اكتشف العالم حولك

دليل القصبة الإسماعيلية بمكناس

دليل القصبة الإسماعيلية بمكناس


سلسلة “تعرف على مدينتك “
الموضوع الاول: دليل القصبة الإسماعيلية بمكناس

تقديم

من أبرز المعالم التاريخية والسياحية الموجودة بالمدينة المغربية مكناس تتميز باتساع رقعتها الجغرافية وجمال عمارتها الفنية وبسورها الذي تتخلله الأبواب والتي تشكل المنافذ الرئيسية، ولا يمكن المرور من القصبة الإسماعيلية دون التوغل في أرجائها وإكتشاف مداخلها ومخارجها في جولة ممزوجة بعبق التاريج وأريج الأصالة وسحر الأبداع وذكرى لاتنسى تؤكد أن القصبة الاسماعيلية، أكبر وأشهر وأجمل قصبة في المغرب.

موقع القصبة الإسماعلية ومرافقها


موقعها شرقي مدينة مكناس 140 كلم شرق العاصمة الرباط، تتربع على مساحة شاسعة محاطة بسور إسماعيلي، وهو يبتدئ بمنة المواجه «لباب منصور العلج» من «ساحة الهديم» ثم يذهب مع جدار «جامع الأنوار»، حيث يمتد خارج المدينة حتى باب «حي بني محمد»، ويمر وراء هذا الحي ثم «بحي الزيتون»، وهنا تنفتح ثلاث أبوب، آخرها الباب المعروف «بباب القزدير»، ومنه يذهب هذا السور حتى الباب الخارجي «لقصبة هدراش»، الذي يمتد منه خلف «حي سيدي عمرو الحصيني» إلى «باب الحجر»، وهذا هو الباب الرئيسي للقصبة في العصر الإسماعيلي، وكان يسمى «باب العلــــــوج»(1) ومن هنا يصير للقصبة سوران اثنان: يمتد أولهما من هذا الباب ويسير مع «ممر الدريبة»، ثم ينعطف إلى «فسحة عودة» محاديا «شارع دار السمن»، حتى ينتهي حيث ابتدأ عند «باب منصور العلج» من جهة اليسار.
أما السور الثاني فيمر بأسفل «شارع روى مزين»(2) في مقابلة المدينة الجديدة وطرف من «بستان الحبول»، إلى أن ينعطف صاعدا مع عقبة «الزيادي» حتى الباب الموالي «لشارع دار السمن» الذي أزيل أخيرا، وقد كانت بداية هذا السور تتصل «بباب أبي العمائر».
ومن الجدير بالذكر أن السلطان المولى عبد الله في ـ دولته الأولى ـ زاد في علو هذه الأسوار الإسماعيلية، وبنى في كل ركن من أركان القصبة «بستوينا»(3).
وقد صار «باب منصور العلج» هو المدخل الرئيسي لهذه القصبة، وهو من بناء المولى اسماعيل، ثم جدده وزخرفه ابنه المولى عبد الله عام 1144هـ(4) 1731 ـ 1732م، وبداخله كان مقر محكمة باشا المدينة في الدكة المواجهة للداخل، عادة استمرت حتى نهاية الدولة العزيزية عام 1325هـ ـ 1907م.
فإذا تخطى الزائر هذا الباب، فسيقابله موضع باب هدم وشيكا، وكان يعرف «بباب فيلالة»، حتى إذا انحرف يسارا فسيجد نفسه في «فسحة عودة»، وهي ساحة فيحاء تحتفظ بطلين اسماعيليين يكتنفان الجامع هناك، حيث يوجد عن ميمنته أسوار «قصر الستينية»(5)، وعن ميسرته بقايا «قصر النصر»(6).

