مقالات تربوية

ديناميـة الجمـاعة وقياسـها (السوسيومترية)

ديناميـة الجمـاعة وقياسـها -السوسيومترية

مدخل عام


تنتـمي ديناميـة الجمـاعة وقياسـها (السوسيومترية) والتواصـل البيداغـوجي إلى حقـل سيكوسوسيولوجيا التربيـة. فمـاذا نعنـي بسيكوسوسيولوجية التربيـة Psychosociologie de l’éducation؟ هي مقاربة الظاهـرة التربوية، تعتمد على مفاهيـم ومبـادئ ومناهـج السيكوسوسيولوجيا (علم النفس الاجتماعي) الذي يكاد يجمع الكل على موضوعه. يقول موريس روكلان M. Reuchlin: “هو دراسة التفاعلات بين الفرد والجماعات التي ينتمي إليها”. وبالرغم من أن البعض يتجاوز هذا التعريف إلى التفاعلات بين الجماعات ذاتها، إلا أن الغالبية أصبحت الآن تكاد تستقر على اعتبار السيكوسوسيولوجيا تتمحور حول ظاهرة التفاعل داخل الجماعات.


إن مفهوم التفاعل مفهوم مركزي في هذا العلم، يتجلى من خلال مواضيعه كالاتجاهات والأدوار الاجتماعية ودينامية الجماعات والتمثلات الاجتماعية والتواصلات… حيث يرتكز على مقومات أساسية ثلاث، وهي: وجود موضوع محدد ومتميز. وجود منهج للدراسة، ينظم خطوات البحث ويعطي مصداقية للأدوات والتقنيات المستعملة. وأخيرا التوصل إلى نتائج، ترمي إلى فهم الظواهر أو تجاوز ذلك إلى التدخل والتغير في معطيات الواقع. فما موضوع سيكوسوسيولوجية التربية إذن؟ وما منهجها؟


إن سيكوسوسيولوجية التربية علم أصبح يحتل مكانة هامة ضمن حضيرة علوم التربية، ساعده في ذلك ما تعرفه السيكوسوسيولوجيا من تطورات ونجاحات في مجال معرفة وفهم الإنسان من جهة، والتطورات التي عرفتها الدراسات التربوية البيداغوجية من منظور سيكو سوسيولوجي، بفعل تزايد الاهتمام بظاهرة الجماعات في المجال التربوي وبديناميتها والتواصل في التربية وأهمية بيداغوجية التمثلات وبدور القيادة التربوية وتأثيرها بمناخ الجماعة وأهمية الموقع الذي يحتله المتعلم ضمن شبكة العلاقات داخل الفصل وأثر مناخ الفصل الدراسي على مردودية مريديه (متعلمين ومدرسين) من جهة أخرى.

إقرأ أيضا:التخطيط مفهومه وأنواعه


لذا فسيكوسوسيولوجيا التربية علم نظري وتدخلي في نفس الوقت تماما كالسيكوسوسيولوجا. إنها تنطلق من إشكالات وقضايا، يمنحها الفعل والممارسة التربويان، وذلك لمساءلة النظريات المتواجدة في حقل السيكوسوسيولوجيا، ومن ثم صياغة تصورات جديدة، بإمكانها أن تسلط الضوء على عمليات الممارسة التربوية من أجل فهمها والقدرة على الفعل فيها (التدخل السيكوسوسيولوجي التربوي).


هذا من حيث موضوع السيكوسوسيولوجيا التربية. أما من حيث المنهج، تستمده هو وتقنياته من حقل السيكوسوسيولوجيا. ومن ثم فهي تعتمد على الملاحظة والتجربة ضمن المنهج التجريبي أو العيادي. وهكذا يعتمد العلمان على تقنيات وأدوات، بعضها مشترك مع علوم إنسانية أخرى (كتقنيات الملاحظة والتجريب والمقابلة وتحليل المحتوى…)، وبعضها الآخر هو وليد هذين العلمين كتحليل التواصلات وتقنيات تحليل التفاعلي ولعب الأدوار من سيكودراما وسوسيودراما وتقنية السوسيومترية التي سنتحدث عنها فيما بعد، وباقي التقنيات الأخرى المستعملة في دراسة الظواهر المرتبطة بالتأثير داخل الجماعة وبين الجماعات.


