خطر سوء استخدام شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي

ظاهرة غريبة انتشرت على نطاق واسع وتزايد رهيب لعدد المستخدمين لمختلف التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما عرض محتوى من غير ضوابط أخلاقية ولا قيم اجتماعية أو مقاييس علمية.

 لم يعد هناك حاجز أمام غياب النضج  والوعي الذي ساهم في تغلغل أفكار وممارسات سامة خبيثة باعتماد مبدأ الحريات الشخصية وكل يفعل ما يحلو له، فلا يحق لأحد التدخل وكل يحاسب وحده في قبرة، نعم هذه هي العبارات التي يرد بها أغلب من يجاهرون بالمعصية  ويرون في ذلك حرية وعصرنة.

أين هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لماذا هذا التغافل عن سوء استخدام الأنترنت لينشأ جيل منحرف فكريا ومنحل خلقيا ومشوه حتى جنسا، في حين يتخذ من يُزعم أنهم مؤثرون ومشاهير قدوة رغم أن ما يقدمونه ليس سوى قمامة –أكرمكم الله- رقص ماجن وغناء هابط بأزياء فاضحة ونصائح إلى الهاوية.

كان من الأولى رؤية نوابغ ومبدعين كمؤثرين ورواد لهذه المواقع التي أخرجت كل نكرة  للواقع علنا وفرضته فرضا على المجتمع كنماذج للنجاح والتفوق وإشغال الرأي العام.

المشكل الأكبر هو غزو برامج ومحتويات منحطة لعالمنا، والشاهد برنامج التيك توك وحضوره على مختلف الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية الأخرى والمادة الأولى هي الأغاني الهابطة  والرقص الماجن والعري المجاني خاصة مع تقنية البث الحي (اللايف)، خصوصيات تذاع وتنشر، عورات تكشف، وستر ينتهك وحرام يصفق عليه، ولم يقتصر الأمر على الكبار بل طال الصغار وبكل أريحية من غير حسيب أو رقيب.

انتشار سلوكيات دخيلة على المجتمع الجزائري، وعرضها على العلن قضية رأي عام وليست مسألة شخصية تتعلق بالحريات الفردية، فسواء كان الهدف تحقيق  الشهرة أو كسب أكبر عدد من المتابعين والحصول على تعليقات وإعجاب في مواقع التواصل الاجتماعي يظل المحتوى المقدم رصيدا محفوظا.

تتحمل الأسرة المسؤولية الأكبر، والخلل يكمن في آباء وأمهات تخلوا عن أدوارهم في التربية والتنشئة الحسنة وعكفوا على توفير المال من أجل اقتناء حاجيات توافق متطلبات العصر وأولها الهواتف النقالة بأحدث الموديلات، والمزودة بالأنترنت من غير وعي بأخلاقيات التعامل معها والوقوع في شباكها الممتد عبر عالم افتراضي فيه كل محظور مباح ضاربا عرض الحائط الشرع والعرف، زد عليه السهر وتضييع الواجبات بكل أنواعها.

فبشهادة معلمة في الطور المتوسط أن التلاميذ يأتون للمدرسة والنعاس يغلب عليهم ومنهم من ينام أثناء الدرس، بغض النظر عن الهالات السوداء حول عيونهم وتشتت انتباههم، لتوجه نصيحة للأولياء بأخذ الهواتف الذكية من أبنائهم وإطفائها ليلا لأنهم لا ينامون ويقضون الليالي في الدردشة ومشاهدة الفيديوهات وغيرها مما يؤثر سلبا على تركيزهم وتحصيلهم الدراسي.

وماذا عن حقيقة ما يتعرضون له من محتوى وتبادل ليس إلا علاقات محرمة، عري، مجون، مخدرات، ألفاظ نابية، وسلوكيات مخالفة يتبعها التشهير، الابتزاز، الاستغلال، ولو أن الكثيرين يستعملون أسماء مستعارة ولكن يظل التهكير (القرصنة) أداة فعالة لكشف المستور، دون إغفال ما يبقى في صحيفة المرء ليوم تشخص فيه الأبصار.

الأنترنت عامل مهم للاستفادة والإفادة والإثراء، لكن الالتزام بأخلاقيات استخدام أدوات البيئة الافتراضية هو أساس النجاح، وعلى الأولياء التنبه أن تربية الأبناء وفق ضوابط وأحكام تربوية مستمدة من الشريعة الإسلامية هو دورهم الأول، أما تأمين أجهزة ذكية لهم من غير بنائهم الأخلاقي فيعد جريمة في حقهم وحق المجتمع ككل.

الحداثة والتطور التكنولوجي لا يتعارضان أبدا مع حسن التربية، والرخص الواهية أن الزمن تغير أو ربوا أولادكم بغير أخلاقكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم لا يغني من الحق شيئا والتفسير الحقيقي غير ظاهر اللفظ، لأن ديننا الحنيف شمولي فهو منهج متكامل، وتشريع لكل مجالات الحياة يصلح لكل زمان ومكان أو بالأحرى لن يصلح زمان أو مكان دونه.

إن ما يشهده العالم من تطور ليس بمبرر للتخلي عن الضوابط والقيم التي لا يمكن للإنسان السوي العيش من دونها، والمسلم الحقيقي هو من لا يقبل تغير مفاهيم الأخلاق لديه تحت أي ظرف، واستعمال التكنولوجيا ليس من مرادفات الانحدار الأخلاقي والفسق لأن ذلك انحلال خطير.

الفراغ الروحي المنتشر في المجتمع خلف فئات مشوهة نفسيا وأخلاقيا وحتى شكليا من حِلاقات شعر محرمة (القزع) بصبغات غريبة وسراويل هابطة أو لصيقة بالجسد وغيرها من الألبسة المخالفة، فالمشكل عام لأن الفضول والتقليد قد امتد حتى للعوائل المحافظة وصار التطبيع عنوانا لها.

ما أحوج الأجيال للقدوة الصالحة وللأسف معظم الآباء والمعلمون ليسوا كذلك، ففاقد الشيء لا يُعطيه، ومن غريب ما يحدث أن تذهب أم لتتشاجر مع تجار مخدرات لأنهم غشوا ابنها وباعوه  مكعب من مرق جمبو، ويتدخل أب ويحضر معه أصدقاءه بالسكاكين والخناجر ليؤدب بائع مخدرات لأنه تلاعب بابنه أثناء عملية بيع وشراء مهلوسات، وأساتذة يمضون ساعة الدرس في مشاهدة فيديوهات للرقص والغناء وآخرون يتلفظون بكلام فاحش، والإمام مهتم بشرح ركن الزكاة، ووجوب طاعة ولي الأمر وعدم جواز الخروج عن الحاكم، ولو حدث وتكلم عن ما يحدث في المجتمع سيكون بالتعريض والمختصر.

رحم الله زمنا كان الأب راعيا والأم قائمة على بيتها، والأخ موجها، والجار ناهيا، والمعلم مربيا، والإمام واعضا ناصحا، أما اليوم فمن يتكلم يصبح حشريا ومتدخلا في شؤون غيره، وقد يتعرض للشتم والزجر، تراجع الوازع وضعف الرادع.

فلكل من يسعى للخير أن يضع صوب عينيه أن جهده مأجور، وتربية النفس والأبناء مسؤولية لا يجب التفريط فيها، فلا يستهين أحد تأثير الأنترنت السلبي، فهو الهلاك إذا لم يتابع بالحرص والمراقبة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!