إقرأ أيضا:كهوف الطاسيلي ..قصة فجر الحضارة وميثولوجيا ما قبل التاريخ

جامع عودة

أما هذا الجامع فمؤسسه الأول: هو أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، الذي ضمن «القصبة المرينية» في شوال 679هـ(7) ـ 1281م، وقد اشتهرت تسميته بجامع عودة: «مسعودة الوزكيتية والدة المنصور السعدي»، ولا يبعد ان هذه الإضافة تلوح إلى تجديدات قامت بها الأميرة السعدية في هذا الجامع، الذي يطبع هيكل بنائه الداخلي بطابع سعدي، وما في كلام البعض(8) من نسبة بنائه للسلطان إسماعيل: يتعين حمله على تجديد أدخله على هذا الجامع، ومما يدل لهذا: الكتابة المنقوشة أعلى أحد بابيه، حيث أنها إنما تنسب لهذا السلطان إنشاء الباب خاصة.
ومن ملحقات هذه الفسحة بقايا جامع الأنوار، الذي صار ـ من وقت غير قريب ـ مركزا لمدرسة ابتدائية عصرية، وهذا هو الذي يسميه الزياني ـ في «الترجمان» ـ «بالمسجد الأخضر»، ويذكر أن له بابا مفتوحا إلى داخل المدينة، وهذا الباب أهم أثر بقي من هذا الجامع، وهو واقع يمنة المواجه «لباب منصور العلج» من ساحة الهديم، وكان الذي دمله وزخرفه هو السلطان المولى عبد الله، عام 1146هـ 1733 ـ 1734م(9).
وحسب «زهر البستان»(10): فقد كان هذا الجامع محمولا على أساطين رخامية كثيرة، ويشتمل على «صحن» مربع الشكل، رحب المتسع، تتوسطه «قبة» قائمة على أعمدة من الرخام مختلفة الأشكال، بزواياها الأربع شبابيك خشبية أمسكت بصفائح مذهبة الأركان، أرضها مفروشة بالرخام، وخشب سقفها ملون ومنقوش نقشا جميلا، وفي داخلها وضعت ببلة رخام فريدة، وقد وازى هذه القبة «بير» أحدق به أربع بيلات صغار منقورات في أرض رخامية قائمة على دائرة مرتفعة، وإلى جانب كل بيلة يوجد حوض يمتلئ منها، وكان إزاء هذا الصحن ـ في الركن الذي يلتقي فيه الربع الشرقي مع الربع القبلي ـ «منار» يرقى فيه بدون مدارج، وقد انهد هذا الأثر في زلزال عام 1169ـ ـ 1755م(12)، ولم يبق منه ـ الآن ـ سوى بابه وأسواره.
وفي قبلة هذا الجامع كان مقر «المكتبة الإسماعيلية» العظيمة، في دار على حدة تعرف «بدويرة الكتب»، التي كان بابها ـ المغلق منذ زمن ـ يقع يمنة الداخل من «باب فيلالة» المار الذكر، وقد تحدث عن هذه الدار ومحتوياتها نفس المصدر الآنف الذكر وقال:
«ومن محاسن هذا الجامع ـ الاخذ من الإحسان والصنع الجميل بالمجامع ـ أن أسند إليه بربعه القبلي من حيث اتصاله بالربع الشرقي: خزانة الكتب، مشتملة على قبتين، مصونة حلقتها بشباك من حديد، قائمة على أربعة قوائم من الرخام، وبها من الكتب العلمية ألوف عديدة، فيها من كل فن ما يحصل به رغبة القاصدين من العلماء الأعلام: من جميع هذه الإيالة الشريفة، والمملكة الباهرة المنيفة».
وقال عنها في «درة السلوك»(13): «وبإزاء هذا المسجد «دار الكتب»، التي لم يعهد قبلها ولا بعدها خزانة تشاكلها، جمع فيها من التصانيف الغريبة والدفاتر العجيبة ألوف عديدة، وكان يدخلها ـ كل يوم ـ علماء الحضرة بقصد المطالعة والوقوف على تصحيحها، ومباشرة سقيمها من عليلها (كذا)».
كذلك جاء ذكرها في «نفحات الشباب»(14) حيث يشتكي الأمير محمد العالم بن السلطان اسماعيل من قلة القراء بهذه المكتبة، التي ذكرها ـ أيضا ـ كل من «سنا المهتدي»(15) و«روضة التعريف»(16).
وقد كان الأمين عليها هو الوزير أبو عبد الله بن أحمد بن الحسن بن أحمد اليحمدي(17)، ثم صار أمينا عليها ـ قيد حياته ـ ولده أبو عبد الله محمد، من عام 1118 إلى عام 1164هـ(18)، وأخيرا: فإن السلطان محمد الثالث سبل هذه المكتبة على العموم، حيث أوقف ـ على سائر مساجد المغرب ـ كتبها التي يزيد عددها على 000 12 مجلد، وذلك في عام 1175هـ ـ 1761 ـ 1762م(20).
بقي أن نذكر أنه يوجد بفسحة عودة ـ أيضا ـ «مسجد صغير» على ميمنة الداخل لباب الستينية، وهو من بناء السلطان محمد الثالث(21)، ويسمى ـ الآن ـ «بجامع الستينية».
فإذا أنهى الزائر الوقوف على معالم هذه الفسحة، فليعد إلى مدخل «باب فيلالة» وليسر منه «لحي مولاي اسماعيل»، الذي يجد فيه أربعة ءاثار مهمة الأول: «بقايا قصر اسماعيلي» قديم يواجه الداخل من هذا الباب، وهو ـ بدون شك ـ من قصور الدار الكبرى(22) ءاتية الذكر.