وفيما يلي، سنحاول التعرض لمواضيع أساسية، أغنت فهم المجال التربوي وتوصلت إلى الكثير من ميكانيزماته وخلفياته، وهي: دينامية الجماعات وقياس دينامية الجماعات (السوسيومترية) والتواصل البيداغوجي.


1. دينامية الجماعات Dynamique des groupes


I – تحديدات أولية:
أ – الجماعة الصغرى micro- groupe:

إقرأ أيضا:المُدَرِّسُ بين الهاجس الأمني والواجب التربوي


تعرف هذه الجماعة بأنها وحدة اجتماعية، تتكون من أكثر من شخصين، تسودهم علاقات تفاعلية، وفق قيم ومعايير، تتحدد في ضوئها الأدوار والوظائف والمسؤوليات. وتعتبر الجماعة الصغرى نموذجا من الجماعات (الجمهور، الحشد، العصابة، التجمع…) وتعرف بأنها تلك التي يدخل أفرادها في علاقات تواصلية مباشرة ودون أي وسيط. وقد حصر البعض أعضاءها من 25 إلى 30 عضوا. وقدتكون الجماعة الصغرى:


1. مؤسسية (نظامية، قانونية): وهي التي ترتبط بمؤسسة رسمية، تحدد نظامها واختصاصها وأهدافها كجماعة القسم.
2. تلقائية (غير نظامية، لا قانونية): وهي التي تتأسس بناء على التقاء عرضي لأهداف المنضوين فيها.
تصنف جماعة الفصل ضمن الجماعات المؤسسية أو جماعات العمل. وهي تتكون من مستويين مختلفين من حيث الطبيعة والخصائص. وهذان المستويان متداخلان من حيث التأثير وطبيعة العلاقات التي تؤثر في توجيه سلوك الفصل، بل وفي المردودية التعليمية التعلمية للمكونين له.
المستوى الأول: وهو المستوى القانوني المرتبط بمؤسسة رسمية تحدده الاعتبارات النظامية التي تحكمها مثل: سن المتعلمين، مستواهم التعليمي، جنسهم، والأهداف الرسمية للجماعة، والشروط اللازمة لتحقيق تلك الأهداف، والمسؤوليات المحددة مسبقا لإفراد الجماعة كتحديد الأدوار: مدرس/متعلم، وتحديد العلاقة التي يجب احترامها داخل الجماعة، سواء بين المدرس والمتعلمين أو بين المتعلمين أنفسهم.
المستوى الثاني: فهو مستوى غير رسمي وغير قانوني باعتبار الفصل كجماعة أولية، يصبح مجالا للتكوين العاطفي ومجالا للتكوين النفسي الإجتماعي. وفي هذا الإطار، يمكن أن نقول بأن الفصل الدراسي ليس فقط مجرد مجموعة من أفراد متواجدين بشكل قانوني ورسمي، من أجل تحقيق أهداف تربوية معرفية فحسب، وإنما هو كذلك، مجال يمثل علاقات وتفاعلات دينامية. وبذلك يصبح الفصل الدراسي، مجالا غنيا لتبادل التأثير والتأثر، ومجالا غنيا لاكتساب خبرات واتجاهات وقيم وأنماط سلوكية مختلفة. وفي الغالب، فإن هذا المستوى، يكون له تأثير كبير على سير العملية التعليمية التعلمية. كما يؤثر على العلاقات التي تنشأ بين المدرس والمجموعة ككل. ويكون له تأثير كبير كذلك على شعور المتعلمين وإحساسهم ببعض، وعلى المناخ العاطفي السائد في الفصل بصفة عامة.

