلا تحتاج هذه الأنظمة للقوانين بل تتحكم في الأنترنت وتدفقها بصفة تعسفية.

ومن بين القوانين التي تبرر الحجب والتحكم والمراقبة نجد ما قامت به كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وهو ما يوضح الأهمية البالغة لهذه التكنولوجيات والتي باتت تصنف ضمنيا من الأسلحة الإستراتيجية، فبعد أن كانت تقوم روسيا بمراقبة المحتوى عبر الانترنت لاسيما مواقع التواصل الاجتماعي للمناضلين والمعارضين لسياسية بوتين، قام الكرملين بتاريخ 1 ديسمبر/ كانون الأول 2019م بالمصادقة على قانون “أنترنت آمن”، للتحكم في كل الهياكل التي تضمن خدمة الانترنت عبر كل روسيا، وحاول الكرملين فرض قائمة مواقع ممنوعة وحجب أخرى، والتحصل على معلومات كل من يخالف ويعارض السلطة، من خلال فك تشفير معلوماتهم البيانية وكذا التجسس عليهم.

أمضى هذا القرار فلادمير بوتن بتاريخ 1 مايو/حزيران 2019 م، وتمت المصادقة عليه لاحقا، كما يُفعَّلُ القانون إحالة المخالفين حسب هذا القانون نحو قانون العقوبات الروسي، وتم تقديم القانون من قبل البرلمان سنة 2018، وعرفت شوارع موسوكو احتجاجات كبيرة رافضة له في مارس/ آذار 2019، في حين برر فلادمير بوتين هذا القرار في إطار حماية الدولة واعتبره ردا على القانون الأمريكي “الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبيراني للولايات المتحدة.”، وهو الإعلان غير الرسمي لهذه الحروب التي تتم في السر ولكن نتائجها تكون على أرض الواقع وتتجلى في قرصنة البيانات والمعلومات والتحكم في مختلف فواعل الإعلام الذي تسيره الإمبراطوريات المالية والاقتصادية العالمية، وكذا في الانترنت التي أعطت الأمل للشعوب لكن سرعان ما تم مصادرة هذا الأمل…


بقلم الأستاذة: مريم مليكة بوخاري/ القراءة من المصدر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!