إقرأ أيضا:لمحة تاريخية عن قصبة هدراش

ضريح المولى اسماعيل

«الضريح» الذي يرقد فيه المولى اسماعيل، مع سلطانين من ذريته، وهما: ابنه المولى احمد الذهبي، باني هذا الأثر الذي أعيد إصلاحه بعد الاستقلال، ثم المولى عبد الرحمن بن هشام(23)، وعن يمنة مدخل هذا الضريح توجد بقايا «مسجد الرخام»(24)، الذي كان متعبدا خاصا للسلطان اسماعيل، ثم في الموضع الذي كان يعرف بصحن البيرة توجد بناية قديمة عن يمين الداخل، وفيها يقع «مشهد أبي زيد عبد الرحمن المجذوب»(25)، الذي يجاوره من الجهة الشرقية ـ «مشهد أبي موسى: عمران بن موسى الجاناتي»(26).
ومن الجدير بالذكر: ان مدخل هذا الضريح إنما كان من الخوخة المقابلة لباب القبة التي يدفن فيها المولى إسماعيل، بينما كان الباب الحالي لهذا الضريح مدخلا لمسجد الرخام الآنف الذكر.
الثالث: «المطبق الإسماعيلي» الواقع يمنة هذا الحي، وهو يمتد تحت الأرض في مساحة شاسعة مهولة، محمولة على أقواس تتخلل أوائلها نوافذ سقفية الإضاءة، ومدخله الأول لايزال مجهولا، وإنما ينزل إليه ـ الآن ـ من نقب في سطحه بمقربة من «قبة الخياطين»(27)،

الموارد المائية للقصبة

عمل السلطان مولاي اسماعيل على تزويد القصبة بثلاث مصادر للماء وهي:

المصدر الأول: أمر بإصلاح قواديس عين تاكما التي أصابها الإهمال في الفترات السابقة لعهده، وخصص ثلث مياهها للمسجد الأعظم بينما أدخل الثلث الباقي لدارالمخزن.

إقرأ أيضا:أسطورة دار خداوج العمية ( العمياء) رؤية من الداخل

المصدر الثاني: اختصت به القصبة الاسماعيلية وحدها، وهو الحوض المائي الكبير المعروف بـ (صهريج السواني) طوله 300م وعرضه 140م، وكانت تزوده مجموعة من الآبار، يذكر ابن زيدان أنها كانت في غاية العمق، وذات مياه عذبة طافية، وجعل لكل بئر دولابا عظيما ينقل منه الماء ويصبه في المجاري المعدة له، الى أن يصب في الصهريج، وكانت مياهه تسقي بساتين المخزن وجنانه، وقد حرص السلطان على تحصين تلك الآبار داخل بناية مقبوة (على مقربة من باب الناعورة) وفوقها صقالة (حصن) مستديرة تصوب مدافعها نحو الجهات الأربع للمدينة.

المصدر الثالث: ماء (واد بوفكران) الذي يعد إدخاله الى القصبة الاسماعيلية والمدينة القديمة، من أكثر مشاريع السلطان أهمية، فقد حول ماء النهر عند نقطة قرب ضريح سيدي بوزكري، بواسطة ساقية مكشوفة كانت تتفرع عند امحل المسمى بـ(الشرشيرة) الى ساقيتين، ساقية تتجه نحو الغرب تنقل الماء الى بساتين المشتهى والروى، وساقية أخرى تجري شرقا فتزود (قصبة هدراش) ثم (الدارالكبيرة).

وشيدت داخل القصبة مجموعة من سقايات السبيل على أهم مناطق المرور كسقاية باب الرايس، وسقاية باب الناعورة.


المصادر من موقع الحبوس بتصرف.