إقرأ أيضا:عرض تربوي حول الوسائل والوسائط التعليمية


ب. دينامية الجماعات:


يرتبط هذا المفهوم بالعالم الألماني كورت ليفين K. Lewin الذي شرع في نشره حوالي 1930. وبعد ذلك، تطور هذا المفهوم على يد مجموعة من العلماء الأمريكيين.
تعتبر دينامية الجماعات علما من جهة، وتقنيات من جهة أخرى؛ تعتبر علما من حيث ضبط وقياس القوى والعوامل السيكولوجية الاجتماعية التي تتحكم في سيرورة الجماعة. بذلك يكون هو ذلك العلم الذي يهتم بالدراسة العلمية المنظمة للجماعة وتكوينها ونموها ونشاطها وإنتاجها، وما يرتبط بها من جوانب أخرى، بغية الوصول إلى القوانين العلمية التي تنظم هذه الجوانب. كما تعتبر تقنيات من حيث مجموع الطرائق والوسائل التي بفضلها يتم التأثير في الفرد والجماعة.


ج. التفاعل: l’interaction:


يعتبر التفاعل المفهوم المركزي لدينامية الجماعات، ويعني مختلف التبادلات التي تجري بين أعضاء الجماعة فيما بينهم، والتي تضمن تبادلية في الفعل والانفعال بين الأعضاء،وهو يؤدي إلى:


1. التعرف على آراء الأفراد وتبادلها.
2. حيوية الجماعة وجمودها.
3. معرفة الأعضاء الفاعلين والأعضاء المنفعلين.
4. معرفة نوع القيادة وكيفية تطوير الجماعة.


II – خصائص جماعة الفصل:


أ – الفصل كمجال نفسي اجتماعي:


سنحاول فهم الفصل الدراسي انطلاقا من خصائص الجماعات الصغيرة، بالخصوص، انطلاقا من خصائص جماعات العمل. وقد حددها جونسون و بوني Jhonson et Bonny، كالتالي:
1. تحقيق خبرة تعليمية محددة من قبل رسميا.
2. الحضور إلزامي وليس إختياري لأفراد جماعة الفصل.
3. القائد مفروض على الجماعة، ولا يمكن التمرد على سلطته أو الخروج عليه.
4. يقع أفراد الجماعة تحت ضغوط وتأثيرات متعلمين آخرين ومجموعة ضاغطة أخرى.


ب – الدوافع وتحقيق الأهداف المشتركة:


يتوقف تماسك الجماعة واستقرارها على عنصرين رئيسيين:
1. أهداف مشتركة واضحة ومحددة المعالم.
2. رغبات ودوافع مشتركة ومتقاربة.
لكن الجماعة لا يمكن أن تلبي نفس الدوافع، ولا أن تستجيب لنفس الرغبات، وذلك حسب المواقف المختلفة التالية:
* فهناك من يبحث عن الانتماء من أجل الإحساس بالأمن والآمان.
* وهناك من يبحث عن إرضاء رغبة في القيادة والتأثير.
* وهناك من يبحث عن الرغبة في التقدير والاحترام.
* وهناك من يرغب في الحصول على مركز ومكانة اجتماعية (الحاجة إلى الاعتراف).
وهكذا، فلكي تبقى الجماعة مستمرة ومتماسكة، فلا بد أن يكون هناك تقابل بين دوافع الأفراد وحاجاتهم ورغباتهم والأهداف العامة للجماعة. ولهذا، فعلى الجماعة أن تعمل على توفير وسائل الإشباع والتحقيق لرغبات الأفراد وطموحاتهم، وذلك يتوقف على:
1. وضوح الأهداف وتحديدها وواقعيتها.
2. التوافق بين دوافع الأفراد ودوافع الجماعة وأهدافها.
3. الأخذ بعين الاعتبار حاجات المتعلمين ودوافعهم الأساسية والعمل على اتباعها.
هذه الشروط الثلاثة، غائبة في الغالب في المدرسة الأساسية المغربية، مما يفسر طغيان المشاكل ذات البعد الإنساني والعلائقي في نظامنا التعليمي.


ج – التلاؤم والانسجام:


وهو ما تصدر عنه عادة الروح المعنوية للجماعة أو المناخ العاطفي السائد فيها. وبعبارة أخرى، نطلق عليه التماسك الناجم عن جاذبية أفراد الجماعة بعضهم إلى بعض. ومن العوامل التي تؤدي إلى التماسك وتقوي جاذبية الجماعة، ما يلي:
1. الخبرات المشتركة والاشتراك في قيم ومعايير واحدة.
2. الإحساس بالانتماء إلى الجماعة.
3. معرفة الأدوار وحجم المجموعة وتنظيمها.
5. التوفيق بين الأهداف الفردية والأهداف العامة للجماعة ووضوح الأهداف وواقعيتها.
وقد أورد جونسون و بوني ثلاث عوامل، عليها تتوقف عملية التلاحم والانسجام في الفصل الدراسي:
1. التماسك: إن تماسك جماعة الفصل، مرتبط بمدى توفر الإمكانيات لإشباع الحاجيات الشخصية للمتعلمين. وبمدى شعورهم بالانتماء للجماعة وتوحدهم معها، كالحاجة إلى القبول والاعتراف والتقدير، والحاجة إلى الأمن. وكلما تحققت هذه الحاجات تحقق التماسك.
2. طرق العمل: هناك طريقة العمل التعاوني وطريقة العمل التنافسي. وقد أثبتت دراسة دوتش Deutsch، بأن العمل التنافسي يعطي للمشاركين تعودا بعدم الأمن وبعدم الثقة في الآخرين، ويولد عندهم الإحساس بالقلق، مما يعيق عملية التواصل بين الأفراد. أما العمل التعاوني، فيساعد على تماسك الجماعة ويعطي نفسا كبيرا لإنتاجيتها.
3. الطرق المعيقة: هي مجموع الطرق التي تعمل على تضييق مجال تحرك المتعلمين، فتقلل بالتالي من عملية التواصل وإمكانيات العمل الجماعي؛ فتكثر المشاحنات والإحباطات، ويتخذ المتعلمون وسائل دفاعية مختلفة؛ كالشغب وعدم الاهتمام والتهميش، وكذا النفور المطلق. ويمكن التغلب على هذه العوائق بإتباع طرق فنية من أجل تدعيم تماسك القسم والرفع من معنوياته. وذلك:
* بتشجيع المتعلمين على المشاركة في اتخاذ القرارات وإبداء الرأي فيها.
* بتقدير أعمال المجموعة والاعتراف بمجهوداتها، مع التنويه بأعمالها.
* بتعويد الجماعة على العمل الجماعي والعمل التعاوني، وإبراز فوائده ومزاياه.


د – إمكانات جماعة الفصل:


تعتمد جماعة الفصل على رصيد تستثمره في تحقيق أهدافها. يتمثل هذا الرصيد في الإمكانات التي يسهم بها الفرد في الجماعة (مؤهلات واستعدادات). تعتبر هذه الإمكانات، عنصرا حاسما في عملية التعليم والتعلم لأهميتها من جهة، ولأهمية إدراكها من طرف أعضاء الجماعة من جهة أخرى، وهي كالتالي:
1. إمكانات المتعلم: وهي مؤهلاته الفكرية واتجاهاته وفي نفس الوقت، مواقفه من عملية التعليم والتعلم ككل.
2. إمكانات المدرس: وتشمل مؤهلاته المهنية وما تتضمنه من إدراك لأهداف ومضامين التعليم والطرائق وأساليب التدريس المتبعة، كما تشمل أيضا وعي المدرس بدوافعه ومزاجه وبعض سماته، وأثر كل ذلك في العلاقات البيداغوجية.