(1) هذه التسمية وردت في «مختصر مدد التاييد، في ترتيب المحفوظات والتقاييد»، لمحمد بن أحمد الجنان الفاسي، مخطوط.
(2) كان به اصطبل صغير للسلطان اسماعيل، يودع فيه ما يهدى له من الخيول وما إليها، «العز والصولة» ج 1 ص 164 ـ 147، أما مزيل ـ باللام ـ المضاف له الأروى، فقد كان لقبا لعائلة فاسية من قدماء سكانها، ثم اختفى ذكرها بعد عام 1139هـ، «زهرة الآس، في بيوتات أهل فاس»، ع،ع،ك 1281 ـ ج 1 ص 121، ويوجد في قبيلة زيان فرقة تدعى ءايت مزيل، وفي «اتحاف أعلام الناس» ج 1 ص 146: أن مزيل هذا وصيف اسماعيلي كان قيما على أروى خصوصية هناك.
(3) «تاريخ الضعيف» في حوادث عام 1150هـ، مخطوطة خاصة، أما البستيون « Bastion » فهو كلمة اسبانية بمعنى الحصن.
(4) انظر «اتحاف اعلام الناس» ج1 ص 190 ـ 191.
(5) وصفه في المصدر الأخير ج 1 ص 124 ـ 125.
(6) نفس المصادر ج 1 ص 127 ـ 128.
(7) جاء في «الذخيرة السنية» ص 188، في صدد أعمال يعقوب المرينية عام 679هـ: وفي نصف شوال القرطاس، ط. ف، عام 1305هـ ـ ص 232، وقد انكشف ـ أخيرا ـ بعض ءاثار هذه القصبة المرينية أثناء حفير وقع في صيف عام 1960م، بين موقع إدارة الأحباس، والمحكمة الإقليمية.
(8) هو مؤلف «درة السلوك» والزياني في «الترجمان» و«البستان» ومن قلده.
(9) أنظر «اتحاف اعلام الناس» ج 1 ص 189 ـ 190.
(10) اسمه الكامل: «زهر البستان في نسب أخوال مولانا زيدان»، لمحمد العياشي، مخطوط.
(12) «نشر المثاني» ج2 ص 267.
(13) اسمها الكامل: «درة السلوك وريحانة العلماء والملوك»، تأليف الأمير عبد السلام بن السلطان محمد الثالث، مخطوطة خاصة.
(14) مجهولة المؤلف، «المعسول» ج 18 ص 300، بمناسبة ورود نصها كاملا بهذا المصدر.
(15) اسمه الكامل: «سنا المهتدي، إلى مفاخر الوزير أبي العباس اليحمدي» لأبي الحسن علي بن أحمد بن قاسم المصباحي الخمسي.
(16) اسمها الكامل: «روضة التعريف بمفاخر مولانا إسماعيل بن الشريف» لمحمد الصغير اليفرني. ط المطبعة الملكية بالرباط، عام 1382 هـ ـ 192م ص 68 – 69.
(17) «اتحاف اعلام الناس» حيث توجد ترجمته ج 4 ص 106 ـ 117، مع «الاعلام، يمن حل بمراكش واغمات من الاعلام» ج 5 ص 28 ـ 30، وفي هذا المصدر الثاني التبس والد اليحمدي بابنه، فجعل تاريخ وفاة الوالد للابن، وهو سهو واضح.
(18) «الاعلام» الآنف الذكر حيث وردت ترجمته ج 5 ص 62.
(20) «الترجمان» للزياني، ومن قلده، وفي «البستان» يجعل ذلك عام 1176هـ.
(21) «الترجمان» الذي سمى هذا المسجد بمدرسة الشاوية.
(22) «اتحاف أعلام الناس» ج 1 ص 137.
(23) المصدر نفسه ج 1 ص 184 ـ 189، حيث يوجد وصف هذه البناية، مع تاريخ الحاج عبد الكريم بن موسى الريفي، مخطوطة خاصة.
(24) وصفه في «اتحاف اعلام الناس» ج1 ص 128 ـ 129.
(25) من مراجع ترجمته: «اتحاف أعلام الناس» ج 5 ص 276 ـ 278.
(26) من مراجع ترجمته: المصدر الأخير ج 5 ص 503.
(27) «المصدر» نفسه ج 1 ص 135 ـ 136.

السابق
من أسماء الله الحسنى “القهّار”
التالي
صيام ست أيام من شوال