ﻫ – البناء الاجتماعي للفصل:


يقوم هذا البناء على توزيع الأدوار وتحديد المسؤوليات والمهام. ويتكون البناء الاجتماعي للمجموعة الصغيرة (الفصل) من:
1. توزيع الأدوار والنفوذ داخل الجماعة: يتميز كل عضو في جماعة الفصل، كأي جماعة صغرى، بوظيفة معينة، تحدد أنماطا من السلوك، تتمثل في أدوار يتوقع منه أن يقوم بها. تتوزع الأدوار على الأعضاء على شكل بنية دينامية متداخلة، تمكن كل فرد من توقع سلوك الآخرين والتوافق معه أحيانا. وتعين أدوار جماعة الفصل وتحدد في ضوء النماذج العامة أي السلطة النسبية لكل فرد، في الجماعة، ومدى تأثير كل واحد على الآخرين.
2. عملية الحراك الاجتماعي داخل الجماعة: بمعنى أن العملية التعليمية التعلمية هي أولا وقبل كل شيء، عمل تواصلي. وعندما يتم من جانب واحد فقط، فإنه يؤدي إلى الإحباط وإلى عدم الاهتمام
من جانب المتعلمين. وهذا يقودنا إلى التواصل البيداغوجي والدينامية داخل القسم.
3. شبكة العلاقات الاجتماعية أو البناء السوسيومتري: ويقصد بها العلاقات المبنية على الاختيار والتجاذب أو الرفض والتنافر (قياس دينامية الجماعات).
2. قياس دينامية الجماعات La sociomètrie


I – معنى قياس دينامية الجماعات:


تعرف دراسة ورصد دينامية العلاقات الاجتماعية، في إطار تكوين الجماعات وطرق تنظيمها، باسم القياس الاجتماعي Sociométrie، لأنها تعمل على تنظيم العلاقات الاجتماعية، تنظيما يخضع لقياس الأبعاد النفسية في امتداداتها الفردية – الجماعية.
يعتبر مورينو Moréno، مؤسس الاختبار السوسيومتري، لدراسة بناء الجماعة. وقد أكد هذا الأخير، أن الكائنات الإنسانية، ترتبط فيما بينها من خلال أنماط علائقية ثلاثة: التجاذب – التنافر – اللامبالاة. والاختبار السوسيومتري أداة لدراسة الأبنية الاجتماعية على ضوء ضروب التجاذب والتنافر التي تظهر داخل جماعة ما. ويعتبر قياس قوى الجذب والنفور أهم أهداف هذه الطريقة التي يكاد يقتصر ميدانها على دراسة أبنية الجماعات الصغيرة كجماعة الفصل. ويمكن رصد نتائج هذا الاختبار على شكل رسم توضيحي، يطلق عليه إسم التخطيط الاجتماعي Sociogramme.
3. التواصل البيداغوجي La communication pédagogique
إن الفصل الدراسي لا يكتسي أية أهمية بالنسبة للمتعلم إلا في حدود ما يحقق له من إشباعات لحاجاته. ولهذا يؤكد علماء التربية ودينامية الجماعات على أن جانب الإشباع شرط مركزي لإنجاح العملية التعليمية التعلمية، وذلك وفق تواصل بيداغوجي سليم ضمن حراك اجتماعي داخل الجماعة.


I – تعريف التواصل البيداغوجي:


إن التواصل، باعتباره علاقة بالمعنى الأكثر عمومية، هو فعل تبادل ونقل معلومات من مرسل إلى متلقي بواسطة قناة، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار، طبيعة التأثيرات والتفاعلات التي تحدث أثناء عملية التواصل البيداغوجي، وكذا أشكال الاستجابة للرسالة والسياق الذي يحدث فيه التواصل.


II – عناصر فعل التواصل البيداغوجي:


تتحدد عناصر عملية التواصل البيداغوجي، باعتبارها تفاعلا، انطلاقا من مستويات عدة، منها:
1. المستوى اللسني (اللغة): وذلك باعتبار اللغة الأدات الأساسية للتواصل.
2. المستوى المعرفي (الثقافة): ويقصد به، معارف ومعتقدات أعضاء الجماعة.
3. المستوى السيميولوجي: مستوى الإشارات والرموز، تدل على الرفض أو القبول.


III – شروط فعل التواصل البيداغوجي:


يحدث فعل التواصل بين مدرس ومتعلم، عندما تتوفر الشروط التالية:
1. الأطراف الفاعلة في التواصل: مدرس — متعلم — وسائل.
2. السياق الذي يتم فيه التواصل على شكل نوايا يراد تبليغها.
3. صيرورة التفاعلات بين مدرس ومتعلمين أو بين المتعلمين أنفسهم.


IV – وظائف فعل التواصل البيداغوجي:


إن فعل التواصل البيداغوجي ليس مقصودا لذاته، بل يتوخى تحقيق وظيفة من الوظائف. ومن هذا المنطلق، يمكن أن نحدد لفعل التواصل البيداغوجي أربع وظائف أساسية المتمثلة في الأشكال التالية:
1. التبادل échange: نعتبر العلاقة التبادلية وظيفة أساسية في التواصل، كتبادل الخبرات والتجارب والمعارف والرموز والقيم… (التبادل القائم بين المدرس والمتعلم).
2. التبليغ transfert: يفيد النقل وإرسال وإخبار وتحويل. فهناك نسق تنظيمي لعلاقة مرسل / متلقي. فالمرسل يحول أو ينقل الخطاب أو الرسالة بواسطة أداة، للمتلقي الذي يتقبلها ويعمل على استيعابها… (التبليغ من المدرس إلى المتعلم).
3. التأثير impact: إن التبادل والتبليغ يتضمنان أيضا وظيفة التأثير. فالتعبير عن تجارب ومعارف، لا يفيد فقط تبليغ إرسالية للمتلقي، بل يفيد أيضا ممارسة تأثير على هذا المتلقي. فالعلاقة التي تنبني على تطبيق أوامر وتعليمات أو تريد إحداث تغيير في سلوك المتلقي.
4. التنقيب: وهو البحث والقيام بمهام وإنجاز.
واعتمادا على هذه الوظائف الأربعة، يمكننا أن نقول: إن التواصل البيداغوجي هو كل عملية إرسال رسالة بين طرفين أو أكثر، وفي الغالب، بين مرسل ومتلقي، تنجز بوسائل داخل سياق محدد في الزمان والمكان، قصد التبادل أو التبليغ أو التأثير أو التنقيب. وواضح أن هذا التعريف ليس شاملا، لأن غرضنا هو وضع تحديد عملي، يمكن أن ننطلق منه، لتحديد التواصل البيداغوجي. لذلك نسمي تواصلا بيداغوجيا كل أشكال وصيرورات العلاقة التواصلية التي تتضمن نمط الإرسال اللفظي وغير اللفظي بين مدرس ومتعلمين أو بين المتعلمين أنفسهم. كما يتضمن الوسائل التواصلية الأخرى في إطار الزمان والمكان. وهو يهدف إلى تبادل أو تبليغ ونقل الخبرات والمعارف والتجارب والمواقف، مثلما يهدف إلى التأثير على سلوك المتلقي.


V – تحليل فعل التواصل البيداغوجي:


هناك مجموعة من المنطلقات، يمكن أن نحلل من خلالها الفعل التواصلي البيداغوجي:
1. الوظائف: يمكن تحليل العلاقة التواصلية بين مدرس ومتعلمين من خلال وظائف التواصل، وعلاقة هذه الوظيفة بأشكاله.
2. سياق العلاقة (مدرس – متعلمين): نعني به محتوى الخطاب التعليمي ووسائل وطرق تبليغه، وسياق العلاقة الوجدانية، مثل ميول المتعلم والحوافز على التعلم، ثم سياق العلاقة الاجتماعية، مثل الأوضاع الاجتماعية للمدرس والمدرسة والمعايير والأدوار.
3.عناصر التواصل: أي تحليل فعل التواصل، انطلاقا من عناصره، كالمرسل والمتلقي والرسالة.
4. أشكال التعليم: في هذا الإطار، يمكن أن نحلل فعل التواصل في علاقة بنماذج التعليم أو بطرقه التعليمية، لكي نحدد طبيعة التواصل وفق كل نموذج المرتكز على المدرس أو على المتعلم.
5. منطلقات أخرى: وتتجلى في حجم الجماعة والنظام الإداري المدرسي ومحتوى المقررات وأهداف التعليم.


VI – نماذج لتحليل وفهم التواصل البيداغوجي: هناك نماذج كثيرة، منها:


1. النموذج الذي يعطي قيمة أكثر لعملية التواصل ذاتها الذي وضعه شانون Shannon 1949.
2. النموذج الذي يعطي أهمية لطبيعة الرسالة في حد ذاتها. وينتمي هذا النموذج إلى الحقل اللساني الذي وضعه الباحث اللساني جاكوبسون Jakobson،1964.
3. النموذج الذي ينسجم والوظيفة التأثيرية للتواصل الذي وضعه الأمريكي لازويل Lasswelle، 1948. وذلك أن ترجمته تفيد أن مرسل يرسل رسالة إلى متلقي بواسطة أو وسيلة، لكي يحدث فيه أثرا. لذا فأبسط مسلك لتحليل عملية التواصل ضمن العملية التعليمية التعلمية هو استعمال خطاطة لازويل Lasswell schéma التي حددها انطلاقا من خمسة أسئلة:
من؟ (مرسل) – ماذا يقول؟ (رسالة) – بأية وسيلة؟ (وسيط) – لمن؟ (مستقبل) – لأي تأثير؟ (أثر)
ومن مناقشة هذه الأسئلة، نحدد طبيعة التواصل البيداغوجي ونبين كيف يكون فعلا:
1. المرسل émitteur: وهو المدرس. من مواصفاته: قائد ديموقراطي لجماعته، مرن في توزيع الأدوار.فإن القيام بدوره على الشكل المطلوب تتحكمه الشروط التالية:
* التمكن من القدرة المعرفية وضبط الأهداف واختيار أنسب الطرق والوسائل لتحقيقها.
* المواءمة بين دوافع المتعلمين ودوافع الجماعة.
* العمل على خلق روح معنوية للجماعة. وهذا ما يعرف بالتماسك، أي البحث عن مجموع العوامل التي تجعل من الجماعة مركزا ذا جاذبية، بدفع الأعضاء إلى الانتماء إليه والتوحدبه
* العمل على توسيع شبكة التواصل، وأن يكون مرسلا ومتلقيا في نفس الوقت.
* اعتبار حاجات المتعلمين الأساسية، والعمل على إشباعها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتلميذ السنة السادسة الذي هو كائن مراهق. ولعل أهم حاجاته:
– الحاجة إلى الانتماء والاندماج والأمن.
– الحاجة إلى الحرية والاستقلال وإلى الثقة في النفس والقبول.
– الحاجة إلى الاحترام والتقدير، واحترام الغير لآرائه.
– الحاجة إلى الاعتراف والاعتزاز بشخصيته.
– الحاجة إلى المودة والحب والصداقة.
– الحاجة إلى المعرفة (معرفة ذاته ومعرفة العالم).
* تذكية روح التفكير الجماعي والعمل على حل المشكلات بطريقة تعاونية، وذلك بمعرفة المدرس:
– قيم ومعايير المجموعة وبناء القوة داخل القسم.
– معرفة طريقة توزيع السلطة بشكل عادل بين المتعلمين.
– توجيه المناقشة بشكل تربوي سليم.
– معرفة البناء الاجتماعي للقسم، أي معرفة المجموعات الصغرى ومستوى العلاقات التي تتحكم فيه.
2. الإرسالية méssage: أي المحتوى. وعليه أن:
* يكون واضحا، منسجما مع الأهداف المختارة.
* يكون في مستوى المتعلمين عقليا ولغويا واجتماعيا.
* يكون مشبعا للحاجات. وذلك لن يتأتى إلا إذا اعتبر المدرس أن المتعلم شريك له قادر على الفعل والانفعال.
* يترك أثرا في المستقبل بخلق استجابة فيه، مثل:
– يخلق عنده موقفا أو ميلا أو قيمة جمالية (تبادل).
– يخبره عن أشياء معينة، جديدة (تبليغ).
– يؤثر على سلوكه ومواقفه (أثر).
– يثير عنده حب الاستطلاع، ويدفعه إلى البحث (تنقيب).
– يمكنه من تأكيد الذات (تبادل).
3. الوسيط médium: يتلخص في جملة من الإجراءات والشروط المادية والمعنوية التي يتسم بواسطتها تبليغ الخطاب (لغة – طريقة – وسيلة – تقنية – إشارة – إيماءات…) لتحقيق ذلك، يجب أن تتوفر الشروط التالية:
* الطرائق: تكون تربوية فعالة.
* جو الفصل: تسوده الديموقراطية وحرية التعبير في النقاش.
* لغة التواصل: تكون لغة مفهومة، دقيقة. ولكن على المدرس أيضا ألا يحصر التواصل في التعبيرات اللغوية، إذ أن هناك أنواع أخرى من التواصل غير اللغوي، كالحركات والإشارات وتبادل النظرات… وهي كلها رموز. فعلى المدرس الانتباه إليها والاهتمام بها وتدبرها.
4. المستقبل، أي المرسل إليه أو المتلقي (المتعلم): إنه المحور والشرط المركزي في التواصل. لذا فإن من واجب المدرس أن يعد الإرسالية والوسائط وفق هذا المستقبل من حيث قدرته العقلية وخصائصه النفسية والاجتماعية.مع العلم أن المتعلمين في جماعة القسم، يشكلون مجتمعا مصغرا. فهم يسلكون ويفكرون ويحسون ويشعرون بشكل جماعي. لذا، لا يجب التعامل معهم كما لو كانوا مجرد تجمع لإفراد مستقلين بعضهم عن البعض الآخر.
ومن هذا الباب، فإن طبيعة التعامل التربوي البيداغوجي مع هؤلاء، يقتضي أن يكون التواصل أفقيا تبادليا. أي أن يكون تواصلا مفتوحا بين المدرس والمتعلمين. وعندئذ، لا يكون المدرس مرسلا دائما، بل أيضا مستقبلا لإرسالية المتعلمين والاهتمام بها. وبهذا المعنى، تتركز محورية المتعلمين أكثر من ذي قبل، ويصبح المدرس مساعدا للمتعلمين، يخلق لهم جو المبادرة، ويهيئ لهم المواقف التعليمية، ويوجه استجاباتهم في إطار متكامل شامل.
5. الأثر l’impact: ونعني به تحقيق الأهداف في شكل معارف ومهارات ومواقف وسلوكات. هذه الأهداف تخلق عند المتعلم ميلا أو قيمة جمالية، تثير عنده حب الاستطلاع ودافع البحث، وتمكنه من تأكيد الذات

السابق
كرة القدم حاضرة وغيرها مُغَيَّب
التالي
كيف أثر فيروس كورونا على الحياة البيئية